هندسة الوعي (32): استراتيجية المنقذ وبيع قناة السويس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد أن
استعرضنا في المقال السابق استراتيجية الصدمة، نقف اليوم أمام الاستراتيجية
الثانية من استراتيجيات هندسة الوعي: استراتيجية المنقذ. وجوهرها أن يخلق مهندس
الوعي المشكلة أو يُفاقمها أو يُتيح حدوثها، ثم يقف أمام ضحاياها في هيئة من جاء
لإنقاذهم. وأخطر ما فيها أنها لا تبدأ بالعنف، بل بصناعة الحاجة، ثم إيجاد الحل،
ومن ثم ترسيخ التبعية.

اقرأ أيضا: الكارثة من جانب آخر.. إسرائيل تستعد لتهجير الفلسطينيين

هذه
الاستراتيجية لم تكن يوماً حيلة فردية، يبتكرها عقل ماكر في لحظة فراغ؛ بل هي
ظاهرة درسها الباحثون من زوايا مختلفة، وكل واحد منهم رأى جانباً منها. في عام
1948، صاغ عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون مفهوماً صار من أشهر ما كُتب في
علم الاجتماع: النبوءة المحققة لذاتها. الفكرة في جوهرها أن الإنسان إذا صدّق أن
شيئاً سيحدث، غيّر سلوكه بحيث يجعل هذا الشيء يحدث فعلاً. وحين تتعلق النبوءة
بانهيار بنك أو انهيار عملة، تكون النتيجة أشد فداحة. تُطلق شائعة، فيهرع الناس
إلى سحب أموالهم، فيُحدثون بأيديهم ما خافوا منه. والجهة التي أطلقت الشائعة تعرف
بالضبط ماذا ستفعل بالناس، وتنتظر في الجانب الآخر لتشتري بأبخس الأثمان ما
أفزعتهم منه.

ثم جاء
جون بيركنز، الرجل الذي عمل مستشاراً اقتصادياً في مناطق مضطربة من العالم، ثم خرج
عن صمته وكتب كتابه “اعترافات قاتل اقتصادي”. ما كشفه بيركنز كان أشد
وضوحاً من نظرية ميرتون، فهو يروي كيف كان يُقنع حكومات الدول النامية بالاقتراض
لمشاريع ضخمة يعرف مسبقاً أنها لن تستطيع سدادها، وكيف كان العجز عن السداد يُجبر
هذه الحكومات على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية لم تكن لتقدّمها بإرادتها.
الدَّين في وصفه لم يكن أداة تنمية، بل كان أداة إخضاع مصمَّمة منذ البداية. وكلمة
قاتل في العنوان لم تكن استعارة أدبية، بل وصفاً دقيقاً لعمل كان يؤديه بصمت.

أما جوزيف
ستيغلتز، الرجل الذي جلس في أعلى مناصب البنك الدولي قبل أن يتركه ويكتب عنه، فقد
أضاف الطبقة الثالثة من الصورة. في كتابه “العولمة وتداعياتها”، يكشف
ستيغلتز أن صندوق النقد الدولي يفرض على الدول المقترضة وصفات اقتصادية لا يطبّقها
على اقتصادات الدول الكبرى التي تموّله، وأن هذه الوصفات تُصمَّم لفتح أسواق الدول
المقترضة أمام رؤوس الأموال الغربية، لا لإنقاذ هذه الدول فعلاً. والفارق بين
الأمرين جوهري: الأول يخدم الدائن، والثاني يخدم المدين، وصندوق النقد اختار دائماً
الأول.

بهذه
الشهادات الثلاث -من الجامعة ومن الميدان ومن داخل المؤسسة نفسها- تكتمل أحد أشرس
تطبيقات استراتيجية المنقذ في صورتها الحديثة. وبرغم حداثة النظريات التي تفسر هذه
الاستراتيجية؛ إلا أنها في جوهرها أقدم من ذلك بكثير.

