
يتسع التنافس بين الصين والولايات المتحدة على
رسم ملامح النظام العالمي المقبل، مع تحركات متزامنة تكشف اختلاف نهج القوتين ففي
الوقت الذي تعمل فيه بكين على توسيع شبكة علاقاتها وحشد الدعم من دول متعددة،
تواجه واشنطن خلافات متزايدة مع عدد من حلفائها وشركائها الاقتصاديين، بما يعيد
طرح تساؤلات حول مستقبل النفوذ الأمريكي وصعود الدور الصيني.
اقرأ أيضا: الأخضر تحت21 يشارك في دورة الألعاب الآسيوية (ناغويا 2026)
أكد مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”
للصحفي ديفيد بيرسون أن التحركات الدبلوماسية الصينية في آسيا الوسطى، بالتزامن مع
اجتماعات القوى الكبرى في الولايات المتحدة، تعكس تنافسا متزايدا حول شكل النظام العالمي
المقبل، في وقت تسعى فيه بكين إلى تقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على حشد الحلفاء
والنفوذ، بينما تواجه واشنطن تراجعا في بعض علاقاتها وتحالفاتها التقليدية.
وأشار بيرسون إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ
وصل إلى آسيا الوسطى هذا الأسبوع حاملا رسالة إلى عالم يزداد قلقا واضطرابا بسبب سياسات
الرئيس ترامب، مفادها أن الصين لديها حلفاء ونفوذ، وأنها مستعدة للمشاركة في رسم ملامح
المرحلة المقبلة.
وأوضح المقال أن هذا التباين ظهر بوضوح من خلال
قمتين عقدتا في وقت متزامن تقريبا، إذ شهدت العاصمة القرغيزية بيشكيك اجتماعا أمنيا
جمع شي بقادة روسيا وإيران، في حين اجتمعت في جبال آشفيل بولاية كارولينا الشمالية
مجموعة من أقوى دول العالم وسط خلافات وانقسامات بين المشاركين.
وتابع المقال أن قمة بيشكيك عكست رغبة بكين في
الظهور باعتبارها مصدرا للاستقرار وداعما لنظام عالمي “متعدد الأقطاب ومنظم”،
يمكن أن يحل محل النظام الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
وفي المقابل، أشار بيرسون إلى أن اجتماعات مجموعة
العشرين في الولايات المتحدة كشفت عن حالة من الاستياء والانقسام، إذ أعرب مسؤولون
أوروبيون شاركوا في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول المجموعة عن
غضبهم من دعوة إدارة ترامب لروسيا، رغم استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف المقال أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت
قال إن كندا أصغر من أن تخوض حربا تجارية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان فيه
المسؤولون يواجهون تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، والتي أدت إلى تعطيل
تدفق النفط، ورفع أسعار الطاقة العالمية، وتهديد النمو الاقتصادي بالتباطؤ.
وأكد بيرسون أن الاجتماعات المتزامنة في أجزاء
مختلفة من العالم عكست صراعا أوسع حول الجهة التي ستتمكن من تحديد ملامح النظام العالمي
خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن الصين تستفيد من علاقاتها مع روسيا
وإيران، وهما دولتان في حالة حرب مع الغرب، من أجل تعزيز نفوذها، وهو ما يمنح شي جين
بينغ أوراق قوة إضافية قبل القمة المرتقبة مع الرئيس ترامب في وقت لاحق من هذا الشهر.
وفي المقابل، قال المقال إن الولايات المتحدة تعمل
على إضعاف التحالفات والعلاقات الاقتصادية التي شكلت لسنوات طويلة إحدى ركائز قيادتها
العالمية.
ونقل بيرسون عن رايان هاس، الدبلوماسي المحترف
والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، والذي يعمل حاليا في معهد
“بروكينغز”، قوله إن استراتيجية الصين لتوجيه النظام السياسي الدولي في الاتجاه
الذي تريده تقوم على حشد الدعم من “الأغلبية العالمية”.
