العقل الإنساني ساحة حرب عالمية مفتوحة

العقل الإنساني ساحة حرب عالمية مفتوحة

الصراع الحديث يخاض بالمعلومات والصور والخوارزميات

7 يونيو 2026 23:39 مساء
|

آخر تحديث:
7 يونيو 23:41 2026


icon


الخلاصة


icon

حرب العصر معلومات وصور وخوارزميات؛ العقل ساحة صراع. الإعلام والرقمنة يوجهان الوعي عبر التضليل والتسريب وفائض المعلومات وزعزعة الثقة

في كتابه «حرب المعلومات.. كيف تسيطر الدول على عقولنا؟» الصادر عن دار «نوفل هاشيت – أنطوان» بترجمة «أدونيس سالم» يكشف دافيد كولون، المتخصص في تاريخ الدعاية وأساليب التلاعب الجماهيري، آليات الحرب التي تكاد تتفوق بأهميتها في هذا القرن على الحرب التقليدية العسكرية، والتي لا يدرك الجميع دورها الجوهري في إدارة العالم الذي نعيش فيه اليوم: حرب المعلومات.

يكشف الكاتب تفاصيل تلك الحرب التي بدأت فعلياً في حرب الخليج الأولى، والتي ظلت طويلاً في الخفاء، مستعرضاً استراتيجيات مموليها، واصفاً تكتيكات ومسارات منفذيها، سواء كانوا جواسيس أم دبلوماسيين أم صحفيين أم قراصنة إلكترونيين، فمنذ نهاية الحرب الباردة وبروز الإنترنت ووسائل الإعلام العالمية، غيرت عسكرة المعلومات من قبل الدول النظام الجيوسياسي، وتوسعت ميادين المعركة لتجعل من كل مواطن جندياً محتملاً. ينطلق الكتاب من فكرة أن الحروب الحديثة لم تعد تخاض فقط بالصواريخ والدبابات، بل بالمعلومات والصور والخوارزميات والتأثير النفسي، فالدول الكبرى، والشركات العملاقة، والجماعات الأيديولوجية، باتت تتنافس للسيطرة على الإدراك البشري وتوجيه الرأي العام عبر الفضاء الرقمي والإعلامي، بحيث أصبح العقل الإنساني نفسه ساحة حرب عالمية مفتوحة.

المعركة لم تعد فقط حول احتلال الأرض، بل حول احتلال الوعي وتشكيل التصورات الجماعية، ويحلل الكتاب تطور أساليب الدعاية من الصحافة التقليدية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً كيف تستخدم الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة والتلاعب العاطفي لإرباك المجتمعات وزعزعة الثقة بالمؤسسات.

يقارن المؤلف بين شبكات إعلامية عالمية مختلفة، موضحاً كيف أصبحت القنوات الإخبارية جزءاً من أدوات النفوذ الجيوسياسي، بحيث لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث بل فاعل في تشكيلها، ويناقش الكتاب دور الهجمات الإلكترونية وتسريب البيانات والتجسس الرقمي في الصراعات الدولية، معتبراً أن الأمن المعلوماتي أصبح عنصراً أساسياً في سيادة الدول.

التكنولوجيا الرقمية

يكشف الكتاب أن أخطر حروب العصر الحديث ليست تلك التي تدمر المدن فقط، بل التي تعيد تشكيل الوعي البشري نفسه، فالتكنولوجيا الرقمية منحت القوى السياسية والاقتصادية قدرة هائلة على التأثير في الإدراك والعواطف والقرارات، ما يجعل الحقيقة ذاتها موضوعاً للصراع، ومن هنا يحذر المؤلف من أن المواطن المعاصر قد يتحول، دون أن يشعر، إلى هدف دائم لحملات التأثير والتوجيه النفسي.

ما يلفت النظر في هذا الكتاب ليس فقط توصيفه لتغير الحروب، بل اقتراحه أن ما نسميه صراعاً لم يعد يبدأ من الميدان أصلاً، قبل أي مواجهة، تكون المعركة قد تشكلت في طريقة فهمنا للأحداث، لم تعد المعلومات عنصراً مرافقاً للحرب، بل أصبحت الوسط الذي تدار فيه، بحيث يصبح التحكم في التفسير شرطاً للتأثير في النتائج.

