تشكل هذه القمة حدثاً بارزاً في فترة حرجة نودع فيها نظاماً دولياً تقليدياً ونشهد ولادة نظام جديد يتسم بسمات مختلفة جذرياً. من المتوقع، بل والأمل، أن تكون العقول الحكيمة والطموحة للطرفين قد مارست دورها بجدية خلال الإعداد، مستندة إلى دراسة مستفيضة للمتغيرات التي أثرت على العلاقة بين القوتين العظميين.
كطرف ثالث يترقب النتائج، يجب الانتباه إلى عدة جوانب مهمة تحيط بانعقاد القمة، والتي من شأنها التأثير في النتائج المتوقعة. من بين هذه الجوانب، اخترت أهم النقاط التي لفتت انتباهي بشكل خاص.
في البداية، كانت الاستعدادات للقمة خالية من تدخلات واضحة لأفراد مرتبطين بالرئيس الأمريكي سواء عائلياً أو بمصالح شخصية، رغم أنهم كانوا حاضرين في الاتصالات والمفاوضات السابقة مع دول ومجموعات إقليمية خلال إدارة ترامب.
على الرغم من ذلك، لم تمنع هذه الحالة المجموعات ذات المصالح التقليدية والجديدة من ممارسة ضغوطها على الجهات المسؤولة عن التحضير للقمة.
بينما لم تواجه الصين أي انشغالات خارجية كبيرة تعيق تحضيراتها، كانت الولايات المتحدة منجذبة كلياً إلى حرب مع إيران، دُفعت إليها برعاية إسرائيل وجماعات ضغط داخل المجمع الصناعي العسكري، والذي لعب دوراً مؤثراً في صناعة السياسة الأمريكية لعقود.
في السياق نفسه، تميزت سياسة صنع القرار في الصين بالثبات والالتزام بالأطر المؤسسية، حيث ضُبطت جهود الإعداد وفق مصلحة وطنية عُليا تتماشى مع العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصيني، مع مراعاة سياسات اقتصادية رأسمالية محمية بضمانات اشتراكية تحت رقابة مشددة من الحزب الحاكم.
على النقيض، ظل الرئيس الأمريكي ترامب يحتفظ لنفسه بسلطة التحكم في توجهات السياسة متأثراً بتقلبات المزاج والنزعات الشخصية، التي تعكس في بعض الأحيان سمات سلوكية غير متزنة، مما خلق حالة من عدم الاستقرار في إدارة الحكم.
من المتوقع أن تشهد القمة ارتباكاً ملحوظاً في مواقف الجانب الأمريكي، مع ردود فعل صينية قد تعيد إلى الذاكرة صورة الزيارة الملكية البريطانية الأخيرة للولايات المتحدة، بما يحمله من إحراج وتوتر.
رغم أن النزاعات المسلحة لم تحقق أغلب أهدافها لمن بدأوها، فإنها أسهمت في دفع الخيال السياسي الأميركي إلى كوابيس لم يكن يتوقعها أحد سابقاً.
على صعيد آخر، بدا أن القادة في بكين نجحوا في إقناع واشنطن بضرورة وقف الحرب مع إيران، على الأقل خلال فترة التحضير وعقد القمة. اللافت في الأمر انضمام روسيا لدعم هذه المبادرة، وهو ما عكس قدرة القمة على اختبار نفسها وتسجيل بداية لدور جديد للصين كقطب دولي جاد يرفض سياسات تعتمد على قانون الغاب.
أما روسيا، فكان حضورها في القمة واضحاً رغم عدم الظهور الإعلامي، إذ تُواصل معاركها ضد أوروبا، التي تعتبرها خصماً تاريخياً، بهدف منعها من تحقيق حلمها بأن تصبح قطباً رابعاً في النظام الدولي الجديد، وهو هدف اتفقت عليه مع الولايات المتحدة ولم تعارضه الصين.
في الختام، يظل مشهد القمة شهادة حاسمة على أن عهد الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن المؤكد أن الرئيس ترامب لن يستطيع إعادة أمريكا إلى مجدها السابق عبر هذه القمة أو بعدها، مما يجعل من قمة بكين مؤشراً قوياً على تغير خارطة القوى العالمية نحو مستقبل متعدد الأقطاب.