وأضاف هاس، بحسب المقال، أن مشاركة شي في هذه التكتلات
تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى بكين، لأنها تساعد في بناء سردية تقوم على اكتساب الصين
زخما في حشد التأييد لدور أكثر مركزية لها على الساحة العالمية.
وأوضح المقال أن شي التقى في بيشكيك، وعلى هامش
قمة منظمة شنغهاي للتعاون، قادة قرغيزستان ومنغوليا وأوزبكستان، إلا أن اللقاء الأهم
كان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأشار بيرسون إلى أن هذا اللقاء جاء بعد أيام قليلة
من زيارة سرية أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، سي آي إيه، جون راتكليف،
إلى موسكو، في محاولة لحث الكرملين على إنهاء الحرب في أوكرانيا.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال اجتماعه مع بوتين، أكد شي أن أسس العلاقات
الصينية الروسية ستزداد قوة ومتانة، في رسالة تعكس عمق العلاقات بين البلدين.
كما حضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قمة بيشكيك،
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأنه التقى شي على هامش القمة، رغم عدم وجود مؤشرات على
أن لقاء بينهما كان مرتبا مسبقا.
وفي الوقت نفسه، أشار المقال إلى أن بوتين عقد
اجتماعا مع الرئيس الإيراني، وأشاد خلاله بـ”شجاعة وصمود” الشعب الإيراني
في الدفاع عن مصالحه الوطنية، مؤكدا حرص موسكو على مساعدة طهران خلال صراعها مع الولايات
المتحدة.
وقال بوتين، بحسب المقال: “في هذه الأوقات
العصيبة، نسعى لتقديم المساعدة التي تحتاجونها؛ فقد ناقشنا هذا الأمر معكم ونقوم بتزويدكم
بالسلع الضرورية”.
وتابع بيرسون أن بوتين أشاد في وقت سابق من اليوم
نفسه بتعزز مركز قوة جديد داخل منظمة شنغهاي للتعاون، واصفا المنظمة بأنها “أحد
المراكز المستقلة والمؤثرة في العالم الناشئ متعدد الأقطاب”.
وأشار إلى أن بوتين لفت إلى أن الدول الأعضاء في
المنظمة تضم ما يقرب من نصف سكان العالم، وأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وفي الجهة الأخرى، قال المقال إن الولايات المتحدة
تبدو وكأنها تبتعد عن حلفائها التاريخيين، وهو ما يضعف قدرتها على استعراض قوتها ونفوذها
عالميا.
وأوضح بيرسون أن الرئيس ترامب أشعل حربا تجارية
مع كندا، كما قلص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، بينما تتزايد المخاوف
من أن الولايات المتحدة تستنزف مخزونها من الذخائر وتفتقر إلى القدرة على الوفاء بالتزاماتها
الدفاعية حول العالم.
وفي هذا السياق، نقل المقال عن لارس كلينغبيل،
نائب المستشار ووزير المالية الألماني، قوله للصحفيين خلال قمة مجموعة العشرين إن دعوة
إدارة ترامب لوزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف كانت أمرا “مثيرا للقلق”.
وأشار كلينغبيل، بحسب المقال، إلى أنه وبخ سيلوانوف
خلال جلسة عقدت يوم الاثنين بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا.
وأضاف بيرسون أن حالة الاستياء امتدت إلى عدد من
الأوساط الأوروبية بسبب عدم توجيه وزارة الخزانة الأمريكية دعوة إلى ممثلين عن جنوب
أفريقيا، التي تعد عضوا قديما في مجموعة العشرين وأكبر اقتصاد في القارة الأفريقية.
**فرصة للصين**
أكد المقال أن بكين تسعى إلى استغلال الفرصة التي
أتاحها نهج ترامب، من خلال ما تسبب فيه من نفور لدى عدد من شركاء واشنطن.
