مفتاح شعيب: تحليل رقعة الشطرنج في بكين

21 مايو 2026 00:31 صباحًا | آخر تحديث: 21 مايو 00:32 2026

لم تحمل القمة الصينية الروسية التي عقدت في بكين مستجدات غير متوقعة، إذ استمرت في مسار العلاقات المرسخة بين الزعيمين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين خلال السنوات العشر الماضية. رغم ذلك، لفتت الانتباه السرعة التي دُعي بها لهذا اللقاء، خصوصاً بعد الزيارة التي أداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين والتي اعتُبرت تاريخية.

مع مضي أسبوع على عودة ترامب إلى واشنطن وانشغاله في إثارة التوترات العالمية بأسلوبه الحاد في الخطاب الرقمي وتبنيه لسياسات اقتصادية صادمة، لا تزال نتائج قمة شي وترامب على المستوى الاستراتيجي بعيدة عن الوضوح. إذ أعلنت السلطات عن تفاهمات اقتصادية أولية والتزام بمواصلة التواصل بين البلدين، وهو أمر طبيعي في العلاقات بين القوى الكبرى التي غالباً ما تُترجم تفاهماتها إلى إجراءات عملية تعكس التزام الأطراف بالاستقرار الاستراتيجي أو سعيهم لإعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح العالمية.

تأتي زيارة الرئيس الروسي إلى الصين لتؤكد عمق ما يُوصف بـ«الشراكة الاستراتيجية اللامحدودة» بين بكين وموسكو، مشيرة إلى رغبة مشتركة في إعادة ضبط موازين القوى الدولية تمهيداً لصياغة نظام عالمي جديد. يبدو واضحاً أن القوى الثلاث العظمى، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا، تخوض معاركها على أكثر من جبهة، تتراوح بين الصدمات الاقتصادية، والديبلوماسية المرنة، والعمليات العسكرية الخاصة، والتوترات الجيوسياسية في ملفات مثل أوكرانيا وإيران وتايوان، التي تمثل جميعها أعمدة القوة الدولية وتشكل إطاراً لعلاقات هذه القوى على الساحة العالمية.

من هذا المنطلق، بدأت هذه القوى تبين إدراكاً متزايداً بأن السيطرة على تداعيات الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط وإنهاء النزاعات في أوكرانيا وإيجاد تسوية بشأن تايوان ستكون مفاصل أساسية تحدد مدى نفوذها في نظام القيادة الدولية خلال الأعوام القادمة. النظام الجديد لن يرتكز على تحالفات أيديولوجية جامدة، بل على إدارة ذكية وحذرة للمصالح المتضاربة، تتطلب بناء تفاهمات مرنة ومقايضات استراتيجية تتجاوز الملفات الفردية.

وفي إطار هذا السياق، تُعد الساحات الإقليمية المشتعلة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الشرقية أوراقاً تفاوضية تستخدمها القوى الكبرى على رقعة شطرنج كبرى، تُختزل فيها الأوضاع الإقليمية إلى أدوات لتحقيق مصالح متبادلة، حيث تُقاس الإنجازات بحجم التنازلات التي يتم الحصول عليها وليس عن طريق الحسم التقليدي في المعارك.

هذا الواقع الجيوسياسي المعقد يعكس ولادة مشهد دولي جديد تحكم فيه ثلاث قوى كبرى مفاصل الأزمات والملفات العالمية، في حين لم يعد أمام الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى خيار سوى التكيف مع معادلة صفرية، تتلاشى فيها الوعود الثابتة والاستقرار الطويل الأمد، ليصبح أساس البقاء هو القدرة على المناورة وتجنب ارتدادات المصالح المتقلبة، مع تحويل النزاعات المحلية إلى نقاط تفاوض رئيسية على طاولة اللعبة الدولية الكبرى.