في روما
القديمة، قبل أن تُبتكر البنوك وقبل أن يُعرف صندوق النقد، كان المرابون يمارسون
الاستراتيجية ذاتها بأدوات أبسط. كان الرجل الغني يُقرض الفلاح الفقير في وقت
القحط، ويعرف تماماً أن الفلاح لن يستطيع السداد، وحين يحين موعد القسط الأول،
يطلب المرابي أرضه، وحين يفلس الفلاح بالكامل، لا يكتفي المرابي بالأرض، بل يأخذه
جسده أيضاً. ففي القانون الروماني القديم، كان المدين العاجز عن السداد يُباع عبداً.
وهكذا تحول الفلاح الحر إلى عبد في أرضه التي كان يملكها قبل سنوات، بفضل عقد
وقّعه بيده في لحظة حاجة.

هذه
الآلية لم تكن خافية على أحد، وقد أشعلت ثورات كبرى في روما، من إصلاحات الأخوين
غراكوس إلى تمرد سبارتاكوس. وكل هذه الثورات كانت في جوهرها محاولات للخروج من
قبضة المنقذ المرابي الذي يمد يده بالمال ثم يبتلع كل شيء.

وفي
الإمبراطورية العثمانية أواخر القرن التاسع عشر، تكرر المشهد بصورة أكثر تنظيماً.
البنوك الأوروبية أقرضت الدولة العثمانية المتهالكة بفوائد مرتفعة، لتموّل حروبها
وإصلاحاتها، وحين عجزت عن السداد، أُسست عام 1881 مؤسسة غريبة اسمها الإدارة
العامة للديون العثمانية. هذه المؤسسة لم تكن عثمانية في جوهرها، بل كانت أوروبية،
وأُعطيت حق الإشراف المباشر على الجمارك والملح والتبغ وإيرادات أخرى. فالدولة
التي اقترضت باسم السيادة خسرت جزءاً من سيادتها ثمناً للقرض، والمنقذون
الأوروبيون الذين جاؤوا بالمال كانوا يعرفون منذ البداية أنهم يشترون نفوذاً.

وحين
ننتقل إلى أواخر القرن العشرين، نجد أن الآلية نفسها عادت بصورة أكثر ضخامة، وكانت
أزمة جنوب شرق آسيا عام 1997 هي العرض الأكبر. في تموز/يوليو من ذلك العام، بدأت
عملة تايلاند (البات) في الانهيار، وخلال أسابيع، امتد الانهيار إلى إندونيسيا
وكوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين. خسرت هذه الدول في أشهر ما بنته في عقود،
وأُلقي بملايين البشر في الفقر فجأة. وجاء صندوق النقد الدولي بحزم إنقاذ ضخمة،
وانتظر العالم أن ترتفع هذه الاقتصادات من جديد. لكن ما لم تقله النشرات الرسمية
أن صناديق تحوط غربية، بقيادة جورج سوروس وآخرين، كانت قد ضاربت على عملات هذه
الدول بصورة ممنهجة، والأموال التي خرجت من جيوب المودعين التايلانديين
والإندونيسيين دخلت جيوب صناديق التحوط قبل أن تأتي القروض.

ثم جاء
الصندوق بشروطه: خصخصة المؤسسات الحكومية، وفتح الأسواق أمام رأس المال الأجنبي،
وتجميد الإنفاق الاجتماعي. هذه الشروط بالضبط هي ما فتح هذه الاقتصادات على
اتساعها أمام رؤوس الأموال نفسها التي أسهمت في إفقارها. ثم وقع ما لم يكن في
الحسبان. رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد رفض وصفة الصندوق، وفرض ضوابط على رأس
المال بدل تحريره، وكانت النتيجة أن ماليزيا كانت الأسرع تعافياً بين دول الأزمة.
هذا الاستثناء الواحد يكشف أن وصفة الصندوق لم تكن وصفة إنقاذ، بل كانت وصفة إخضاع؛
من رفضها نجا بدولته، ومن قبلها ذاق الأمرين.

