ثروة ريا وسكينة المستمدة من ضحاياهن وقيمتها حسب أسعار الذهب الحالية

ثروة ريا وسكينة المستمدة من ضحاياهن وقيمتها حسب أسعار الذهب الحالية

على مدى أكثر من مئة عام، حفرت قصة ريا وسكينة مكانتها كحكاية مروعة عن إجرام نسائي بشع في حي اللبان بالإسكندرية، حيث دفنت الضحايا تحت أرضيات المنازل. لكن الحقيقة العميقة خلف هذه الجرائم كانت أكثر من مجرد رعب، إذ كانت العصابة تمثل نموذجاً عملياً لـ “مؤسسة تجارية قاتلة” تدير شؤونها بدقة من خلال دفاتر حسابات تتضمن أرباحاً وخسائر وشريكاً مالياً يقيّم “منتجات” الموت.

كيف أدت طموحات “الخواجة سليم” وأسعار الذهب إلى سقوط عصابة الإسكندرية؟

للمرة الأولى، نكشف ملف “ميزانية الدم” مستندين إلى وثائق رسمية من تحقيقات 1920، التي تبين حجم الثروة المكتسبة من جرائم قتل 17 امرأة، مع مقارنة قيمتها الشرائية بأسعار الذهب في العصر الحالي.

تفاصيل التحقيقات تكشف “اقتصاد الجرائم” داخل عصابة ريا وسكينة

بدأت الرواية من خلال سجلات التحقيق التي وثقت كل قطعة من المصاغ الذهبي المسروقة بدقة، حيث لم تقتصر السرقة على عمل عشوائي، بل كانت عملية فرز منظمة للمجوهرات مثل الغوايش والخلاخيل والأقراط والسلاسل. وحسب تلك المستندات، بلغ مجموع المبالغ النقدية والمصاغ المسروق خلال فترة نشاط العصابة مئات الجنيهات الذهبية.

القيمة الشرائية للجنيه الذهبي في عام 1920

للوهلة الأولى، قد يستهين البعض بقيمة المبالغ، لكن الجدير بالذكر أن الجنيه المصري في 1920 كان مغطى تماماً بالذهب، وكانت قوته الشرائية هائلة لدرجة أنه كان يمكن للجنيهات القليلة شراء فدان من الأراضي الزراعية الممتازة أو تأسيس مشروع تجاري كامل. أما المليم فكان يعادل قيمة تكفي لسد احتياجات أسرة كاملة من الطعام.

الدور الاقتصادي الخفي للخواجة سليم في عمليات غسل أموال العصابة

في هذا السياق، يبرز الخواجة “سليم خضير” الصائغ الذي كان يدير محله بسوق الصاغة في الإسكندرية، كقطب اقتصادي لا يقل أهمية عن الجناة أنفسهم. لم يكن مجرد مشترٍ، بل كان العقل المدبر لعملية غسيل أموال العصابة. تظهر التحقيقات أن ريا وسكينة وصاحباهم حسب الله وعبد العال كانوا يتوجهون إلى دكانه مباشرة بعد كل جريمة، ليبيعوا له الذهب الذي كان يحمل آثار العنف، من كسر وتقوس وبقع دم.

كان الخواجة سليم يستغل خبرته ليشتري الذهب بثمن منخفض جداً لا يتجاوز ربع القيمة السوقية، معتبراً إياه “معدناً مكسوراً” يعيد صهره لتغيير ملامحه وإخفاء بصمات الجريمة.

كيف تسبب الطمع بسقوط العصابة إلى المشنقة؟

تنظيم توزيع الأرباح داخل العصابة كان محكوماً بقواعد صارمة تعكس توازن القوى بداخلها. بعد استلام النقود من الخواجة سليم، كانت “ريا” تقتطع الجزء الأكبر كمديرة ومستثمرة العقارات المؤجرة التي استخدمتها العصابة كمخازن للجثث، بالإضافة إلى إنفاقها على البخور لإخفاء الروائح الكريهة.

أما الباقي، فكان يقسم بين الرجال (حسب الله، عبد العال، عرابي، وعبد الرازق) بنسب متساوية مقابل أدوارهم في القتل والحفر، بينما خصصت “سكينة” حصتها للإنفاق على الليالي الساهرة والمخدرات، ما أدى إلى حالة هستيرية من الطمع دفع أفراد العصابة إلى عجلة في ارتكاب الجرائم بدافع ضخ أموال جديدة بسرعة.

ريا وسكينة بالأرقام: حجم الأموال المكتسبة من دماء الضحايا

الغريب أن تقلبات أسعار الذهب وتزايدها في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى مثلت العامل الحاسم الذي أوقع العصابة في شر أعمالها. ازداد الطلب على الذهب وصار النساء يخرجن بثرواتهن من الذهب في الشوارع، ما زاد من جشع العصابة ودفعها لتكثيف عملياتها بسرعة مفرطة، وهو ما تسبب في ارتكاب أخطاء قاتلة كدفن الجثث قرب السطح وعدم التخلص الكامل من الأدلة.

تراكم الجثث مع ارتفاع الحرارة والرطوبة بالإسكندرية تسبب في تصاعد الروائح، ما أثار شكوكاً واسعة. تحولت ثروة الذهب في النهاية من مصدر للثراء الغامض إلى أداة أدت مباشرة إلى سقوط العصابة، حيث جرى إعدام أفرادها ليظل الذهب شاهداً بارزاً على أشد فصول الطمع قصصاً في تاريخ الجريمة المصرية.