لم يكد الحبر الذي كُتبت به مذكرة التفاهم التاريخية في 18 يونيو/ حزيران بين واشنطن وطهران يجف، حتى عادت حرارة التصعيد العسكري والسياسي لتجتاح مضيق هرمز من جديد.
لا شك أن الاتفاق الذي رعته وساطات إقليمية ودولية مكثفة، وكان يُفترض أن يضع حداً لصراع دام أكثر من مئة يوم عصف خلالها بالاقتصاد العالمي وأمن الملاحة، يواجه اليوم تحدياً مصيرياً بسبب إصرار طهران على إعادة صياغة الالتزامات وفق مصالح ضيقة.
رغم أن التفاهمات نصت بوضوح على وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان المرور الآمن للسفن التجارية، إلا أن الخروقات استمرت، وتجلت في استهداف ناقلات النفط ومحاولات فرض قيود عبور أحادية واستهداف الكويت والبحرين بالصواريخ والمسيّرات، ما يؤكد أن طهران تنظر إلى الاتفاق باعتباره هدنة مؤقتة لإعادة تموضع لا كمعاهدة سلام ملزمة.
بيد أن القراءة المتأنية تكشف أن انسداد الأفق الدبلوماسي قد يكون سبباً رئيسياً، دفع السلوك الإيراني لتحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط بدلاً من مواكبة لغة البناء والاستقرار الشامل.
تواجه إيران اليوم الحقيقة المرة لحساباتها الخاطئة، فالتهديد بالخنق ارتد حصاراً على اقتصادها، ومحاولة فرض الهيمنة عبر الممرات المائية سرعّت من وتيرة بناء تحالفات دولية وإقليمية لتأمين حرية الملاحة. ولم يعد أمام طهران سوى الاعتراف بأن زمن الابتزاز بالجغرافيا قد ولّى، وأن الإصرار على الرهانات الخاسرة لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة.
المجتمع الدولي من جانبه يراقب بقلق بالغ هذا السلوك الذي يقوّض مسار الاستقرار الإقليمي. فالأمن الملاحي في مضيق هرمز ليس شأناً ثنائياً بين واشنطن وطهران، بل هو شريان حياة للاقتصاد العالمي.
ولا ريب في أن الحرب بالنسبة لإيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل بمثابة صدمة كبرى دمرت بنية اقتصادية كانت تعاني أساساً من التآكل بسبب العقوبات وسنوات سوء الإدارة، إذ قُدّر حجم الخسائر والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بنحو 270 مليار دولار، بجانب ما قيمته 100 مليار دولار في القطاع الصناعي وحده، ما أصاب الإنتاج المحلي والقدرة التصديرية بالشلل.
كما أدى الحصار البحري والضربات التي استهدفت الموانئ الإيرانية إلى تقليص حاد في صادرات النفط التي تعد شريان النظام المالي.
ولعل الاتفاق مؤخراً على وقف الهجمات المتبادلة في مضيق هرمز وعقد اجتماع يوم الثلاثاء في الدوحة، يكون فرصة مواتية لطهران من أجل المراجعة وتجنب الرهانات الخاسرة.
ختاماً، فإن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإما قبول قواعد التعايش وحسن الجوار والانتقال من مفهوم الثورة إلى مفهوم الدولة، وإما الاستمرار في سياسة الخروقات التي لن تؤدي إلا إلى تسريع وثيرة الانهيار والاستنزاف الشامل لما تبقى من أوراق في يدها.
وفي السياق ذاته، فإن ممارسات طهران الأخيرة تثبت مجدداً أن الاتفاقات تظل هشة ما لم تقترن بآليات تحقق صارمة وملزمة.