وما جرى
في جنوب شرق آسيا لم يكن استثناءً، بل كان نمطاً تكرر في مناطق أخرى بصور مختلفة،
وكان للمنطقة العربية نصيبها الوافر منه. في تونس والأردن والمغرب، تكرر المشهد
ذاته بتفاصيل متباينة لكن بنتيجة واحدة: ديون تتراكم، وشروط تتوسع، وسيادة تتآكل.
والأشد إيلاماً أن هذه الدول تجد نفسها في دوامة لا تخرج منها؛ تقترض لتسدد فوائد
القرض السابق، ثم تقترض مرة أخرى لتسدد فوائد القرض الجديد، وفي كل دورة يتسع نفوذ
الصندوق ويضيق هامش القرار الوطني.

أما في
مصر، فلم تكن علاقة النظام بالصندوق علاقة مدين بدائن فحسب، بل كانت أعمق من ذلك:
علاقة من يخلق المشكلة ويهيئ الساحة أولاً ثم يستقبل المنقذ ثانياً. فقبل أن توضع
مصر على طاولة الصندوق، كانت قد أُغرقت بمشاريع لا علاقة لها بالمنطق الاقتصادي،
ولا يمكن تفسيرها إلا بمنطق آخر: منطق تكديس الديون لتهيئة لحظة الإنقاذ الموهوم.
ولقد قرأنا منذ بداية عام 2026 ما صرح به حسن هيكل، ابن الصحفي الكبير محمد حسنين
هيكل، ورجل الأعمال المعروف ومستشار رئيس الوزراء الحالي، بإمكانية أن تُقايض
الدولة ديونها المستحقة مع البنك المركزي بأصول من بينها الشركات الحكومية وقناة
السويس. الرجل لم يقل إنه يريد بيع القناة، بل يطرح خطة إنقاذ كما يدعي، لكن ما
قاله كان كافياً لأن يُفتح باب السؤال الأثقل: هل بلغ بنا الحال إلى أن تُطرح
القناة بنداً في مقايضة الديون؟

هذا
السؤال لم يكن ممكناً قبل سنوات، فالقناة لم تكن أبداً مجرد ممر مائي، بل كانت رمزاً
للسيادة التي خسرتها مصر ذات مرة ودفعت ثمن استعادتها دماً. فكيف وصلنا إلى هذه
اللحظة التي تُناقش فيها مقايضتها بالدين؟ وحين نبحث عن إجابة، نجد أنفسنا أمام
استراتيجية المنقذ نفسها، تلك القصة القديمة التي تتكرر بوجوه جديدة، من روما إلى
إسطنبول إلى القاهرة.

وهنا
تتحول القناة من مثال إلى شاهد. فحكاية القناة تختصر الحكاية كلها، من الحفر إلى
الدين إلى البيع إلى الثورة ثم إلى العودة الأخيرة. في عام 1859، بدأ عشرات آلاف
الفلاحين المصريين يحفرون القناة بأيديهم، كانوا يُساقون إلى العمل سَوقاً،
ويحفرون في الوحل والماء، ويموتون بالآلاف دون أن تُعرف أسماؤهم. لم يكن هؤلاء
يبنون ممراً مائياً فحسب، بل كانوا يحفرون أول فصل في قصة طويلة من الدين
والتبعية. فحين اكتمل الحفر عام 1869، كانت مصر قد غرقت في ديون صنعها الجالس على
العرش. الخديوي سعيد بدأ الاستدانة، والخديوي إسماعيل أكمل المسيرة؛ الأول منح
الامتيازات بيد سخية، والثاني ورث الديون بيد ثم زادها بيده الثانية. وحين ضاقت
السبل، لم يجد إسماعيل أمامه إلا الحل الذي يبدو أسهل: أن يبيع حصة مصر في القناة.
في عام 1875، وقف الخديوي مثقلاً بديون لا يعرف كيف يسددها.

