
تواصلت أعمال الجلسة العلمية الثانية التي تناولت جانبًا مهمًّا من التحولات التي طرأت على الأسرة نتيجة التطور الرقمي والانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على ما أوجدته هذه البيئة الجديدة من مسؤوليات تربوية وفقهية ودعوية واجتماعية تتصل مباشرة بعلاقة الوالدين بالأبناء وبناء الوعي الرقمي وحماية الهوية والقيم، حيث ناقشت الأبحاث المقدمة إمكان الانتقال من التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مصدرًا للخطر فقط إلى بناء نموذج أكثر توازنًا يقوم على التمكين الواعي والتنشئة المسؤولة والاستفادة الرشيدة من الإمكانات التقنية.
اقرأ أيضا: بيرفعوها بالونش.. نجاة ركاب سيارة ملاكي سقطت في مياه ترعة بطريق السنطة
يأتي ذلك استكمالًا لأعمال وفعاليات مؤتمر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وتناولت الجلسة مجموعة من الدراسات التي ركزت على مفهوم التنشئة الرقمية والوالدية الرقمية وأثر الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في الروابط الأسرية، إلى جانب بحث النوازل الرقمية من منظور الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة، حيث اتجهت المعالجات إلى إعادة تحديد مسؤولية الأسرة في البيئة الرقمية وربطها بمقاصد الحماية وصيانة الهوية وتحقيق المصلحة ودرء المفاسد، مع التأكيد على أهمية التكامل بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية في مواجهة المخاطر المستجدة، وبناء جيل يمتلك القدرة على التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها وسيلة للتعلم والإبداع والتواصل دون أن يفقد قدرته على التمييز أو يستسلم لتأثيراتها السلبية.
عادل عبد الله صبرة هندي: الوالدية الرقمية ضرورة شرعية ودعوية لسد الفجوة بين الآباء والأبناء
وفي هذا الإطار تناول د. عادل عبد الله صبرة هندي، الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة، وعضو المكتب الفني لأكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى، في بحثه «فقه الوالدية الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي: رؤية مقاصدية دعوية» إعادة تنظيم المسؤوليات الأسرية في ظل البيئة الرقمية وما أحدثته التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي من تغيرات في أنماط التنشئة والعلاقات الأسرية وبناء الوعي القيمي، مشيرًا إلى أن الفجوة الرقمية بين الوالدين والأبناء أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة.
وأوضح أن هذه الفجوة لا تتعلق بالقدرة على استخدام التكنولوجيا فحسب، وإنما تمتد إلى اختلاف أنماط التفكير ومصادر المعرفة والتأثير، وهو ما يستدعي تأصيلًا شرعيًّا ورؤية مقاصدية ودعوية تستوعب المستجدات، حيث يستهدف البحث تأصيل مفهوم الوالدية الرقمية وبيان أسسها المقاصدية والدعوية وتحليل التحديات التي تواجه الأسرة واستخلاص الضوابط الشرعية والأخلاقية لتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التربية الأسرية، مع تقديم نموذج يعزز تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات المجتمعية في بناء الوعي الرقمي، مؤكدًا أن الوالدية الرقمية أصبحت ضرورة شرعية وتربوية ودعوية لا غنى عنها، وأن الرؤية المقاصدية قادرة على تحقيق التوازن بين الانفتاح على التكنولوجيا والثبات القيمي، بما يعزز حماية الهُوية الفكرية والقيمية للأسرة ويدعم تجديد الخطاب الدعوي بما يتناسب مع واقع العصر وتحولاته المتسارعة.
رهام عبد الله سلامة: التحولات الرقمية تعيد تشكيل الروابط الأسرية
وفي رؤية اجتماعية تتقاطع مع الأبعاد الفقهية والتربوية، تناولت د. رهام عبد الله سلامة، أستاذ اللغة الأردية بجامعة الأزهر والمدير التنفيذي لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، في بحثها «الذكاء الاصطناعي والروابط الأسرية: رؤية اجتماعية لتعزيز الأدوار التربوية والوقاية من المخاطر الرقمية المستجدة» التأثيرات البنيوية التي أحدثتها التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي في الروابط الأسرية ومنظومة القيم التربوية، منطلقة من واقع أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي بيئة حيوية تشكل وعي الجيل الصاعد وتؤثر في توجهاته، بالإضافة إلى العلاقة بين هذه المنصات والقيم الأسرية وأثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في ظهور العلاقات الوجدانية الاصطناعية وتغير أنماط التفاعل داخل الأسرة.
كما تطرح الدراسة تساؤلات حول دور الفتوى في توجيه الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا وتحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي والانضباط القيمي، وتتوقف عند ظواهر العزلة الافتراضية داخل الأسرة وتراجع المرجعية التربوية للوالدين لصالح ما يعرف بالأبوة الخوارزمية، فضلًا عن المخاطر السيبرانية العابرة للحدود التي تستهدف أمن الأطفال والهُوية القيمية للناشئة، مشيرة إلى أهمية الانتقال المؤسسي والإفتائي من نموذج المنع الحرماني إلى فقه التنشئة الرقمية القائم على التمكين الذاتي، مع تأسيس ميثاق أخلاقي إسلامي يحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي وفق الضروريات الخمس، وتفعيل مؤشرات إفتائية وتربوية ذكية لقياس استقرار الأسرة في الفضاء الافتراضي، إلى جانب إعداد مناهج تعليمية تسهم في رفع وعي الأطفال بالاستخدام الآمن للأجهزة والمنصات الرقمية وتدعم تكاتف صنَّاع القرار والمؤسسات المعنية من أجل بيئة أسرية أكثر أمانًا واستقرارًا.
