«الاتفاق» وفرصة قراءة جديدة للشرق الأوسط | حسام ميرو

30 يونيو 2026 00:26 صباحًا
|

آخر تحديث:
30 يونيو 00:27 2026

ما مرّت به منطقة الشرق الأوسط من حرب ضد إيران، وصولاً إلى «اتفاق» بين واشنطن وطهران، وما شهدناه من تقلّبات وتحولات وردود أفعال، خلال أكثر من شهرين، ينبغي أن يخضع في جوانبه الاستراتيجية إلى قراءة معمقة من قبل صناع القرار في الشرق الأوسط، فالحروب، وما يليها من اتفاقات الكبرى، دروس مهمة لمن يريد أن يؤثر في صناعة المستقبل، بما يقلل من كلفة المخاطر غير الضرورية، والمغامرات غير المحسوبة، والسياسات المبنية على الرغبات لا الواقع، وأن ينتهج سياسات تقوم على مقاربات هادئة وعقلانية، وأقلّ أيديولوجية.

هناك نقطتان ينبغي ألّا تغيبا عن أيّ قراءة لما حدث، لأنهما، عملياً، لأي خيار بخصوص المنطقة، تتمثل الأولى في أن الطرف الذي يبادر للحرب، مطلق حرب، يكون في لحظة تنفيذ القرار على قناعة كاملة بأنه سينتصر في حربه، انطلاقاً من تصور لميزان القوة بينه وبين خصمه، ميزان عسكري، واقتصادي، ومؤسساتي، ومالي، وجغرافي، وتكنولوجي، ومعلوماتي، معتقداًَ أن كفة الميزان راجحة لمصلحته، وبناء على ذلك، يتخذ قرار الحرب، فما من طرف يشنّ حرباً وهو يعتقد أنه سيخسرها.

النقطة الثانية، وهي أن أيّ اتفاق يعكس في بنوده حصيلة موازين القوى بين الطرفين، أو الأطراف المنخرطة في الحرب، كما أن سعي الطرف المبادر للحرب للوصول إلى اتفاق، يعكس وبوضوح اعترافاً، ولو ضمنياً، بأن مواصلة الحرب لم تعُد مجدية، بل إنها بدأت تعطي مفعولاً عكسياً لأهدافها المؤسسة عليها، كما أن البيئة العامة المحيطة بالحرب باتت ترى فيها تهديداً لعوامل الاستقرار، أي أن عوامل الضغط لوقف الحرب أصبحت من القوة بمكان، بما لا يسمح بتجاهلها، أو تجاهل تبعاتها.

هناك صورة نمطية سادت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهي أن الولايات المتحدة هي القوة الأكبر في النظام الدولي، وأنها قادرة على الفوز السريع في أي حرب تخوضها، وأنها قادرة على فرض ما تريد، ليس عبر استخدام القوة فقط، بل أيضاً من خلال التهديد باستخدام القوة.

هذه الصورة النمطية، اعتراها في مواقف عدّة الكثير من الشك، كما في مثال الانسحاب من أفغانستان، لكن بقيت، قائمة وقوية، وبقيت مؤثرة في التعاطي مع سياسات واشنطن، والاستجابة لتهديداتها ومصالحها، لكن الحرب الأخيرة ضد إيران، أظهرت ما هو أعمق من الحرب، وهو جملة التحولات التي طرأت في النظام الدولي نفسه. أيضاً، كانت هناك صورة نمطية حول قوة إسرائيل، بما تمتلكه من قوة عسكرية وتكنولوجية، وعبر تداخل المصالح والسياسات بين واشنطن وتل أبيب، لكن هذه الصورة النمطية، بحاجة إلى مراجعة، ليس كنتيجة مباشرة لهذه الحرب فقط، وإنما لمسار إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، فهي دخلت قطاع غزة، وأبادت ودمرت، لكنها، وبعد مضي ما يقارب ثلاثة أعوام على الحدث، تبدو أنها تفتقد أيّ استراتيجية حول مستقبل القطاع، العسكري والأمني والسياسي.

إن أي قراءة للشرق الأوسط، تهدف إلى استقراره ونموه، لم يعُد بإمكانها تجاهل مسألتين أساسيتين، من دونهما لا يمكن الحديث عن شرق أوسط مستقر، الأولى ضرورة إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني، فهذه القضية هي في صميم كل صراعات المنطقة منذ عام 1948، وتحولت إلى موضوع للاستثمار والاستثمار المضا، د من قبل معظم الفاعلين في المنطقة، ومن شأن حلها أن يضع القرار الفلسطيني بيد جهة شرعية واحدة، وأن يعيد تعريف العلاقات في المنطقة على أسس جديدة.

المسألة الثانية، وهي ضرورة معالجة ملف انفراط عقد الدول الوطنية في المنطقة، فقد سمحت هذه الحالة بصعود قوى وفصائل، تحت صيغة الردع غير المتماثل، والتي أصبح قرارها في السلم والحرب أقوى من قرار الدول نفسها، كما أصبحت تتمتع بعلاقات وتحالفات خارجية عابرة للحدود الوطنية، جعلتها جزءاً من سياسات إقليمية، على حساب الفاعل الشرعي الذي يفترض أنه الدولة، واستمرار هذه الحالة، سيعني بالضرورة أن التأسيس لمنظومة أمن واستقرار في المنطقة أمر غير ممكن، فهذه المنظومة لا يمكن أن تقوم وتستمر وتحقق مصالح الجميع من دون احتكار الدولة الوطنية للشرعية.