على الرغم من استثمار مبالغ ضخمة لتجديد متنزه مالكولم إكس في واشنطن، الذي يشكل مركزًا لتجمع الجالية الإفريقية الأمريكية منذ عقود، يشعر عدد من عازفي الطبول الذين يؤدون هناك بالخوف من تداعيات خطة إعادة التجميل التي أطلقها ترامب للعاصمة. تتساءل عازفة الإيقاع جاليسا سيتلز-بي عن مصير أماكن تجمعهم في حال أُغلقت المساحات الخضراء التي تعود عليها المجتمع، معتبرة أن الثقافة الموسيقية التي تستمر أجيالًا قد تفقد مكانها الطبيعي.
تواصل البائعة المتجولة نشاطها وسط أصوات طبول تقليدية تعكس إرث حركة الحقوق المدنية التي انبعثت بعد مقتل الناشط مالكوم إكس عام 1965. ويشير مايكي، الذي يحمل آلة موسيقية وينحدر من إثيوبيا، إلى أن التلة التي يجتمعون عليها تمثل مركزًا تاريخيًا للجالية الإفريقية في ولاية ماريلاند وفيرجينيا وواشنطن العاصمة، ما يجعل الحفلات الموسيقية التي تقام هناك رمزًا للتماسك المجتمعي.
في الوقت الذي استُعيدت فيه النافورة الكبرى وأُعيد تأهيل المساحات السفلية في الحديقة، تتواصل أعمال التجديد في الجزء العلوي حيث يتجمع الموسيقيون، ضمن خطة تظللها شعارات تعلن عن حملة “نجعل واشنطن العاصمة آمنة وجميلة” على الحواجز الخضراء التي تغطي المساحات المهدمة.
قضية استبعاد السكان الأصليين
تسعى إدارة ترامب، مع اقتراب الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، إلى إحداث تغييرات واسعة في العاصمة من خلال صيانة وإعادة ترميم المعالم والنوافير وتعزيز الجهود الأمنية بهدف الحد من ظاهرة المشردين. رغم أن هذه الخطوات تهدف لاستعادة رونق المدينة، إلا أن الكثيرين من السكان يراها تكتسب طابعًا قمعيًا وإعادة فرض هيمنة رسمية.
تشير سيثا لو، باحثة الأنثروبولوجيا في جامعة نيويورك، إلى أن التجميل غالبًا ما يرتبط بعمليات “تطهير اجتماعي” وفرض رقابة أمنية صارمة على من يُسمح لهم بالتواجد في الفضاء العام، مما يقيد حرية التعبير والتجمع ويحيي قصصًا منتقاة فقط.
في السياق نفسه، يؤكد جيسي بوغدان، منسق حركة “أبقوا مالكولم إكس مفتوحًا” التي تشكلت احتجاجًا على هذه الإجراءات، أن نجاح المدينة لا يمكن تحقيقه عبر استبعاد سكانها الأصليين أو التقليل من شأن إرث الأفارقة الأمريكيين في اللوحات التاريخية، محذرًا من محاولات تغيير اسم الحديقة لتكون مرتبطة بشخصيات سياسية، كما حدث مع مركز كينيدي الشهير.
وقد نجح الائتلاف في جمع أكثر من أربعة آلاف توقيع احتجاجًا على غياب التشاور حول أعمال البناء التي تزامنت مع موسم الحفلات الموسيقية والتظاهرات الشعبية.
البعد السياسي للتجديد
يمثل نقص المساحات المفتوحة في تخطيط واشنطن عاملًا مهمًا، حيث تعتمد المدينة على الحدائق كمواقع رئيسية للتجمعات السياسية والاحتجاجات، خاصة تلك التي عارضت ترامب أو جاءت كرد فعل على حادثة مقتل جورج فلويد عام 2020.
تخضع غالبية المساحات الخضراء للسلطة الفيدرالية، مما يمنح الإدارة الحالية فرصة كبيرة لإعادة تشكيل وجه العاصمة حسب رؤيتها، خاصة بعد وصف ترامب للمدينة بأنها “قذرة” و”خطرة”.
تشمل المشاريع الضخمة الخطط المتعلقة بإنشاء قاعة حفلات جديدة في البيت الأبيض وبناء قوس نصر ضخم، في ظل توازن دقيق تسعى بلدية واشنطن بقيادة الديمقراطية مورييل باوزر للحفاظ عليه، من خلال التعاون مع الحكومة الفيدرالية والدفاع عن استقلالية المدينة في ذات الوقت.
برغم الترحيب بأعمال الترميم في الحديقة من بعض السكان، تظل هناك تساؤلات حول دوافع التمويل وأجندة مشاريع الاحتفال بالذكرى الوطنية. وأكدت إدارة الحدائق الوطنية أن جهود التحديث والتي اكتملت في منتصف مايو 2026 حسّنت السلامة والنظافة والمظهر العام، مشيرة إلى أنها تدرك أهمية الحياة الثقافية النشطة في الحديقة لكنها لم تحدد موعد إعادة افتتاحها بالكامل المتوقعة في صيف 2026.
حتى ذلك الحين، يخطط السكان المحليون لتنظيم فعاليات فنية موجهة لتغطية اللافتات الحالية برسومات تعكس التنوع الثقافي للزوار والمجتمع المحيط.

