الإخوان والحشاشين: استعراض تاريخ الجماعات التي قدّمت الولاء التنظيمي على الولاء الوطني والديني وأسقطت العقل لصالح السيطرة المجتمعية

الإخوان والحشاشين: استعراض تاريخ الجماعات التي قدّمت الولاء التنظيمي على الولاء الوطني والديني وأسقطت العقل لصالح السيطرة المجتمعية

شهدت مراحل انهيار الدول وتمزق المجتمعات دائمًا وجود جماعات تتستر خلف دعاوى دينية، لكنها في واقع الحال تمارس أشد أشكال السيطرة على عقول أتباعها، فتخدر الوعي وتقدس العصبية التنظيمية، مروّجة فكرة أن أتباعها هم “الفرقة الناجية” فقط، فيما يُصنف الآخرون إما أعداء أو خونة أو ضالين. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر المقارنة بين جماعة الإخوان وتنظيم الحشاشين التاريخي على مجرد استحضار تاريخي، بل هي كشف لنهج ذهني متكرر عبر أزمان وأسماء مختلفة، ينبني على احتكار الحقيقة، وتمجيد القيادة، وتحويل الدين إلى أداة للسلطة والهيمنة، بهدف إعادة تشكيل البنى المجتمعية من الداخل.

حين يتحول التنظيم إلى عقيدة مسدودة ومغلقة، يزداد انكفاء العضو على فكر الجماعة فقط، ويتراجع تواصله الطبيعي مع المجتمع، ليصبح خاضعًا بالكامل لأوامر التنظيم، مؤمنًا بأن سبيل النجاة لا يمر عبر الدين ذاته بل عبر الولاء المطلق لهذه الجماعة. وفي هذا السياق تتجلى أوجه الشبه القوية بين الحشاشين والإخوان؛ فكل منهما اعتبر أتباعه نخب الإيمان بينما المجتمع الأكبر يعيش في ظلمات الجهل أو يحتاج لعملية إعادة تشكيل بالقوة الفكرية والتنظيمية.

أشار الباحث ماهر فرغلي في دراسته للجماعات الإرهابية إلى أن التنظيمات التي تستغل الدين عمدت إلى اللعب على الوضوح المفضوح، معتمدة على تعطيل العقل وتوجيه أتباعها إلى حالة شبيهة بالاغتراب الذهني، تمامًا كما يفعل الحشيش في تعميق حالة الغيبوبة الذهنية. هذا التشابه في آليات الفكر أصاب أساسًا الولاء التنظيمي القائم على علوية الجماعة على الوطن والمجتمع، بل وعلى الحقيقة بذاتها.

من حسن الصباح إلى سيد قطب.. حزب الحق الحصري للدين

يرى فرغلي أن الأزمة العميقة التي بدأت مسيرتها مع حسن الصباح واستمرت لاحقًا عبر جماعات وتنظيمات نابعة منه، تكمن في اعتقاد كل تنظيم أنه حزب الحق والمهيمن على المهمة الإلهية، وأنه المرجع الوحيد للفهم السليم للدين والطريق الحصين للخلاص.

تعكس نصوص سيد قطب هذه الرؤية بشكل واضح، حيث صور جماعته على أنها الممثل الحقيقي للإسلام، في مقابل مجتمع يكاد يكون جاهلًا أو منحرفًا عن الدين الحقيقي، ما يحول الجماعة من مجرد كيان سياسي أو دعوتي إلى كيان ديني داخلي، يُقاس الإيمان والولاء من خلال الانتماء الحصري إليها.

إفساد الزمان.. هدم المجتمع كخطوة تمهيدية للسيطرة

الاحتكام إلى مفهوم “إفساد الزمان” عند الحشاشين كان استراتيجية منهجية لهدم وتقويض المجتمع، وإحداث حالة من التفكك والاضطراب تمنح التنظيم فرصة التسلل والسيطرة. وقد لاحظ فرغلي أن هذا المفهوم تجلى بأساليب مختلفة خلال صراعات جماعات الإسلام السياسي، إذ تعاملوا مع المجتمع كما لو كان جاهليًا يتطلب إعادة بناء وفق تصورات ومبادئ الجماعة. ومن هذا المنطلق، بدأت المواجهة المتصاعدة مع الدولة، ثم المجتمع، ثم أي صوت معارض للتنظيم.

الاستعلاء على المجتمع.. نقطة التقاء خطرة بين الحشاشين والإخوان

واحدة من أخطر السمات المشتركة بين الحشاشين وجماعة الإخوان هي النظرة الاستعلائية التي يحملها التنظيم تجاه المجتمع. إذ لا يرتئي التنظيم نفسه مجرد جزء من واقع المجتمع بل كيان متفوق يمتلك الحقيقة الكاملة، بينما يصور الآخرين في موقع الضلال والنقص. تعكس أدبيات حسن البنا وسيد قطب هذا الموقف بوضوح، حيث تصف الجماعة بأنها “الطليعة المؤمنة” صاحبة الفهم الصحيح للإسلام، مما يجعل الآخرين بحاجة دائمة لإعادة التوجيه والإصلاح.

تؤدي هذه العقلية إلى غلق الأفق الفكري وفتح المجال للتكفير وتصاعد العداء والانقسام، إذ يترسخ في ذهن العضو أنه أسمى من بقية المجتمع وأكثر إدراكًا للدين، ويصبح معارضة الجماعة بمثابة معارضة الحق.

الولاء للمجموعة.. معيار الانتماء الحصري

تحول الولاء المطلق للتنظيم إلى مقياس الأيمان والانتماء هو أخطر ما تولده التنظيمات المغلقة، بحيث يتحول الاختلاف داخل المجتمع إلى تصنيف دوغمائي للأفراد إلى “موالين” أو “أعداء”، ولا يحظى المعارض إلا بوصفه خصمًا، وأحيانًا خارِجًا عن الدين. يلفت فرغلي إلى أن هذا الانقسام كان حاضرًا بقوة لدى الحشاشين، ثم امتد إلى جماعات الإسلام السياسي الحديثة، التي تنظر إلى الموالاة على أنها انتماء محوري ضمن دائرة الحقيقة.

معركة الوعي.. الجبهة الحاسمة لمواجهة الفكر المؤدلج

بالرغم من الفوارق الزمنية بين حقبة الحشاشين والعهود التي برز فيها الإخوان، يبقى القاسم المشترك في محاولات السيطرة الذهنية عبر احتكار الحقيقة وتقديس التنظيم والقضاء على الحريات الفكرية والنقد الداخلي. لذا، فإن القضاء على خطورة هذه التنظيمات لا يقتصر على مواجهة أمنية أو سياسية فحسب، بل هو صراع فكر ووعي، لأن أخطر ما تفعله تلك الجماعات المؤدلجة هو تحويل الدين من رسالة أخلاقية جامعة إلى أداة للهيمنة والفرز، مقابل السيطرة الكاملة على نسيج المجتمع من الداخل.