تشهد الساحة السياسية في جنوب أفريقيا تصعيدًا متزايدًا إثر تمسّك الرئيس سيريل رامافوزا بمنصبه، ورفضه تقديم استقالته، رغم تحرك البرلمان لإعادة فتح ملف يتعلق باتهامات تخص إخفاء مبلغ مالي كبير داخل مزرعته الخاصة.
في ظل الاستعدادات لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية جديدة تدرس إمكانية عزله، يستمر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم في دعمه للرئيس، بينما تتصاعد ضغوط المعارضة للمطالبة برحيله، وسط إثارة جدل قانوني بعد حكم قضائي أعاد فتح التحقيق في ما يُعرف إعلاميًا بـ«فضيحة أموال الأريكة».
رامافوزا يرفض الاستقالة ويُعلن الطعن في تقرير البرلمان
خرج الرئيس رامافوزا في خطاب متلفز إلى الشعب يعلن فيه رفضه للاستقالة، مؤكدًا عزمه مواجهة الاتهامات التي تتناول عدم الإفصاح عن أموال نقدية ضخمة عُثر عليها داخل مزرعته الواقعة في «فالا فالا».
صرح قائلاً: «أؤكد باحترام أنني لن أتنحى عن منصبي»، وأعلن نيته اللجوء إلى الإجراءات القانونية للطعن في التقرير البرلماني الذي خلص إلى وجود أدلة قوية تستدعي فتح تحقيقات موسعة قد تفضي إلى عزله.
جاء هذا التصريح عقب قرار البرلمان بتشكيل لجنة تحقيق خاصة، تعقيبًا على حكم المحكمة الدستورية العليا الذي اعتبر تعطيل إجراءات العزل في 2022 غير دستوري.
تحرك برلماني للحسم إثر تدخل المحكمة الدستورية
أعاد البرلمان الجنوبي فتح ملف عزل الرئيس عبر تشكيل لجنة تحقيق متعددة الأحزاب، استجابة لحكم المحكمة الدستورية الذي اعتبر أن التقرير المستقل الصادر عام 2022 كان يفترض أن يُحال إلى البرلمان، وليس أن تُوقف الإجراءات بناءً عليه.
وكانت القضية قد شهدت إغلاقًا سياسيًا حين رفض البرلمان، الذي يهيمن عليه حزب المؤتمر الوطني، المضي قدمًا في عزله على الرغم من وجود توصيات مشددة على ضرورة التحقيق.
يشترط الدستور الجنوب أفريقي موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، البالغ عددهم 400 نائب، لعزل الرئيس، مما يجعل تحقيق ذلك رهينًا بالتوافق السياسي بين مختلف الأطراف.
«أموال الأريكة»: جذور الأزمة وتحقيقات متجددة
تعود أصل القضية إلى عام 2020، عندما أُبلغ عن سرقة مبلغ نقدي كبير من مزرعة رامافوزا، لتتكشف لاحقًا حقيقة وجود هذا المال مخبأ داخل أريكة بمنزله الريفي.
في 2022، قدم مسؤول سابق في جهاز الأمن شكوى رسمية للشرطة، اتهم فيها الرئيس بارتكاب جرائم غسل أموال والتستر على الحادثة، ما أدى إلى فتح تحقيقات موسعة في القضية.
وفي المقابل، نفى رامافوزا جميع الاتهامات، مؤكدًا أن الأموال جاءت من بيع مشروع قانوني لحيوانات الجاموس التي يمتلكها في مزرعته، ولكن التقرير المستقل أشار إلى وجود «شكوك جوهرية» حول مصدر تلك الأموال وإمكانية تجاوز قيمتها المعلنة.
المؤتمر الوطني الأفريقي: دعم بلا تراجع وسط الأزمة
أعلن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي يتولى السلطة، وقوفه الكامل إلى جانب رامافوزا، معبرًا عن ثقته في قدرته على تجاوز التحقيقات والتحديات السياسية الراهنة.
أكد الحزب أن الرئيس يحظى بثقة القيادة الحزبية، داعيًا إلى ترك الإجراءات البرلمانية والقضائية تسير في مجراها الطبيعي دون الانزلاق إلى «تسييس» الملف، في إشارة واضحة إلى اتهامات المعارضة بمحاولة استغلال القضية لتقويض الحكومة.
يُعد الدعم الحزبي بمثابة ركيزة أساسية في الأزمة، لا سيما مع تواصل حزب المؤتمر الوطني في السيطرة على كتلة برلمانية قوية، رغم خسارته لجزء من شعبيته، الأمر الذي قد يصعب سنّ أي قرار بعزل الرئيس.
تواصل الأزمة بين السلطة القضائية والسياسية
تظهر التطورات الراهنة مدى التشابك الحاصل بين القضاء والسلطات التنفيذية والبرلمانية في جنوب أفريقيا، حيث أعادت المحكمة الدستورية فتح المجال لمساءلة سياسية للرئيس، بينما تعمل المعارضة على زيادة زخم الضغط داخل البرلمان.
في المقابل، يصرّ رامافوزا على البقاء في منصبه بدعم حزبه، ما يمهد لمواجهة سياسية وقانونية قد تستمر لفترة طويلة، وتُشكل منعطفًا هامًا في مستقبل نظام الحكم بأحد أبرز دول القارة الأفريقية.

