التنقل الكهربائي في الشرق الأوسط: قيادة التحول نحو النقل المستدام

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

الدكتور شوقي مؤنس، أستاذ مساعد في هندسة الروبوتات بكلية الهندسة والعلوم الفيزيائية، جامعة هيريوت وات دبي

اقرأ أيضا: محمود التهامي وفتحي سلامة والعربي.. سهرة استثنائية في مهرجان القلعة 34

موضوعات مقترحة

لطالما ارتبط الشرق الأوسط باحتياطياته النفطية الضخمة وثقافة السيارات العاملة بالوقود، إلا أنه اليوم يرسم مسارًا جديدًا لافتًا نحو تبنّي التنقل الكهربائي. فبدافع من خطط التنويع الاقتصادي، والاعتبارات البيئية إذ يسهم قطاع النقل بما يتراوح بين 20 و25% من انبعاثات الكربون في المنطقة إلى جانب التوجهات التكنولوجية المتسارعة، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على تسريع انتقالها نحو أنظمة نقل أكثر استدامة. ولا يقتصر أثر هذا التحول على مراكزها الاقتصادية الكبرى فحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل السياسات والأعمال وأنماط الحياة الحضرية في مختلف أنحاء المنطقة.

مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي: ما وراء مفارقة النفط

يمثل التحول نحو السيارات الكهربائية في دول مجلس التعاون الخليجي خطوة استراتيجية مدروسة، لا تناقضًا في السياسات. فإدراكًا للتحولات العالمية في قطاع الطاقة والحاجة الملحّة لخفض البصمة الكربونية المحلية، تستخدم الحكومات مواردها النفطية لتمويل اقتصاد ما بعد النفط. وقد وضعت رؤى وطنية مثل رؤية السعودية 2030 ومبادرة الإمارات للحياد الكربوني بحلول 2050 النقل المستدام في صلب استراتيجياتها، مما منح التحول زخماً كبيرًا. وتتجاوز جهود المنطقة اليوم نموذجًا واحدًا فقط؛ فالمملكة العربية السعودية تكهرب أسطولها العام وتؤسس مركزًا صناعيًا بالتعاون مع شركة لوسيد في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، بينما نشرت قطر أسطولًا من الحافلات الكهربائية خلال كأس العالم، مكرسة إرثًا مستدامًا في النقل الأخضر. وفي الوقت نفسه، تُطلق عُمان والبحرين حوافز تجريبية وتخططان لإنشاء ممرات شحن عابرة للحدود.

وتُعد دبي نموذجاً رائداً في هذا المجال. تهدف استراتيجية دبي للتنقل الأخضر 2030 إلى تحويل 30% من المركبات على طرقها إلى الكهرباء بحلول عام 2030. ولتحفيز الطلب، تقدم هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) حزمة حوافز قوية. وقد ساهمت هذه الأدوات السياسية، التي تدعم نمو سوق السيارات الكهربائية في الإمارات العربية المتحدة، والذي من المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب يزيد عن 30%، في جعل السيارات الكهربائية مشهداً مألوفاً بشكل متزايد، محولةً إياها من كونها شيئاً جديداً إلى واقع ملموس.

أهمية البنية التحتية: بناء العمود الفقري

لا فائدة من الطموح دون وجود بنية تحتية قوية. يعتمد نجاح دول مجلس التعاون الخليجي على إنشاء شبكة شحن متينة تخفف من مخاوف نفاد شحن السيارات الكهربائية في منطقة تتسم بالمسافات الطويلة ودرجات الحرارة المرتفعة، فضلاً عن المناخ الذي يفرض تحديات فريدة على عمر البطاريات وأدائها، ويستلزم تطوير أبحاث محلية في إدارة الحرارة. وفي هذا الإطار، تتصدر دبي المبادرة من خلال مشروع “الشاحن الأخضر للسيارات الكهربائية” التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا)، والذي يشمل أكثر من 350 محطة شحن عامة في الإمارة. كما يشهد الإقليم تنافسًا محتدمًا في البنية التحتية، حيث تستهدف المملكة العربية السعودية عبر مبادرة تطوير شحن السيارات الكهربائية نشر آلاف الشواحن لتعزيز الانتقال نحو النقل المستدام.

يتمثل التحدي في شقين: الكثافة وجاهزية الشبكة. فبينما يجري تجهيز المراكز الحضرية بسرعة، يُعد ضمان الربط بين المدن التحدي التالي. كما يجب على شركات المرافق ضمان عدم إجهاد شبكات الكهرباء بسبب تزايد استخدام السيارات الكهربائية، خاصة خلال ذروة الطلب على التبريد في فصل الصيف. ويكمن الحل في الشحن الذكي، وتعريفات الاستخدام حسب الوقت، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، في منظومة الشحن.

