
تشهد «وول ستريت» حالة من الترقب الحذر مع اقتراب تبني كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، نهجاً جديداً يركز على تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي وإنهاء ما يُعرف بـ«شبكة الأمان» المالية التي اعتمدت على مدار سنوات.
منذ بروز وارش كمرشح رئيسي لخلافة جيروم باول، تصاعدت النقاشات حول مستقبل السياسة النقدية، لكن الجدل الرئيس تركز حول إعادة تشكيل دور البنك المركزي في إدارة البنية التحتية المالية لأكبر اقتصاد في العالم، بما يتجاوز مجرد تعديل أسعار الفائدة.
الميزانية العمومية: من التضخم إلى التعديل
شهدت ميزانية الاحتياطي الفيدرالي تضخماً حاداً بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث ارتفعت من أقل من تريليون دولار إلى نحو 9 تريليونات خلال ذروة برامج التيسير الكمي، لتعكس تحول البنك المركزي إلى لاعب رئيسي وأساسي في أسواق المال.
ورغم المحاولات المتواترة لتقليص هذا الحجم في السنوات الأخيرة، لا تزال الأصول الجارية للفيدرالي تشكل نسبة كبيرة من الاقتصاد الأمريكي، بما يفوق عدة أضعاف المستويات السابقة للأزمة، وهو ما أعاد تشكيل آلية عمل الأسواق المالية بشكل جذري، عبر ضخ سيولة هائلة وخفض العوائد ودعم القطاعات الحيوية كالعقارات والأسهم والائتمان.
أساليب فكرية جديدة: تقليص البصمة وإعادة تعريف السياسة النقدية
يرى وارش أن تقليص الميزانية العمومية ليس مجرد إجراء تقني فحسب، بل يمثل حجر الزاوية في إعادة هندسة سياسة الفيدرالي، مما يمنح البنك المركزي هامشاً أكبر لتحريك أسعار الفائدة دون إثارة ضغوط تضخمية مفرطة.
ومن الأفكار المثيرة التي أُثيرت، تلك التي قدمها ستيف بليتز، والتي تقترح التركيز بشكل أكبر على سوق اتفاقيات إعادة الشراء «الريبو» كأداة مركزية لتوجيه السياسة النقدية، بدلاً من الاعتماد التقليدي على سعر الفائدة بين البنوك. هذا السوق يمثل شريان التمويل قصير الأمد في الولايات المتحدة، ويلعب دوراً حيوياً في تأمين تدفق السيولة وضمان استقرار تداولات سندات الخزانة.
الخلافات داخل الفيدرالي: توازن الاستقرار والمرونة
داخل الاحتياطي الفيدرالي، لا تحظى رؤية تقليص الميزانية العمومية بإجماع؛ إذ أبدى المحافظ مايكل بار مخاوفه من أن تقليص الميزانية بشكل مفرط قد يضعف قدرة البنوك على الصمود أمام الصدمات ويسبب تقلبات أكبر في السوق، مما قد يهدد الاستقرار المالي على المدى البعيد.
ويلفت بار إلى أهمية النظر بجوانب أخرى غير حجم الميزانية فقط، مثل هيكل مدتها وتركيبتها، مشيراً إلى أن تجاهل هذه العوامل قد يؤدي إلى آثار سلبية ملموسة قد ترتب على البنك المركزي الحاجة لتدخلات إضافية.
في ضوء هذه الخلافات والتوجهات المتباينة، يبقى السؤال المركزي حول مدى قدرة الفيدرالي على موازنة تقليص حجم ميزانيته دون الإضرار بالمرونة النظامية التي يحتاجها الاقتصاد لمواجهة التحديات المستقبلية.
