
يتأرجح الموقف السعودي تجاه جماعة الحوثيين حالياً بين تجنب المواجهة وحسابات المواجهة في آن واحد، إلا أن التصعيد العسكري للجماعة المدعومة من إيران يدفع بالمملكة إلى حافة حرب شاملة لكبح التهديدات بعد أسابيع من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على الأراضي والمنشآت النفطية التابعة لها.
اقرأ أيضا: الخارجية الفلسطينية تدين حفر الاحتلال في مواقع سبسطية الأثرية
ما يبدو ترددا في الواقع من قبل السعودية، وفق مراقبين، إلا أنها تستعد وتدرس حسابات الحرب، واليوم التالي لها، وظروفها وشروطها، وتجنب تكرار تجربة المواجهة السابقة مع الجماعة على مدى عقد مضى.
يأتي ذلك في ظل انعدام فرص التهدئة مع تعثر المساعي الأممية والإقليمية وتصلب الجماعة وراء مطالبها واشتراطاتها لأي تسوية سياسية لخفض التصعيد.
اظهار أخبار متعلقة
الخيار العسكري في الواجهة
وفي السياق، يرى الكاتب والصحفي اليمني، أحمد الشلفي أن من حق السعودية أن تترج لأن المواجهة المفتوحة تحمل أعباء عسكرية واقتصادية وسياسية ومسؤوليات تجاه المدنيين، مضيفا أنه لا يكفي امتلاك القدرة على بدء الحرب، بل ينبغي تحديد أهدافها وحدودها وشروط إنهائها.
وقال الشلفي في حديث خاص لـ”عربي21″ إن تهديد الملاحة واستهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية يضيّقان مساحة التهدئة ويدفعان بالخيار العسكري إلى الواجهة، مشيرا إلى أن انخفاض وتيرة الهجمات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة زوال التهديد أو وجود ضمانات بعدم تكراره.
وبحسب الكاتب اليمني فإن التريث السعودي يمكن فهمه من خلال حسابات متداخلة، أبرزها “الوضع الإقليمي”؛ ذلك أن أي مواجهة في اليمن قد تتداخل مع الصراع الأوسع في المنطقة، وقد تتوسع العمليات بفعل ردود متبادلة لا يتحكم طرف واحد في مسارها.
وتبرز كذلك “حماية الداخل السعودي”، وتقليل تعرض المدن والمطارات والمنشآت النفطية للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، من خلال “رفع الجاهزية وتقليل المخاطر” قدر الإمكان، وفق المتحدث ذاته.
وأوضح الشلفي أن “الموقف الدولي” يمثل عاملًا مهمًا؛ ليس بالضرورة عبر إجماع كامل، وإنما من خلال دعم سياسي وتنسيق مع الشركاء، أو على الأقل تجنب معارضة مؤثرة تزيد كلفة المواجهة وتعقيداتها.
لكن الحساب الأهم، وفقا للكاتب والصحفي اليمني هو “تجنب تكرار حرب طويلة كتلك التي بدأت عام 2015″، وقال إن اختيار عملية محدودة لا يضمن بقاءها كذلك؛ لأن الطرف الآخر يستطيع التصعيد وإطالة القتال.
وتابع بأن التفكير في اليوم التالي ضروريًا بشأن شروط وقف العمليات وما الذي يمنع تجدد الهجمات؟ وكيف تتحول المكاسب العسكرية إلى استقرار قابل للاستمرار؟
بدء المواجهة
وأكد الصحفي الشلفي على أن وصف الموقف بـ”التردد” وحده لا يفسر الصورة؛ فقد يكون تريثًا لاستكمال الشروط، أو إفساحًا للمجال أمام التفاوض، أو موازنة بين خيارات مكلفة.
ولفت إلى أن المعضلة ليست القدرة على “بدء المواجهة”، بل تحقيق أهدافها دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، مع احتمال أن يجعل استمرار الهجمات كلفة الانتظار أعلى من كلفة التحرك.
