الحكمة فى زمن الحرب | بوابة أخبار اليوم الإلكترونية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا ترتكن الدبلوماسية المصرية فى تعاملها مع الأزمات الإقليمية إلى ردود الأفعال الانفعالية، بل تنطلق من رؤية راسخة، ترتكز على الحسابات الدقيقة للمصالح الوطنية والعربية العليا.
وفى هذا السياق، لا يُختزل التضامن العربى الحقيقى فى المغامرة بخيارات عسكرية، بل يُقاس بالقدرة الفعلية على بناء توافقات استراتيجية، تعزز الاستقرار الإقليمي، وتقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، التى تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.
وفى ظل تطورات الأحداث، تؤكد مصر دائما أن أمن الخليج يمثل جزءا لا يتجزأ من أمنها القومى، وتجدد التزامها الراسخ بتقديم كافة سبل الدعم للأشقاء، وتكثيف جهودها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، وتفعيل المسارات التفاوضية، بما يتماشى مع قواعد وتطورات الأحداث.
وتتوافق الرؤية المصرية مع المواقف الخليجية المعلنة، فى رفضها التورط فى حرب لا تخدم مصالحها، وعدم الانخراط فى أى تصعيد، أو المشاركة فى أى هجمات، وبالتالى فإن الترويج لغير ذلك هو رواية مغرضة تستند إلى تصور واهم، يزعم عدم مشاركة مصر فى حرب جماعية لم تندلع أصلا.
وبين شد وجذب، وحديث عن الحرب والسلام، تبرز محاذير حقيقية من اتساع الصراع مع إيران، بما قد يحول الإقليم بأسره إلى ساحة حرب مفتوحة، يصعب التنبؤ بنتائجها أو ضمان حسمها.
وهناك شكوك متزايدة حول مدى انخراط الولايات المتحدة فى صراع طويل، ويبقى السيناريو الأسوأ أن تبرم اتفاقا يخدم فقط مصالحها وأهداف إسرائيل، وهو ما دفع دول الخليج إلى تنويع تحالفاتها الأمنية، وعدم الرهان على طرف واحد فى معادلة شديدة التعقيد.
وسؤال «ماذا بعد الحرب؟» يفرض نفسه عاجلا أو آجلا، وهل ستظل إيران جارا مزعجا؟ وكيف يمكن إدارة العلاقات معها؟ وهو سؤال معقد، يفتح الباب أمام احتمالات كثيرة، ويجعل البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية مستدامة ضرورة لا يمكن تأجيلها.
وإذا كانت الدول المعنية بالصراع قد اختارت بنفسها عدم خوض المعركة، فمن المنطقى ألا تقدم مصر على خيار مخالف، وأى حديث لا يعتد بهذه الحقائق، هو محاولة مكشوفة للنيل من علاقات متينة بين مصر والدول الخليجية، ليست علاقات مصلحة عابرة، بل هى عمق استراتيجى وركيزة أساسية، فى صلب الأمن القومى العربى، وأى مساس بهذا النسيج المتين هو تجاهل متعمد لتاريخ ممتد من التنسيق والتلاحم.
ولا تكمن قوة الموقف المصرى فى الانخراط فى كل صراع، وإنما فى امتلاك القدرة على قراءة المشهد، وحماية المصالح، والحفاظ على قنوات التواصل، ودعم الأشقاء، والعمل من أجل احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى حروب مفتوحة.
مصر بحكم موقعها وثقلها، تدرك أن الأمن العربى لا يُبنى بالمزايدات أو المغامرات، وإنما بالحكمة والتنسيق والتضامن الحقيقي، وأن وحدة الصف العربى تظل خط الدفاع الأهم، فى مواجهة محاولات تفكيك المنطقة وإغراقها فى صراعات لا تنتهى.

اقرأ أيضا: الصحفيون.. سؤال لا ينتهى | بوابة أخبار اليوم الإلكترونية

 

‫0 تعليق