وفي هذا الإطار، نقل بيرسون عن وو شينبو، الباحث
في الدراسات الأمريكية بجامعة فودان في شنغهاي ومستشار وزارة الخارجية الصينية، أن
بكين لديها هدفان أساسيان، أولهما بناء توافق في الآراء يمنع الولايات المتحدة من الانفراد
بتحديد الأجندة العالمية، وثانيهما أداء دور أكبر في تحريك الاقتصاد العالمي.
وقال وو، بحسب المقال: “في ظل فقدان المحرك
الأمريكي لزخمه – أو حتى تسببه في آثار جانبية سلبية – يتعين على الصين، بصفتها محركا
اقتصاديا، أن تتقدم وتلعب دورا أكبر في دفع عجلة النمو العالمي وقيادته”.
لكن بيرسون أشار إلى أن الدور الذي تسعى الصين
إلى لعبه في الاقتصاد العالمي لا يخلو من جانب دفاعي، إذ استغلت بكين مشاركتها في اجتماع
مجموعة العشرين للدفع بأجندتها الخاصة.
وأوضح المقال أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت
قال يوم الثلاثاء إن دول المجموعة لم تتمكن من الاتفاق على بيان مشترك بسبب معارضة
الصين، التي رفضت صياغة تنتقد استراتيجيتها التصديرية.
وأشار المقال إلى أن اجتماع بيشكيك لم يكن سوى
محطة ضمن حملة دبلوماسية أوسع يقودها شي للتعامل مع طرفي الانقسام المتزايد في السياسة
العالمية.
وأوضح بيرسون أن الصين استضافت هذا العام عددا
من القادة الغربيين، من بينهم قادة ألمانيا وبريطانيا وكندا، فيما وصل شي إلى القاهرة
في وقت متأخر من يوم الثلاثاء، ومن المتوقع أيضا أن يحضر قمة دول “بريكس”،
وهي مجموعة من الاقتصادات الناشئة تقودها الصين والهند، في نيودلهي في وقت لاحق من
هذا الشهر.
ومع ذلك، أشار المقال إلى أن رغبة شي في تصوير
هذه التكتلات باعتبارها قوة موازنة موحدة في مواجهة الغرب تصطدم باستمرار الخلافات
والتوترات بين أعضائها.
اقرأ أيضا: الأندية الإنجليزية أنفقت أربعة مليارات يورو في سوق الانتقالات الصيفية في رقم قياسي جديد
وأوضح أن بكين ونيودلهي اختلفتا مرارا داخل مجموعة
“بريكس” بشأن الطريقة التي ينبغي من خلالها منافسة الولايات المتحدة، في
ظل تردد الهند في تبني نهج يقوم على المواجهة المباشرة.
وفي مؤشر آخر على هذه التصدعات، أشار بيرسون إلى
أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال محادثات
جرت على هامش القمة في قرغيزستان، على إنهاء الحرب في أوكرانيا من أجل “الإنسانية”.
وذكرت وسائل إعلام رسمية روسية أن بوتين أبلغ مودي
بأن روسيا “تتحرك في هذا الاتجاه”.
وأكد المقال أن قمة بيشكيك كشفت أيضا عن حدود التضامن
داخل منظمة شنغهاي للتعاون، موضحا أنها ليست تحالفا عسكريا، وأن بكين، رغم قدرتها على
تقديم الدعم الدبلوماسي، لم تبد استعدادا للالتزام بإرسال قوات للدفاع عن روسيا أو
إيران.
ونقل بيرسون عن تشو بو، العقيد المتقاعد من جيش
التحرير الشعبي والعامل حاليا في جامعة تسينغهوا في بكين، قوله إن هذه النقطة تمثل
جوهر الترتيب بالنسبة إلى الصين.
