تطورات العلاقات بين أمريكا وإيران: تحليل الصفقة المرتقبة | ناجي صادق شراب

تتنقل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بين مراحل من التوتر والحرب المفترضة، مستمدة من قاعدة نظرية ثيوسيديدس التي تفسر حتمية الصراع بين القوى الكبرى وفق مبدأ العداء والأمن. هذه النظرية القديمة، التي تناولت الصراع بين أسبرطة وأثينا منذ أكثر من ألفي عام، تعكس واقعاً متجدداً في السياسة الدولية حيث لا صداقات أو عداوات دائمة، بل تحالفات متغيرة حسب الظروف.

لقد شملت العلاقات الأمريكية الإيرانية تحولات درامية؛ فقد انتقلت من تعاون وصداقة في عهد الشاه، إلى العداء والصراع بعد الثورة الإسلامية عام 1979. شهدت هذه الفترة عدة محطات محورية، مثل دعم واختراق الاستخبارات الأمريكية لإزاحة محمد مصدق عام 1953، ثم تطور العلاقات النووية الملتبسة بين الدولتين، حتى وصول النزاع إلى أوجه مع التحولات السياسية في أمريكا نفسها واختلاف الإدارات المتعاقبة بين التأييد والتشدد.

تجلى هذا التذبذب جلياً في سنوات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ حيث أعلنت إدارة جورج بوش الابن إيران “محور الشر” عام 2002، ولم تمضِ سنوات قليلة حتى شهدت العلاقات توقيع الاتفاق النووي عام 2015 في عهد إدارة أوباما، والذي تبعه انحسار نتيجة انسحاب ترامب من الاتفاق وفرض عقوبات شديدة. التصعيد برز في حرب 2025 التي شهدت ضربات متبادلة وأحداث مروعة وصلت إلى استهداف شخصيات قيادية إيرانية، ما أدى إلى تصعيد شامل في الصراع الإقليمي وتداعيات اقتصادية وخيمة.

تبع ذلك محاولة إيجاد مخرج دبلوماسي من خلال محادثات إسلام آباد التي لم تنجح في إبرام اتفاق نهائي، لكنها أرست قاعدة لمفاوضات مستقبلية تسعى لقلب صفحة الحرب من خلال اتفاق وقف إطلاق النار وتمديده، في ظل رغبة واضحة لكل طرف في الحفاظ على ماء وجهه وتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية.

ملامح الصفقة الكبرى

تطرح الولايات المتحدة مجموعة من المطالب تتمحور حول نزع السلاح النووي الإيراني، وتقييد قدرات الصواريخ الباليستية، فضلاً عن قطع الدعم عن الجماعات الوكلاء الإقليمية كحزب الله وحماس، مع دمج إيران اقتصادياً في النظام العالمي بما يضمن السلام واستقرار المنطقة. على الجانب الإيراني، تركز المطالب على المحافظة على نظام الحكم، احتفاظ إيران بحقها في تطوير قدرات نووية سلمية، تعزيز القوّة الصاروخية، والاعتراف بنفوذها الإقليمي، إلى جانب شمول وقف إطلاق النار الأراضي اللبنانية والفلسطينية.

هذه المطالب المتقابلة تمثل نهايات الخطوط الحمراء للطرفين، حيث يبدأ كل منهما في تقديم تنازلات تدريجية للوصول إلى تفاهم مشترك يضمن الاستقرار النسبي ويجنّب الصدام المباشر.

الرهانات الإقليمية والدولية

هناك عدة عوامل أخرى تؤثر مباشرة على مستقبل التسوية المحتملة، أبرزها تحركات ودور دول الخليج التي يمكن أن تكون إما طرفاً محايداً أم لاعباً مهماً في أي صفقة، وهو أمر بغاية الحساسية. كذلك تلعب الصين وروسيا دوراً لا يقل عن الولايات المتحدة في المشهد، لا سيما مع حرص الصين على حماية مشاريعها الاقتصادية الاستراتيجية مثل “الطريق الحرير”، مما يجعل سقوط النظام الإيراني خسارة تؤثر على توازن القوى العالمي.

يبدو أن استمرار الحرب ليس خياراً عملياً لأي طرف، رغم الضغوط والقيود المفروضة على إيران. فكما يذكر توماس هوبز، “ليس كل عاصفة تعني سقوط مطر”، مما يشير إلى أن هناك رغبة ضمنية للحفاظ على استقرار نسبي تمكن من تحقيق حلول جمه للمواقف المتشابكة.

مع كل هذه المعطيات، تقترب الولايات المتحدة وإيران من استشراف اتفاق شامل يضمن لكل منهما تحقيق المكاسب الكبرى دون الانجرار إلى المزيد من الصراعات، مع آمال متجددة بأن لا يكون هذا الثمن على حساب دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج العربي.