مواكبة زخم السياسات وواقع السوق:

تعيد ثورة التنقل الكهربائي تشكيل المشهد الإقليمي، ما يستدعي استجابات سريعة من صانعي السياسات والشركات على حد سواء. ويتمثل التحدي الرئيسي في الموازنة بين الدعم الحكومي المستدام وبناء سوق مكتفية ذاتيًا. ورغم أن النمو الحالي مشجع للغاية، يثير ذلك تساؤلات حول حجم الطلب على المدى الطويل في حال تراجع الدعم. ومن ثم، يتعين على صانعي السياسات موازنة الاستثمار المكثف مع مخاطر فائض الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية، لضمان أن يتماشى توسع الشبكات مع الاستخدام الفعلي.

لصانعي السياسات:

• التنظيم الشامل: بالإضافة إلى الحوافز، يجب أن تُوحّد السياسات تقنيات الشحن، وتُبسط إجراءات الترخيص للبنية التحتية، وتضع بروتوكولات لإعادة تدوير بطاريات السيارات الكهربائية.

• الاستراتيجية الصناعية: ثمة فرصة للانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج. وتشير شراكة المملكة العربية السعودية مع لوسيد وخطط هيونداي في الكويت إلى طموحات مبكرة في تصنيع وتجميع السيارات الكهربائية، بهدف إنشاء تجمعات صناعية جديدة وتوفير فرص عمل.

اقرأ أيضا: جامعة قنا تتابع أعمال مكافحة «النمل الأبيض» بكلية طب الفم والأسنان – الأسبوع

• التخطيط الحضري: يجب أن يُدمج التخطيط الحضري المستقبلي التنقل الكهربائي، مع إعطاء الأولوية للشحن في قوانين البناء، وكهربة أساطيل النقل العام، وتعزيز التنمية الموجهة نحو النقل العام.

للشركات:

• سلاسل القيمة الجديدة: يجب على وكلاء السيارات التقليديين التحول إلى مزودي خدمات التنقل، من خلال تقديم خدمات البيع وحلول الشحن والصيانة. سيتطلب ذلك إعادة تدريب مكثفة للقوى العاملة.

• تقارب الطاقة: تتمتع شركات النفط والغاز بموقع متميز يؤهلها لتصبح لاعباً رئيسياً في مجال شحن السيارات الكهربائية، مستفيدةً من شبكات البيع بالتجزئة القائمة وخبرتها في مجال الطاقة. بالنسبة لها، يتمحور هذا التحول بشكل متزايد حول تعويض هوامش الربح، والحفاظ على العملاء، وتعزيز مصداقيتها في مجال الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. ويُعد تركيب شركة أدنوك لأجهزة الشحن في محطات الخدمة التابعة لها مثالاً واضحاً على هذا التقارب.

• الابتكار في التكنولوجيا والخدمات: تتوفر فرص في برامج إدارة الأساطيل، وتشخيص حالة البطاريات، ودمج السيارات الكهربائية مع منصات المدن الذكية.

لا يخلو مسار الشرق الأوسط نحو التنقل الكهربائي من بعض التحديات. فارتفاع تكاليف شراء السيارات في البداية، حتى مع تحسن التكلفة الإجمالية للملكية، والارتباط الثقافي بسيارات الاحتراق الداخلي القوية، والحاجة إلى استثمار مستدام، كلها عوامل لا تزال تشكل تحديات. ومع ذلك، فإن الاتجاه واضح. من خلال استغلال رأس مالها المالي وميزتها في مجال الطاقة الشمسية، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي القدرة على تجاوز الدول الأقل تبنياً لهذه التقنيات.

في نهاية المطاف، لا يقتصر هذا التحول على مجرد تغيير المحركات، بل هو جزء من تحول أوسع نحو اقتصادات أكثر ذكاءً ونظافةً وتنوعاً. وبينما تُسرّع المنطقة من وتيرة تبني النقل المستدام، فإنها لا تسعى ببساطة إلى مواكبة توجه عالمي، بل تشق طريقها الخاص نحو مستقبل خالٍ من الكربون، خطوة بخطوة.

اقرأ أيضا: بفائدة 16%.. تفاصيل الوديعة بعائد مدفوع مقدمًا في 5 بنوك قبل اجتماع المركزي

‫0 تعليق