كان
المقرضون الأوروبيون قد أحكموا إغلاق الأبواب، فجاء بنيامين ديزرائيلي، رئيس وزراء
بريطانيا، وعرض شراء حصة مصر البالغة 44 في المئة من الأسهم. الثمن كان أربعة
ملايين جنيه إسترليني، مبلغ زهيد قياساً إلى قيمة الأصل، لكنه كان كافياً لسداد
جزء من الديون مؤقتاً. وهكذا، في لحظة ضيق واحدة، عبرت القناة من يد مصر إلى يد
بريطانيا. ولم تمضِ سبع سنوات حتى كانت الجيوش البريطانية تدخل مصر من باب القناة
نفسها التي اشترتها بالمال. الخديوي إسماعيل توهم أنه يتصرف بحكمة، لكنها كانت
حكمة الجاهل.

ثم جاءت
لحظة أخرى لا ينبغي أن تُنسى؛ في تموز/يوليو 1956، وقف جمال عبد الناصر في
الإسكندرية ليعلن تأميم القناة. لم يكن يوقع اتفاقية اقتصادية بقدر ما كان يعيد
ترتيب التاريخ، كان يلتقط ما سقط من يد إسماعيل، ويصلح انكساراً بدأه بيع السهم.
وقفت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالسلاح، فحاربت مصر من أجل أن تبقى القناة مصرية.
تلك الحرب لم تكن دفاعاً عن ممر مائي فقط، بل كانت رفضاً لعودة المشهد القديم: أن
تُباع القناة ساعة الضعف، ثم تتحول إلى جسر للهيمنة.

وبقيت
القناة مصرية. مرّت عقود، وتحولت إلى مصدر دخل سيادي ثابت، وأحد رموز الكرامة التي
لا تُقدَّر بثمن. ثم جاء عام 2015، وما كان يُفترض أن يكون تطويراً للقناة صار
فصلاً جديداً من فصول الدين. أعلن النظام عن حفر تفريعة قناة السويس الجديدة
بتكلفة بلغت نحو 8 مليارات دولار، جمعها من المصريين في غضون أيام عبر شهادات
استثمار بفائدة مرتفعة، المشروع -في ظاهره المعلن- كان يهدف إلى تقليص زمن عبور
السفن وزيادة الإيرادات، لكن النتائج جاءت دون التوقعات الرسمية بمراحل. ثم جاءت
أزمة البحر الأحمر بعد طوفان الأقصى، ومن بعدها الحرب على إيران، فانخفضت
الإيرادات إلى أقل من نصف مستواها في بعض الفترات.

القناة
الأصلية كانت تعمل بكفاءة، وبقيت تعمل بعد التوسعة، لكن الفرق الحقيقي لم يكن في
الإيرادات، بل في الديون المستحقة على شهادات الاستثمار وفوائدها، التي تحملتها
خزينة الدولة، ناهيك عن أن أعمال الحفر نُفذت بمعدات وشركات أجنبية، ودُفعت
بالدولار، بينما جُمعت الشهادات بالجنيه المصري.

ثم جاءت
العاصمة الإدارية الجديدة؛ مشروع صُرف عليه حتى الآن ما يزيد عن 60 مليار دولار
على أقل تقدير، بين أموال موازنة وقروض داخلية وخارجية. بُنيت في الصحراء لتنافس
مدينة قائمة منذ أكثر من ألف عام، بينما بنية القاهرة التحتية تتهاوى. وتبعتها مشاريع
أخرى: القطار الكهربائي السريع بتكلفة تتجاوز 23 مليار دولار حتى الآن، والمونوريل
بتكلفة تناهز 4 مليارات دولار في أولى مراحله، ومشروع الضبعة النووي الذي يتجاوز
25 مليار دولار ولم يكتمل حتى وقتنا هذا، والقائمة لا تنتهي.

