يمر النظام العالمي في هذه المرحلة الحساسة بتحول مصيري، يتمثل في اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة، وهو قرار يتجاوز كونه مجرد تغيير إداري عادي، ليصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة الدولية على التجدد واستعادة الثقة المتآكلة في النظام متعدد الأطراف، في وقت تتصاعد فيه النزاعات وتتباعد فيه التطلعات الدولية عن الواقع السياسي.
انتهت ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في نهاية 2026، وما تزال عملية اختيار خلفه تخضع لإجراءات مشتركة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن، حيث شهدت هذه الدورة تركيزاً أكبر على الشفافية من خلال الحوارات التفاعلية مع المرشحين، ما وفر فرصة نادرة للدول وأصحاب الرأي لفهم رؤى المتقدمين الذين لن يكون لهم دور شكلي، بل يتعين عليهم تحمل مسؤوليات واسعة.
يمثل المرشحون الأربعة تنوعاً واضحاً في الخبرات والمسارات. ميشيل باشليه، الرئيسة التشيلي السابقة والمفوضة السامية لحقوق الإنسان سابقاً، تقدم رؤية تهدف إلى تعزيز الدبلوماسية الوقائية وإصلاح المنظمة جذرياً. في حين يأتي رافائيل ماريانو غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بخبرة تنفيذية عميقة في قضايا الأمن النووي ومنع الانتشار، ما يتيح له التعامل مع أزمات فنية وسياسية معقدة. أما ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فتسلط الضوء على الأبعاد الاقتصادية والتنموية، مع التركيز على فجوة الشمال والجنوب واستخدام التكنولوجيا الحديثة في صنع القرار. من جانبها، تقدم ماكي سال، الرئيسة السنغالية السابقة، خبرة سياسية مبنية على البراغماتية، وبناء التوافق، والحفاظ على سيادة الدول.
تتجاوز أهمية هذه الانتخابات مجرد الأسماء، لتتعلق بالبنية السياسية المحيطة بها، حيث يلاحظ نقص في عدد المرشحين مقارنة بدورة 2016 الأكثر تنافساً، ما قد يعكس تحفظ الدول في طرح شخصيات قوية خشية التعقيدات داخل مجلس الأمن، إضافة إلى الوعي بأن المنصب أصبح مركز ضغط حقيقي بين القوى الكبرى والأزمات العالمية.
يبقى موضوع التمثيل النسائي إحدى القضايا الحاسمة في هذه المعركة، إذ لم تتولى امرأة هذا المنصب منذ تأسيس الأمم المتحدة، رغم التأكيد المتكرر على تمكين النساء. وجود مرشحتين بارزتين منح هذا السباق بُعداً تاريخياً، إلا أن القرار النهائي يعتمد على قبول مجلس الأمن، وبصفة خاصة الأعضاء الدائمين، بالإضافة إلى قدرة المرشح على الموازنة بين الاستقلالية والواقعية السياسية.
شهد المسار الحالي تعزيزاً ملحوظاً للشفافية، حيث طالبت الدول بالكشف عن مصادر تمويل الحملات الانتخابية للحد من الغموض، إلى جانب توسيع إطار الحوارات داخل الجمعية العامة لمنح المتنافسين مساحة أكبر لطرح رؤاهم حول الإصلاح، التمويل، فعالية الأمم المتحدة، وعلاقاتها بالدول الأعضاء. ورغم هذه الخطوات، تبقى الكلمة الفصل في يد مجلس الأمن، خصوصاً الأعضاء الدائمين الذين يملكون حق النقض.
تظل المرحلة المقبلة محفوفة بعدة سيناريوهات، فمن الممكن أن ينجح مجلس الأمن في الاتفاق سريعاً على مرشح يحظى بقبول واسع دون إثارة خلافات كبيرة، أو قد تتعقد العملية وتطول في حال ظهور أسماء جديدة أو تباعد المواقف. كما قد تتزايد الدعوات لإصلاح آلية اختيار الأمين العام، عبر فتح المجال أمام المزيد من الشفافية وتقليل الطابع السري للمداولات النهائية.
سيواجه الأمين العام المقبل تحديات ضخمة، تبدأ من ضغوط التمويل وانخفاض الثقة الدولية، مروراً بالأزمات الإنسانية المستمرة، والحروب التي يصعب السيطرة عليها، والتنافس الدولي الذي يقيد قدرة المنظمة على التحرك الفعّال. وبذلك، لا يمثل اختيار القائد المقبل مجرد عملية داخل مؤسسة دولية، بل رسالة تؤكد ما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على إعادة بناء شرعيتها والتكيف مع تعقيدات العصر الحديث، أم ستظل أسيرة لنظام قوة قديم لا يتماشى مع الواقع الحالي.
* باحث في منصة (مفكرو الإمارات)