اقرأ أيضا: شريان التكنولوجيا والملاحة العالمية.. ماذا تعرف عن مضيق تايوان؟ – الأسبوع
أسامة عبد العليم الشيخ: التنشئة الرقمية تحتاج إلى تأصيل فقهي ومقاصدي يوازن بين مصالح التكنولوجيا ومخاطرها
وفي معالجة فقهية تأصيلية تطبيقية، تناول د. أسامة عبد العليم الشيخ، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بطنطا وكلية عبد الله بن خالد للدراسات الإسلامية بمملكة البحرين، بحثه «التنشئة الرقمية للأبناء في ضوء الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة: دراسة تأصيلية تطبيقية» التحول الرقمي الذي جعل البيئة الإلكترونية جزءًا أساسيًّا من الحياة اليومية للأطفال والناشئة، ساعيًا إلى تأصيل مفهوم التنشئة الرقمية وربطه بالضروريات الشرعية الكلية المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال، واستخراج القواعد الفقهية الحاكمة لهذا المجال المستحدث، وفي مقدمتها سد الذرائع والمصلحة المرسلة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
كما تناول البحث مسؤولية الآباء عن التنشئة الرقمية في ضوء الأصول الشرعية للولاية على الصغير، وبحث عددًا من النوازل الرقمية المعاصرة المؤثرة في شخصية الأبناء مثل الإدمان الرقمي وانتهاك الخصوصية والتنمر الإلكتروني والتعرض للمحتوى غير اللائق، محللًا هذه القضايا في ضوء الأحكام الفقهية والمقاصد الشرعية، إلى جانب تناول خصائص التنشئة الرقمية وأصولها الشرعية وتطبيقات مقاصد الشريعة عليها، بما يقدم إطارًا تأصيليًّا يمكن من خلاله التعامل مع التحولات الرقمية بعيدًا عن الإفراط في المنع أو الانفتاح غير المنضبط، ويحقق التوازن بين المصالح التي توفرها التكنولوجيا والمفاسد التي قد تترتب على سوء استخدامها، مع تعزيز مسؤولية الأسرة والمؤسسات المعنية في حماية الأبناء وبناء شخصية رقمية واعية قادرة على الاستفادة من التطور التقني في إطار من القيم والضوابط الشرعية.
كذلك تناول الدكتور أحمد البدوي سالم محمد سالم، أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالمنوفية، في بحثه «الإلحاد المولد بالذكاء الاصطناعي ودوره في تطور حروب الإدراك والصراع الأيديولوجي وتداعياته على الهوية الدينية والاغتراب النفسي واليوتوبيا الفردية الخوارزمية»، التحولات غير المسبوقة التي أحدثتها الثورة الرقمية والانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، موضحًا أن هذه المنصات لم تعد مجرد وسائط لنقل المعلومات والتواصل، وإنما أصبحت بيئات فاعلة في تشكيل الهويات والقيم والاتجاهات ومجالًا لحروب الإدراك والصراع على الوعي والانتماء.
وفي هذا السياق برزت مفاهيم جديدة من بينها «الإلحاد المولد بالذكاء الاصطناعي» و«الإلحاد الرقمي» و«إلحاد الخوارزميات» باعتبارها ظواهر تتجاوز مجرد عرض الأفكار الإلحادية عبر شبكة الإنترنت إلى منظومة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الخوارزميات وأنظمة التوصية وتقنيات الذكاء الاصطناعي وآليات تحليل البيانات والسلوك الرقمي، بما يمنح المحتوى قدرة أكبر على الانتشار والوصول المباشر إلى المستهدفين والتفاعل معهم، فضلًا عن إمكانية إنتاج النصوص والصور والمقاطع المسموعة والمرئية وتطوير المحتوى بصورة متواصلة، وهو ما يجعل الإلحاد الرقمي مختلفًا في أدواته وآليات انتشاره عن أنماط الإلحاد التقليدية، حيث تتميز البيئة الرقمية بالانتشار العالمي وانخفاض تكلفة إنتاج المحتوى وسرعة التفاعل والاستفادة من قواعد البيانات الضخمة والقدرة على تحليل أنماط المستخدمين وتقديم محتوى يتناسب مع خصائصهم وخلفياتهم واهتماماتهم، بما يفرض ضرورة الانتباه إلى ما يمكن أن تحدثه هذه التطورات من تأثيرات في الوعي الديني وإعادة تشكيل المرجعيات الفكرية لدى الأجيال الجديدة.
يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
اقرأ أيضا: معتمد جمال يجتمع بلاعبي الزمالك قبل مواجهة بطل جيبوتي