هذه
المشاريع تموّلت بقروض من مؤسسات دولية وبنوك إقليمية، ونفذتها شركات لها ارتباطات
خاصة بصناع القرار. الفوائد تُقتطع قبل سداد أصل الدين، والديون تتراكم، والعائد
الاقتصادي يبقى مشكوكاً فيه. البند الأكبر في كل سنة يظل خدمة الدين، لا الصحة ولا
التعليم ولا الصناعة، حتى أصبحت خدمة الدين تقارب الإيرادات الكلية للدولة.
والنتيجة أن إجمالي الدين الخارجي المصري قفز من نحو 46 مليار دولار عام 2013 إلى
أكثر من 165 مليار دولار في أقل من عشر سنوات. وفي كل مرة تنتهي هذه المشاريع، أو
حتى قبل أن تنتهي، تجد مصر نفسها في حاجة إلى قرض جديد، وصندوق النقد واقف على
الباب بوصفته الجاهزة. وحين تبلغ الديون هذا المستوى، يبدأ البحث عن حلول غير
تقليدية، وهنا بالضبط خرج ما كان يجري في الغرف المغلقة إلى العلن.

حسن هيكل
لم يكن رجلاً غريباً عن دوائر القرار، هو من قلبها، وقد طرح الفكرة بهدوء، كما
تُطرح الأفكار الكبيرة: أن تكون الأصول السيادية حلاً للمديونية. وكأن ما حدث في
1875 يعود في صورة جديدة، بشعارات أوضح وأدوات أنعم. ولو تتبعنا تلك الديون؛
لوجدناها صُنعت بعلم من يجلس على كرسي الحكم. فالمشاريع التي أُغرقت بها مصر لم
تكن أخطاءً بريئة، بل كانت خطوات مقصودة في اتجاه واحد: تضخيم الدين إلى الحد الذي
يجعل التفاوض على الأصول السيادية أمراً مقبولاً. ولهذا لا يمكن أن تُقرأ المسألة
قراءة باردة، فالقناة ليست أصلاً مالياً كغيره، بل هي رمز السيادة التي خسرتها مصر
ذات مرة ودفعت ثمن استعادتها دماً. وحين يُطرح اليوم اسمها في معادلة الديون، يعرف
من يعرف التاريخ أن الدائرة تدور من جديد.

اقرأ أيضا: في ظل الأوضاع الحالية

مع ذلك،
فإن استراتيجية المنقذ ليست سلاحاً مثالياً، وتاريخها يكشف عن مواطن ضعف يمكن
البناء عليها. أول هذه المواطن أن الاستراتيجية تعمل بكفاءة في الأزمات الحادة،
لكنها تفقد فاعليتها حين يتعلم المجتمع التعرف عليها. ماليزيا مهاتير محمد كانت
الاستثناء الذي كشف القاعدة، وما إن رُويت قصتها حتى بدأت دول أخرى تفكر في مقاومة
وصفات الصندوق. الإكوادور تحت رافاييل كوريا، والأرجنتين في أزماتها المتكررة،
قدمتا نماذج على أن المقاومة ممكنة حين يتوفر القرار السياسي.

والثغرة
الثانية أن الاستراتيجية تحتاج إلى إخفاء نيتها، وكلما انكشفت النية ضعفت
الاستراتيجية. وقد جاء كشف بيركنز من الداخل، وكتابات ستيغلتز، ووثائق الصناديق
المسربة، لتجرّد الصندوق من غطائه الأخلاقي، وتجعل التساؤل عن نواياه أمراً
مشروعاً.

وثمة ثغرة
ثالثة في هذه الاستراتيجية: أن الدائن حين يستنزف مدينه حتى آخر نقطة، يقطع الحبل
الذي يتنفس منه هو الآخر. فالمدين الذي أفلس لم يعد يشتري، ولم يعد يسدد، ولم يعد
شريكاً في دورة المال. ولهذا ترى الصندوق يعيد الجدولة أو يمحو بعض الديون -مقابل
خدمات عسكرية مثلا- أحياناً، لا لأنه رحيم، بل لأن جثة المدين لا تفي بشيء.

