الطب الشرعي ودوره الحاسم في تحديد هوية الجثث المجهولة

الطب الشرعي ودوره الحاسم في تحديد هوية الجثث المجهولة

في أروقة تشحها السكينة، ومحافظات مثلّجة يحمل كل منها رقمًا بدلاً من اسم، ترقد جثامين مجهولة الهوية؛ أشخاص قضوا حياتهم دون تسجيل رسمي، أو عثر عليهم في مناطق نائية، أو فقدوا حياتهم بشكل غامض، أو تغيّرت ملامحهم إلى حد يصعب التعرف عليهم. هنا تبدأ رحلة علمية معقدة يقودها أطباء الطب الشرعي، هدفها الكشف عن سبب الوفاة وإعادة الهوية إلى صاحب الجثمان قبل دفنه، إذ تُودع الجثة في أقرب مشرحة رسمية بناءً على توجيهات النيابة العامة، لتبدأ سلسلة من إجراءات التوثيق الجنائي والحفظ.

خطوة التوثيق الأولى: مسح شامل لمُحيط الجثة

تبدأ الإجراءات بفحص دقيق لكل ما يرتبط بالجثة من ملابس وأغراض شخصية مثل المفاتيح والعملات المعدنية وحتى قصاصات الورق، إلى جانب وصف دقيق للمواصفات الجسدية كالطول، ولون البشرة، ونوعية الشعر، بهدف جمع أكبر قدر من المعلومات الأولية.

تُجرى جلسة تصوير جنائي مفصّلة تُسلط الضوء على السمات التي تميز الجثمان ببصمة خاصة لا تختفي، كما الأوشام والندوب الجراحية أو التشوهات الخلقية، وذلك لتضمين الصور في سجلات الشرطة واعتمادها في مطابقة بلاغات فقدان الأشخاص.

الفحص الطبي التشريحي: تحديد سبب الوفاة

يُجري الطبيب الشرعي كشفًا تشريحيًا دقيقًا لتحديد طبيعة الوفاة، إن كانت جنائية، انتحارية، أو طبيعية، وهو جزء رئيسي في الإجراءات التي ترافق كل جثة مجهولة الهوية.

خلال هذا الفحص تُتخذ إجراءات إضافية تهدف إلى كشف هوية المجهول، عبر التقنيات العلمية المتقدمة.

تسجيل البصمات: مفتاح التعرف على الهوية

يتم أخذ بصمات الأصابع ومقارنتها بقاعدة بيانات الأمن العام، حيث تعد هذه الخطوة حيوية وذات دقة عالية في تأكيد هوية الجثمان.

بالإضافة إلى ذلك، تُؤخذ عينات دم أو من الأسنان لإجراء تحليل الحمض النووي (DNA)، ويحفظ هذا الملف في بنك معلومات متخصص خاص بمصلحة الطب الشرعي.

دور طب الأسنان الشرعي في تحديد الهوية

في الحالات التي تتعرض فيها الجثة للتحلل أو الحرق، يصبح فحص الأسنان وتركيباتها أحد الأدلة الرصينة التي يصعب محوها، ويشكل سجلًا شخصيًا فريدًا لكل فرد.

مصير الجثامين مجهولة الهوية بعد استكمال الفحوصات

تُحفظ هذه الجثث في ثلاجات المشرحة مدة زمنية تحددها النيابة، غالبًا ما تتراوح بين 15 و21 يومًا، وقد تمتد لأشهر في بعض الحالات لضمان منح فرصة كافية للأهل أو المعارف للبحث والتعرف. إذا انقضت هذه المدة دون ظهور أحد، تصدر النيابة قرار الدفن في مقابر مخصصة للمتوفين مجهولي الهوية.

رغم دفن الجثة، تبقى ملفاتها محفوظة ضمن سجلات الطب الشرعي، تشمل الوثائق والصور وأدلة الحمض النووي، ومهما طالت السنين يمكن استدعاء هذه البيانات لإعادة هوية الشخص لمقربين يبحثون عنه، مما يحفظ حقوقه حتى بعد موته.