واستبعد الكاتب والصحفي الشلفي، تراجع سيناريو الحرب، وقال إنه لا مؤشرات كافية على ذلك، فالجبهات، ما تزال تتلقى السلاح والإمدادات، ويتوسع استخدام الطيران المسيّر لدى القوات الحكومية، فيما تستمر تحشيدات الطرفين في مناطق التماس وفي عمق مناطق سيطرتهما.
ومضى قائلا : “هذه التحركات تُبقي احتمال التصعيد قائمًا، لكنها لا تثبت وحدها أن قرار الحرب اتُّخذ، ولا تحدد توقيتها أو حجمها. كما يمكن أن الاستعدادات العسكرية قد تستخدم لتعزيز الردع أو الضغط التفاوضي.
ونوه إلى أن الهدوء النسبي، لا يمكن اعتباره “دليلًا كافيًا على انحسار احتمال الحرب”، مرجعا ذلك إلى أنه قد يرتبط بإعادة التنظيم واستكمال التجهيز، أو بإدارة الاستنزاف، أو بانتظار تفاهمات سياسية ودعم دولي. إضافة إلى أنه قد يعكس أيضًا أثرًا لجهود التهدئة؛ لذلك لا يصح الجزم بتفسير واحد له.
احتمالات قائمة
وقال الصحفي اليمني إن احتمالات اتساع المواجهة تبقى قائمة بقوة، ويتحدد شكلها وفق الأهداف السياسية والقدرات المتاحة وطبيعة الميدان ومدى التنسيق بين القوات الحكومية، فضلًا عن الموقفين الإقليمي والدولي.
ورجح الشلفي “اندلاع مواجهة أوسع إذا استمرت هذه التحركات ولم تُنتج الدبلوماسية تفاهمات قابلة للتنفيذ”، استدرك قائلا إن هذا الترجيح مشروطا، وليس تأكيدًا بأن الحرب حُسم قرارها أو أن ساعة الصفر أصبحت وشيكة.
اتساع الصراع
من جانبه، قال الكاتب والإعلامي اليمني، سيف المثنى إن تجربة حرب 2015، أثبتت أن الحسم العسكري في اليمن صعب ومكلف وأن التفوق الجوي لا يكفي لإنهاء الحوثيين. إضافة الكلفة الاقتصادية الواسعة والتي قد تعرض المنشآت النفطية والمدن والممرات البحرية للخطر.
وأضاف المثنى في حديثه لـ”عربي21″ أنه لا يمكن إغفال أن هناك تخوف من اتساع الصراع ومواجهة الحوثيين والتي قد تتحول إلى مواجهة غير مباشرة مع إيران وربما حرب إقليمية أوسع.
وأشار الكاتب اليمني إلى عامل آخر وهو “غياب اليوم التالي”، وكيف ستنتهي الحرب، لأنها تعرف أن الحوثي يستطيع جعل الحرب مكلفة حتى لو خسر عسكريًا.
وقال إن الرياض قد تستطيع تدمير منصات ومخازن وقدرات، لكنها لا تستطيع بسهولة ضمان اختفاء التهديد الحوثي.
وبحسب الكاتب والإعلامي اليمني فإن الرياض تريد أن تكون أقوى قبل أن تخوض حربًا، وليس أن تخوض حربًا لكي تصبح أقوى، مؤكدا على أنها تريد حاليًا ردع الحوثيين وإجبارهم على التراجع دون العودة إلى حرب 2015.
اظهار أخبار متعلقة
احتمالات مرتفعة
ولم يستبعد أن تدفع استمرار الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية أو تحولت الجماعة إلى تهديد واسع للملاحة والطاقة، الرياض من الانتقال من “سياسة الاحتواء إلى عملية عسكرية واسعة”.
وخلص إلى أن احتمال الحرب التي تختارها الرياض “تراجع”، لكنه قال أيضا، إن احتمال الحرب التي تُفرض على الرياض أو تنشأ نتيجة سلسلة من التصعيدات “ارتفع”.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: أمن بجاية يوجه نداء المواطنين
لا تريد حرب مفتوحة
من جهته، قال الكاتب والباحث اليمني، فهد سلطان إن السعودية لا تريد خوض حرب مفتوحة ضد الحوثيين بقدر ما تريد التلويح بها واستخدامها ورقة ضغط في المفاوضات.
