
بعدما كانت أكثر المناطق ارتباطا بالحرب والنزوح، باتت مدينة رفح الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة ركيزة أساسية في التصور الأميركي لإعادة إعمار القطاع.
اقرأ أيضا: قبل مباراة الأهلي.. برشلونة يقترب من صفقة جديدة
ولاختيار رفح في هذا التصور الأميركي أسباب عدة، والمدينة لا تمثل مجرد مشروع عمراني، وإنما أولى مراحل عملية أوسع لإعادة تنظيم البنية السكنية والاقتصادية والخدمية في القطاع.
وفي يناير 2026، عرض جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ملامح مخطط واسع لإعادة بناء القطاع، يبدأ من رفح ويتدرج شمالا عبر خان يونس والمناطق الوسطى، وصولا إلى مدينة غزة.
ولم يرتبط اختيار المدينة كبداية لإعادة الإعمار فقط بموقعها الجغرافي، رغم أنها تقع على الحدود مع مصر، وتضم معبر رفح، الذي يمثل المنفذ البري الوحيد للقطاع.
هذا الموقع جعل رفح على مدى عقود نقطة اتصال بين غزة والعالم الخارجي، ومحورا لحركة السكان والمساعدات، كما جعلها جزءاً أساسياً من أي ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع وحدوده.
ومع اندلاع الحرب في غزة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 اكتسبت رفح أهمية أكبر، إذ تحولت إلى ملاذ لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين نزحوا من شمال ووسط القطاع.
وبحلول مايو 2024، أصبحت أيضا محورا للعملية العسكرية الإسرائيلية، لتتحول رفح والحدود المحيطة بها إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في الحرب.
ثم أضاف حجم الدمار الذي خلفته الحرب بعدا آخر إلى اختيارها نقطة انطلاق لإعادة الإعمار. وبحسب تحليل للأقمار الصناعية نُشر في يوليو 2025، تعرض نحو 89% من مباني رفح للدمار أو لأضرار.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر فحسب، وإنما تكشف طبيعة تعقيد المهمة التي تواجه أي خطة لإعادة إعمار رفح، فهي ستعمل على إعادة بناء المساكن والمنشآت والبنية التحتية، بالإضافة إلى استعادة الأراضي الزراعية والخدمات الأساسية التي تضررت خلال الحرب.
ويجمع اختيار رفح بالتالي بين موقعها الحدودي، والحاجة الإنسانية، وحجم الدمار، والاعتبارات الأمنية والسياسية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
بوابة غزة إلى العالم
تاريخيا، ارتبطت رفح بالحدود المصرية وبحركة العبور بين غزة وسيناء. وعقب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 وإتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، باتت المنطقة الحدودية أكثر ارتباطا بترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
وفي عام 2005، وضعت اتفاقية الحركة والعبور المبرمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بوساطة أميركية ودولية ترتيبات لإدارة معبر رفح، شملت إدارة فلسطينية من الجانب الغزي وإدارة مصرية من الجانب المصري، مع دور رقابي للاتحاد الأوروبي.
لكن سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 غيرت المشهد، وبات المعبر مرتبطا بصورة مباشرة بالانقسام الفلسطيني وبالعلاقات بين غزة ومصر وإسرائيل.
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد معبر رفح مجرد نقطة لعبور المسافرين، بل أصبح ورقة سياسية وأمنية وإنسانية في آن واحد.
ومع اندلاع الحرب في 2023، تبدلت وظيفة رفح مرة أخرى، فمع تدفق النازحين نحو جنوب القطاع، تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، وأصبح معبر رفح بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين منفذاً محتملاً للخروج من القطاع أو لتلقي المساعدات عبر الحدود المصرية.
ثم أعادت العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في رفح في مايو 2024 رسم المشهد، وارتبطت المدينة بالسجال الدولي بشأن حماية المدنيين والنزوح والمساعدات ومستقبل الحدود.
“رفح الجديدة”
في مخطط يناير 2026، تجاوزت الفكرة مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، وقدم التصور الأميركي مشروعاً أوسع لإعادة تنظيم قطاع غزة عمرانياً واقتصادياً، يبدأ من الجنوب.
وبحسب العرض الذي قدمه كوشنر، تضمنت “رفح الجديدة” أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى منشآت طبية ومراكز تعليمية وثقافية ومهنية، ضمن رؤية أوسع لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات في القطاع.
لكن بعد أشهر من طرح هذه الخطة، أفادت تقارير صحفية، نقلاً عمن وُصفت بمصادر مطلعة على المباحثات، بتراجع الطموح الأولي للمشروع، والانتقال إلى بحث مشروع تجريبي قرب رفح لإيواء ما يصل إلى 50 ألف فلسطيني نازح في وحدات سكنية متنقلة، مع ترتيبات أمنية تشمل شرطة فلسطينية خضعت للتدقيق الإسرائيلي، إلى جانب قوة الاستقرار الدولية.
اقرأ أيضا: طفل مصري يشغل منصات التواصل بلغاته المتعددة وتفاعله مع السياح
وفي منتصف يوليو، نفى براد كلابر، المسؤول في “مجلس السلام” صحة تقرير لصحيفة “غارديان” بهذا الشأن.
وقال كلابر لـ”الحرة” إن التقرير “غير صحيح ولا يستند إلى أي شيء”، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن نطاق الخطة أو الجدول الزمني لتنفيذها.
ولم يصدر، حتى الآن، إعلان رسمي من الأطراف المشاركة في خطة السلام يؤكد تبني تقليص للخطة أو تفاصيل المشروع بصيغتها النهائية.
وفي كل الأحوال فإن أهمية رفح باتت تتجاوز كونها مرحلة الأولى في مخطط واسع لإعادة بناء غزة، لتصبح أيضا اختباراً عملياً لإمكانية تنفيذ هذا التصور على الأرض.
من يدير رفح؟
تتحدث التصورات الأميركية عن إدارة فلسطينية تكنوقراطية للخدمات المدنية، بالتوازي مع ترتيبات أمنية دولية وشرطة فلسطينية مدققة.
لكن هذه الترتيبات تظل مرتبطة بمستقبل إدارة قطاع غزة، ودور حماس، وطبيعة الانسحاب أو الوجود العسكري الإسرائيلي، وكيفية تطبيق أي اتفاق سياسي على الأرض.
ويقول عماد محسن، الناطق الإعلامي باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، إن المشروع يقوم على تثبيت المواطنين في أرضهم ومنع التهجير وإعادة إعمار غزة، إلى جانب شراكة سياسية بهدف تغيير النظام السياسي الفلسطيني.
أما من الجانب المصري، فيرى العميد خالد عكاشة، رئيس مجموعة الأمن الإقليمي وتحليل المخاطر، أن اختيار رفح يرتبط بكونها من المناطق الأكثر قابلية للبدء بمشروعات إعادة بناء الخدمات العامة.
وقال عكاشة لـ”الحرة” إن الفلسطينيين بحاجة إلى استعادة الخدمات الأساسية في مختلف مناحي الحياة، معتبراً أن رفح يمكن أن تكون نموذجاً أولياً لهذه العملية.
وأضاف أن دولا عربية، بينها الإمارات وقطر والسعودية، أبدت استعداداً للمشاركة في إعادة إعمار غزة، معتبراً أن إعادة الحياة إلى القطاع يمكن أن تبدأ من رفح.
اقرأ أيضا: إيران لا ترفع الراية البيضاء.. “بوليتيكو” تكشف مأزق ترامب الاقتصادي