لم يعد السؤال يدور حول من يملك القوة الأكبر فقط، بل حول من يفرض تفسيره لما يحدث، خلال القرن ال 20 احتكرت الدول تدفق المعلومات كما احتكرت العنف، لكن هذا الاحتكار تراجع مع تطور وسائل الاتصال وظهور فاعلين جدد خارج الإطار التقليدي، مثل الشركات والمنصات الرقمية والجماعات العابرة للحدود.

هنا، تصبح إدارة «البيئة المعلوماتية» جزءاً أساسياً من القوة لا بوصفها أداة دعائية، بل كشرط سابق لأي فعل سياسي أو عسكري، ومنذ التسعينات، تزايد إدراك الدول لإمكانية تحقيق أهداف استراتيجية عبر التأثير المعلوماتي، أحياناً من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة، هذه القدرة تمنحها هامش حركة أوسع، وتخفف حدة الصراع، وتقلص تبعاته العلنية، كما تتيح العمل في مناطق رمادية يصعب إخضاعها للمساءلة.

لا يتطلب التأثير دائماً أخباراً كاذبة، في كثير من الأحيان، يكفي الاعتماد على مصادر محدودة، خاصة في أوقات الأزمات، لإنتاج رواية تبدو متماسكة وكاملة، المشكلة هنا ليست في ما يقال فقط، بل في ما يستبعد، هذا الانتقاء، حتى دون قصد، يسهم في تشكيل تصور معين للواقع، ومع تسارع دورة الأخبار يتراجع التحقق لصالح السرعة، ما يسمح بترسخ معلومات غير دقيقة حتى بعد تصحيحها، إذ غالباً ما يصل التصحيح متأخراً وبانتشار أضعف من الخبر الأول.

مع الرقمنة، توسعت ساحة الصراع لتشمل «الفضاء المعلوماتي» الذي يضم الشبكات والبرمجيات والمحتوى والتفاعلات الاجتماعية، هذا الفضاء لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتيح التلاعب بها ونشرها بسرعة غير مسبوقة، ما يجعل تأثيرها أعمق وأكثر انتشاراً.

يميز كولون بين الحرب التقليدية ونمط جديد من الصراعات يدور داخل المجتمعات نفسها عبر الإعلام والإنترنت، ويستهدف القناعات والهويات، وفي هذا السياق، لا يكون الهدف تدمير العدو بل إرباكه وتشتيت إدراكه وزعزعة ثقته بنفسه، وهكذا تتغير طبيعة الانتصار، فلم يعد يقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على فرض تفسير للواقع.

لم يعد الجمهور متلقياً فقط، بل أصبح فاعلاً في إنتاج المعلومات وتداولها، هذه المشاركة تمنح الأفراد قوة غير مسبوقة، لكنها تجعلهم في الوقت نفسه جزءاً من منظومة التأثير وحين يعيد آلاف الأشخاص نشر معلومة غير دقيقة، فإنهم لا ينقلونها فقط، بل يضفون عليها شرعية، وهكذا تتحول حرب المعلومات إلى ظاهرة جماعية تشمل المجتمع بأكمله، هذا التداخل بين المنتج والمتلقي يخلق ما يمكن تسميته «عدوى معلوماتية»، حيث تنتشر الأفكار ليس لقوتها، بل لكثرة تداولها.

فائض المعلومات

في هذا العالم، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها، هذا الفائض لا يؤدي بالضرورة إلى معرفة أفضل، بل قد يخلق ارتباكاً دائماً، وبين التصديق المطلق والشك الكامل تضيع القدرة على التمييز، وتصبح المعركة الحقيقية مرتبطة بمن يملك القدرة على تعريف الحقيقة وإقناع الآخرين بها، ومع تزايد هذا التشويش، تتحوّل الثقة إلى مورد نادر، لا يقل أهمية عن المعلومة، بل يسبقها أحياناً في تحديد ما يصدق وما يرفض.