وتابع حديثه لـ”عربي21″ بأن الرياض بدأت حوارا مباشرا مع الجماعة بعد عاصفة الحزم ( 2015) واستثمرت سياسيا وأمنيا في مسار التهدئة، وهي لا تزال تأمل أن تصل عبر هذا الحوار إلى تفاهم يضمن أمن حدودها ومنشآتها ويخرجها من كلفة الحرب، حتى إن لم ينتج عنه حل عادل ومستدام داخل اليمن.
وأكد الكاتب اليمني على أن تردد الرياض لا يعود إلى نقص في القوة العسكرية، وإنما إلى “خشيتها من أن تبدأ مواجهة محدودة ثم تجد نفسها أمام حرب لا تستطيع التحكم في نطاقها أو توقيتها أو نهايتها”.
وقال إن الحوثيين يمتلكون صواريخ ومسيّرات قادرة على استهداف المدن والمنشآت النفطية والمطارات، كما أن أي تصعيد واسع قد يفتح مواجهة غير مباشرة، وربما مباشرة، مع إيران.
وأضاف أن هناك أيضا أطرافا إقليمية ودولية قد تجد في “استنزاف السعودية فرصة لإضعافها أو ابتزازها”.
وبحسب الكاتب والباحث سلطان فإن حسابات السعودية تختلف عن تطلعات اليمنيين، مشيرا إلى أن الرياض تنظر إلى الحوثيين من زاوية “أمن حدودها ومصالحها ونفوذها الإقليمي”. بينما ينظر اليمنيون إلى القضية باعتبارها “معركة لاستعادة دولتهم” والتحرر من سلطة جماعة مسلحة استولت على مؤسساتهم وفرضت مشروعها بالقوة.
وقال : ما تريده السعودية هو “حوثي لا يهددها”. أما ما يريده قطاع واسع من الشعب اليمني فهو “إنهاء سلطة الحوثيين واستعادة الدولة”؛ وهذان هدفان مختلفان تماما.
اظهار أخبار متعلقة
سيناريو الحرب لم يختف
ويرى الكاتب اليمني أن السعودية لا تريد القضاء على الحوثيين بصورة كاملة، موضحا أن المملكة ترى بقاء الحوثيين ضمن حدود يمكن احتواؤها يمنحها أداة لضبط بقية القوى اليمنية، ويحول دون قيام دولة قوية ومستقلة القرار قد تخرج عن دائرة نفوذها.
وأردف: “إنها تفضل غالبا يمنًا يمكن إدارة تناقضاته على يمن يمتلك قراره الوطني كاملا”.
ووفقا للكاتب والباحث اليمني فإن “سيناريو الحرب لم يختف”، لكنه لا يزال ورقة تهديد وردع أكثر منه قرارا بالحسم، مؤكدا على أن السعودية قد تنزلق إليها إذا تعرضت لضربة كبيرة، لكنها لن تبدأها طوعا ما دام التفاوض قادرا على منحها الحد الأدنى من الضمانات، على حد قوله.
وكان الحوثيون قد أعلنوا في 20 يوليو/تموز الماضي، فرض ما سمته “حظرا بحريا” على السعودية.
وبعد ذلك، أعلنت الجماعة استهداف سفن سعودية في البحر الأحمر بالصواريخ والطائرات المسيرة، وبعدها شنت السعودية غارات على مواقع في ميناء الحديدة غربي اليمن، قالت إنها تضم منشآت عسكرية يستخدمها الحوثيون لتهديد الملاحة التجارية.
وفي 30 يوليو، أعلنت السعودية، موافقة 14 دولة على إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يهدف إلى حماية حرية الملاحة بالمنطقة.
وحينها، أعلنت الدول الـ14، في بيان مشترك نشرته وزارة الدفاع السعودية، دعمها لمشروع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، ورحبت بما تحقق من توافق بشأن ترتيباته التأسيسية.
اقرأ أيضا: عاجل .. ماني يحصد جائزة أفضل هدف في الجولة الثالثة بدوري روشن
