يستعرض المقال جذور يوم التصوير العالمي المرتبط بإعلان فرنسا عام 1839 إهداء اختراع «الداجيروتايب» مجاناً للعالم، ثم يتتبع مبكراً وصول الكاميرا إلى أراضي المملكة عبر المهندس المصري محمد صادق بك الذي وثّق الحرمين والمشاعر قبل نحو 150 عاماً. ويستعيد سيرة المصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا الذي كرّس أكث…
اقرأ أيضا: الحكومة الباكستانية تطعن في قرار نقل عمران خان إلى مستشفى خاص
في مثل هذا اليوم، التاسع عشر من أغسطس، قبل 187 عاماً بالتمام، وقفت الحكومة الفرنسية أمام العالم لتعلن أنها اشترت براءة اختراعٍ غريب اسمه «الداجيروتايب» — أول طريقة عملية لحبس الضوء على لوح معدني — ثم فعلت ما لم يكن معتاداً في زمن الأسرار الصناعية: أهدته «مجاناً للعالم». من تلك اللحظة الباريسية عام 1839 وُلد فن التصوير الضوئي، ومنها يستمد العالم «يومه العالمي للتصوير» الذي يحتفي به اليوم — فكيف وصل ذلك الضوء المحبوس إلى أرضنا؟ ومن حمله؟ ومن بقي وفياً له حتى آخر نبضة قلب؟
1861: أول ومضة على أرض المملكة
لم يتأخر الضوء كثيراً؛ فبعد 22 عاماً فقط من إعلان باريس، وتحديداً عام 1277هـ (1861م)، حمل مهندس مصري يعمل في مسح طريق الحج بين الوجه وينبع كاميرته الضخمة ذات «الألواح المبتلة» إلى المدينة المنورة، ليلتقط ما يُعد أقدم صورة فوتوغرافية على أراضي المملكة. كان اسمه محمد صادق بك — وحين عاد بعد عشرين عاماً (1298هـ/1881م) إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، صار أول مصور مسلم في التاريخ يوثق الحرمين الشريفين ومناسك الحج بعدسته، تاركاً للبشرية أثمن أرشيف بصري للأماكن المقدسة قبل قرن ونصف القرن. فالكاميرا التي وُلدت في باريس، وجدت في قبلة المسلمين أول أعظم رسالاتها.
البرازيلي الذي صارت المملكة وطنه الأخير
اقرأ أيضا: عائلات فلسطينية تواجه خطر التهجير في الأغوار
وبين صادق بك الذي جاء حاجاً بعدسته، وأجيال اليوم التي وُلدت والكاميرا في جيبها، تقف قصة ودعناها قبل أيام فقط — وكأن التقويم أراد أن يهدي اليوم العالمي للتصوير مرثيته الأجمل: هومبرتو دا سيلفيرا، المصور البرازيلي الذي جاء إلى المملكة قبل أكثر من أربعة عقود فلم يغادرها؛ جاب أرجاءها موثقاً أرضها وأهلها وعمارتها وتحولاتها، وأنجز أعماله الخالدة «نجد» و«بدو» و«هجر» وكتب سِيَر الملوك المصورة مع مؤسسة التراث ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة — ثم رحل هذا الأسبوع، ليتكشف بعد وفاته أنه أسلم بصمت منذ عام 2024، ويُصلى عليه في الدرعية بإمامة حضور الأمير سلطان بن سلمان. أربعون عاماً من الوفاء للمكان والإنسان، اختصرها قبره في التراب الذي صوره طويلاً.
من التوجس إلى الهوية.. العدسة السعودية اليوم
واليوم، انقلبت المعادلة رأساً على عقب: الأرض التي دخلتها الكاميرا محمولةً على ظهور الإبل صارت من أكثر بقاع العالم تصويراً وتصويباً للعدسات؛ ملايين الصور تخرج يومياً من هواتف السعوديين، وجيل كامل من المصورين والمصورات السعوديين يحصد الجوائز في المحافل الدولية، وتحولت مواسم المملكة — من الحج والعمرة إلى مشاريع التحول الكبرى — إلى أضخم «استوديو مفتوح» على وجه الأرض. ولم يعد التوثيق البصري ترفاً؛ فالأرشيفات الوطنية تجمع الذاكرة، والمشاريع العملاقة توثق يومياتها بالصورة قبل الكلمة، لأن جيلاً قادماً سيريد أن يرى — لا أن يقرأ فقط — كيف تغير وجه بلاده في عقد واحد.
وبقراءة ختامية، يظل التصوير أصدق رواة التحولات الكبرى: صادق بك حفظ لنا وجه الحرمين قبل التوسعات، ودا سيلفيرا حفظ وجه نجد قبل الأبراج، وعدسات اليوم تحفظ لأحفادنا وجه المملكة وهي تعبر أعظم تحولاتها. فكل صورة نلتقطها اليوم — مهما بدت عادية — هي وثيقة غدٍ محتملة؛ وتلك تحديداً كانت هدية باريس للعالم قبل 187 عاماً: ألا يموت مشهدٌ رآه إنسان.
اقرأ أيضا: برادلي كوبر ومونيكا باربارو في كواليس تصوير Ocean’s Eleven في باريس