وهذه
الثغرات الثلاث مجتمعة تقود إلى الخلاصة الأخيرة: الخروج من فخ استراتيجية المنقذ
لا يكون بالعداء للمال أو للتبادل الاقتصادي، فذلك طريق آخر للفقر، بل يكون بما
يمكن تسميته السيادة المعرفية: أن تعرف الدولة والمجتمع ما يجري قبل أن يجري، وأن
تعرف الفرق بين من يقرض لينقذ ومن يقرض ليحكم.

الأمر لا
يتعلق فقط بالمال، بل بالوعي. استراتيجية المنقذ لا تعمل إلا حين يكون الضحية
ساذجاً، وهذا هو ما يصنعه مهندس الوعي عبر أدواته المعروفة: الإعلام، والتعليم،
والخطاب الاقتصادي، والمؤسسات الدولية التي تتحدث لغة معقدة يوهم فيها المدين أنه
لا يفهم. وحين يصدّق المدين أنه محتاج إلى منقذ، يصبح قابلاً لأي شرط، ويسلّم
إرادته بيده.

والقرآن
الكريم تناول هذه الآلية بصورة تكشف عن فهم عميق لطبيعة الاستغلال الإنساني. حين
يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا
أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، فهو
لا يتحدث عن معادلة رياضية فحسب، بل عن علاقة بين قوي وضعيف. الأضعاف المضاعفة
ليست شرطاً للحكم، بل هي وصف دقيق لما يحدث حين تتراكم فوائد الديون على اقتصادات
لا تستطيع السداد.

لكن
الأخطر من ذلك أن القرآن يستخدم فعل أكل، لا أخذ ولا كسب. لا تأكلوا الربا؛ فالربا
في المنظور القرآني ليس مجرد كسب مال زائد، بل هو التهام للآخر. المرابي لا يأخذ
فائدة فحسب، بل يأكل حياة المدين وكرامته ومستقبله. وهذا بالضبط ما تفعله المنظومة
المالية الدولية بالدول النامية: تصنع الحاجة أو تفاقمها، ثم تقرض بشروط تضمن أن
الدائن سيبقى دائناً والمدين سيبقى مديناً. القرآن لم يحرّم الربا لأن المال شيء
مذموم، بل لأن الربا تعيد توزيع القوة بصورة تجعل الضعيف أضعف دائماً والقوي أقوى
دائماًن وهذا هو الظلم الذي لا تطيقه الأنظمة العادلة.

وهذه
المنظومة ليست نظرية اقتصادية معقدة، بل هي في المحصلة سؤال أخلاقي طرحه القرآن
قبل أن يطرحه أي اقتصادي: ماذا يريد من يمد يده بالمال؟ إن أراد وجه الله فهو قرض
حسن، وإن أراد الاستغلال فهو ربا، مهما سميناه، ومهما تزين بأسماء المنقذين.

وحين نعود
إلى قناة السويس، ندرك أن المسألة أبعد من ممر مائي وأعمق من معادلة مالية. القناة
التي حفرها الفلاحون بالدم، وباعها الخديوي بالدين، واستعادها عبد الناصر
بالتأميم، ثم غُمرت بالديون من جديد، هي اليوم أمام مفترق طرق. فمن يريد أن يعرف
إلى أين تتجه مصر، فليتابع ما سيجري للقناة، فهي لم تكن يوماً مجرد مشروع اقتصادي،
بل كانت ولا تزال مرآة السيادة. وحين تُطرح للمقايضة، فمعنى ذلك أن السؤال لم يعد
اقتصادياً، بل صار سؤالاً عن الكرامة، وعن الحق، وعن التاريخ الذي لا ينبغي أن
يُنسى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: هرمز بعد عامين.. هل بدأ العد التنازلي للمضيق؟ مع تزايد توجه العالم نحو مصادر طاقة بديلة، سيبدأ المضيق في فقدان أهميته الاستراتيجية.. ولكن متى يمكن أن يحدث ذلك؟

‫0 تعليق