وقال تشو، بحسب المقال: “إنه لا يقوم على
علاقات تحالف، ولذا فهو لا يحمل طابعا استفزازيا؛ ولهذا السبب لا يجد الناس غضاضة في
قبوله أو التعامل معه”.
وأضاف أن تراجع دور واشنطن وتزايد الطابع متعدد
الأقطاب للعالم سيدفع الدول إلى اختيار منتديات أكثر براغماتية وأقل تقييدا بالشروط،
مشيرا إلى أن “الجميع يسعون بطبيعة الحال إلى تنويع خياراتهم وضمان مصالحهم”.
**تعزيز أوراق القوة
قبل قمة ترامب**
وأشار المقال إلى أن استعراض الصين لقوتها الدبلوماسية
يرتبط أيضا بحاجة شي إلى توسيع خياراته قبل لقائه المرتقب مع ترامب في واشنطن خلال
وقت لاحق من هذا الشهر.
وأوضح بيرسون أنه رغم التوصل إلى هدنة اقتصادية
مع الصين، واصلت إدارة ترامب ممارسة الضغوط على بكين، من خلال حظر استيراد الروبوتات
الصينية وتوسيع العقوبات المفروضة على الشركات الصينية التي تستورد النفط الإيراني.
كما أشار المقال إلى أن مسؤولي إدارة ترامب تحركوا
لعرقلة تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وهددوا بفرض قيود على نماذج الذكاء الاصطناعي
الصينية التي تجمع بيانات من نظيراتها الأمريكية.
وأضاف أن إدارة ترامب تستعد لتحذير عشرات الدول
من المشاركة في مبادرة صينية للذكاء الاصطناعي، وإلا فإنها قد تواجه خطر الاستبعاد
من تحالف أمريكي للذكاء الاصطناعي يعرف باسم “باكس سيليكا”، وفقا لرسالة
أعدتها وزارة الخارجية واطلعت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”.
وأوضح المقال أنه لم يتضح ما إذا كانت هذه الرسائل
قد أُرسلت بالفعل، فيما قالت وزارة الخارجية إنها لا تعلق على وثائق يزعم أنها مسربة،
لكنها أضافت أن الولايات المتحدة تتواصل مع دول أخرى لتعزيز التطوير المسؤول للذكاء
الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، تواجه الصين قيودا تجارية محتملة
من جانب أوروبا، إذ يسعى مشرعون في بروكسل إلى الحد من تدفق المنتجات الصينية، مثل
السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والمواد الكيميائية الصناعية، التي تغمر أسواق
الاتحاد الأوروبي وتسرع فقدان عشرات الآلاف من الوظائف.
وأشار بيرسون كذلك إلى التحديات الداخلية التي
تواجه شي، وفي مقدمتها الفيضانات التي اجتاحت المناطق الحدودية مع نيبال، وأسفرت عن
آلاف القتلى والمفقودين وأثارت تساؤلات حول مدى جاهزية الصين واستعدادها لمواجهة مثل
هذه الكوارث.
وأضاف أن أزمة العقارات المستمرة منذ سنوات تمثل
تحديا آخر أمام الاقتصاد الصيني، بعدما أثقلت كاهله وأجبرت بكين على الاعتماد بدرجة
أكبر على الصادرات لدفع عجلة النمو، رغم أن هذه الاستراتيجية أدت إلى زيادة التوتر
في العلاقات مع الشركاء التجاريين.
وفي هذا السياق، نقل المقال عن يون صن، مديرة برنامج
الصين في مركز “ستيمسون” بواشنطن، قولها: “تواجه الصين رياحا معاكسة،
وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة”.
وخلصت إلى أن المعادلة الصحيحة تتمثل في تحقيق
التوازن بين الحصول على ما يكفي من الدعم والتأييد داخل منظمة شنغهاي للتعاون، وبين
تجنب استفزاز ترامب بشكل مباشر.
اقرأ أيضا: انخفاض مخزونات النفط والبنزين في أمريكا
