لبنان.. بين الدولة والظل المسلح | د. خالد راشد الزيودي

30 يونيو 2026 00:28 صباحًا
|

آخر تحديث:
30 يونيو 00:28 2026

لم يكن لبنان بلداً عادياً في الوجدان العربي، فهو مساحة صغيرة في الجغرافيا، لكنه كبير في أثره الثقافي والسياسي والإنساني، وحين يضطرب لبنان، لا يضطرب بلد واحد فحسب، بل تهتز معه صورة الدولة العربية القادرة على حماية تنوعها، وصون قرارها، وإدارة خلافاتها تحت سقف القانون والمؤسسات.

اليوم يقف لبنان أمام سؤال مصيري لا يحتمل المواربة: هل تستطيع الدولة أن تستعيد حقها الطبيعي في أن تكون المرجعية الوحيدة للأمن والسيادة والقرار؟ هذا السؤال لا يستهدف طائفة، ولا يخاصم مكوّناً لبنانياً، بل يذهب إلى جوهر الأزمة، حيث يقف سلاح حزب الله خارج شرعية الدولة اللبنانية ويشكّل عبئاً ثقيلاً عليها، وإلى عامل يعطل قيامها الكامل، ويضع قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس فقط العدوان الخارجي، بل ازدواجية القرار الداخلي، فالدولة لا تستطيع أن تتحدث بصوت واضح في الخارج إذا كان قرارها السيادي موزعاً بين الحكومة من جهة، وتنظيم مسلح من جهة أخرى، ولا تستطيع أن تطمئن شعبها أو محيطها العربي أو شركاءها الدوليين إذا بقيت حدودها مفتوحة على احتمالات التصعيد كلما تبدلت حسابات الإقليم.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لهذا الواقع، فحزب الله، بما يملكه من سلاح وتنظيم عابر لمنطق الدولة، لم يعد مجرد طرف سياسي داخل المعادلة اللبنانية، بل أصبح قوة موازية تنازع الدولة وظائفها الأساسية، وهذا الدور أضعف الجيش، وأربك الحكومات، وقيّد الدبلوماسية اللبنانية، وحوّل لبنان في كثير من اللحظات من وطن يبحث عن الاستقرار إلى ساحة رسائل إقليمية لا يملك شعبه التحكم بنتائجها.

ولا تقف خطورة هذا الدور عند البعد الأمني وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد والثقة والعلاقات العربية والدولية، فالدول لا تُبنى في ظل قرارين، ولا ينهض اقتصاد تحت تهديد الحرب الدائمة، والاستثمار لا يأتي إلى بلد يخشى الانفجار في أي لحظة، والسياحة لا تزدهر في بيئة معلقة على احتمالات التصعيد، والشباب لا يبنون مستقبلهم في وطن يشعرون أن قراره مرتهن لصراعات أكبر منه، ومن هنا تصبح السيادة قضية حياة يومية، لا مجرد مفهوم سياسي.

الأخطر أن حزب الله لم يعد مجرد حالة لبنانية داخلية، بل تحول في نظر كثيرين إلى عامل تعطيل وتخريب سياسي وأمني يعيد إنتاج الأزمة كلما اقترب لبنان من فرصة التعافي، فهو يربك القرار الوطني، ويعمّق عزلة الدولة، ويمنح الخارج أبواباً مفتوحة للتدخل في شؤونها، ويجعل اللبناني العادي يدفع ثمن خيارات لم يشارك في صناعتها.

ومن هنا أيضاً، فإن الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ليس شعاراً سياسياً، بل هو شرط أساسي لقيام الدولة نفسها، فالسلاح حين يكون خارج سلطة المؤسسات لا يبقى أداة دفاع، بل يتحول مع الوقت إلى سلطة ظل، تفرض حضورها على القرار الوطني، وتضع لبنان أمام سؤال دائم: من يملك الكلمة الأخيرة عند لحظة الخطر؟

وليس في ذلك انتقاص من حق لبنان في حماية أرضه وشعبه، بل العكس تماماً، فالحماية الحقيقية لا تكون بتعدد الجيوش داخل الوطن الواحد، بل بجيش وطني واحد، ومؤسسات شرعية واحدة، وقرار سياسي واحد، وكلما قويت الدولة اللبنانية، تراجعت الحاجة إلى البدائل، وكلما استعاد الجيش اللبناني قدرته الكاملة على الانتشار والحماية، ضاقت المساحات التي تستغلها الفوضى والتدخلات الخارجية.

إن نقد الدور المخرب لحزب الله لا يعني معاداة لبنان، بل هو دفاع عن لبنان الدولة، ولبنان الإنسان، ولبنان العربي المنفتح على محيطه، ولا يعني ذلك الدعوة إلى صدام داخلي أو فرض الحلول بالقوة، فالدولة لا تُبنى بمنطق الغلبة والإقصاء، بل بسيادة القانون وهيبة المؤسسات، لكنه في الوقت ذاته لا يحتمل استمرار الوضع الرمادي إلى ما لا نهاية، فالمطلوب مسار وطني عاقل ومتدرج، يحفظ السلم الأهلي، ويدعم الجيش، ويعيد الاعتبار للدستور، ويمنح اللبنانيين ثقة بأن دولتهم قادرة على حمايتهم جميعاً بلا تمييز.

ومن مصلحة العرب أن يقفوا مع لبنان الدولة، لا مع لبنان الساحة، فالدعم الحقيقي لا يكون بتغذية الانقسام، بل بمساندة المؤسسات الشرعية، وتثبيت الاستقرار، وحماية وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، فلبنان القوي بدولته مكسب للعرب جميعاً، أما لبنان الضعيف بظله المسلح، فيبقى مفتوحاً على الأزمات، ومعرضاً لأن يدفع أثماناً لا قدرة لشعبه على احتمالها.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب الأولويات: السيادة أولاً، الدولة أولاً، المواطن أولاً، وعندها فقط يمكن لهذا البلد الجميل أن يخرج من دائرة الانتظار، وأن يستعيد دوره العربي الطبيعي، لا بوصفه ساحة صراع، بل دولة تعافت لأنها اختارت أخيراً أن تكون الدولة هي القرار، فالسيادة وحدها هي الطريق إلى لبنان آمن ومستقر ومزدهر.

باحث في منصة (مفكرو الإمارات)