
تحولت سهرة الفنانة المغربية نجاة عتابو في
مهرجان الحمامات الدولي إلى مساحة للتفاعل الطريف مع الجمهور النسائي، بعدما
استحضرت، قبيل أدائها أغنية “المدونة”، موضوع تعدد الزوجات، في إشارة
ساخرة إلى الحظر القانوني الصارم للتعدد في تونس منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية
عام 1956.
اقرأ أيضا: انتهت مهلة الـ60 يوما ولم ينته التفاوض.. إلى أين تتجه واشنطن وطهران؟ | أخبار
وطرحت عتابو على الحاضرات سؤالا مازحا حول
إمكانية الزواج من أربع نساء، قبل أن تقدم أغنيتها التي تتناول، في قالب شعبي
ساخر، قضايا الزواج والعلاقات بين الرجال والنساء وتستحضر مدونة الأسرة المغربية،
ليكتسب الموقف دلالة إضافية في تونس التي تحتفل هذا العام بمرور سبعة عقود على
اعتماد منظومة قانونية جعلت منع تعدد الزوجات أحد أبرز أحكامها.
“المدونة”
قبل الأغنية.. مداعبة حول الزوجات الأربع
جاءت المداعبة في مقدمة أداء نجاة عتابو
لأغنية “المدونة”، التي تعد من الأعمال التي عالجت من خلالها الفنانة
موضوعات الزواج والعلاقات الأسرية بلغة شعبية ساخرة وقريبة من الجمهور.
واستثمرت عتابو حضور عدد كبير من النساء في
الحفل لفتح حديث خفيف حول مسألة تعدد الزوجات، مستحضرة فكرة “الأربع
زوجات” في سياق طريف، قبل الانتقال إلى أداء الأغنية.
وتتناول “المدونة” موضوع مدونة
الأسرة المغربية وما يرتبط بها من تنظيم للعلاقات الزوجية وحقوق المرأة، وتقدم
عتابو هذا الموضوع من خلال الأغنية الشعبية والسخرية والمفارقة، بدلا من طرحه في
قالب مباشر أو قانوني.
ومن هنا اكتسب تقديم الأغنية في تونس دلالة
خاصة؛ فالموضوع الذي تتناوله عتابو من زاوية مغربية وجد صدى في سياق تونسي مختلف
قانونيا، حيث يمنع تعدد الزوجات بصورة مطلقة.
ولا يعني ذلك أن الأغنية تتناول القانون
التونسي مباشرة، بل إن عتابو استحضرت موضوعا مرتبطا بالقانون الأسري المغربي، ثم
استخدمت خصوصية السياق التونسي مدخلا للمداعبة والتفاعل مع الجمهور.
وبعد “المدونة”، واصلت عتابو
تفاعلها الغنائي مع الحاضرين، وقدمت من بينها أغنية “كذبة باينة”، في
حفل جمع بين الأغنية الشعبية المغربية والتواصل المباشر مع الجمهور التونسي.
لماذا استدعت عتابو “الزوجات
الأربع” في تونس؟
تحمل الإشارة التي أطلقتها عتابو خصوصية
واضحة في تونس، إذ إن الزواج بأكثر من امرأة محظور قانونا منذ اعتماد مجلة الأحوال
الشخصية في 1956.
وتنص المادة 18 من مجلة الأحوال الشخصية
التونسية على منع تعدد الزوجات، كما تفرض عقوبات على مخالفة هذا الحظر.
وبذلك تختلف تونس عن عدد من الدول العربية
والإسلامية التي تسمح بالتعدد ضمن شروط متفاوتة، أو تفرض قيودا وإجراءات معينة قبل
إبرام الزواج الثاني.
أما في تونس، فالمبدأ التشريعي أكثر حسما:
لا يمكن للرجل أن يعقد زواجا ثانيا ما دام الزواج الأول قائما، ويترتب على مخالفة
ذلك جزاء جنائي.
ولهذا فإن سؤال عتابو عن “الأربع
زوجات” لم يكن مجرد مداعبة عابرة، بل لامس موضوعا يعرفه الجمهور التونسي
بوصفه إحدى العلامات الأبرز في تاريخ تشريعات الأسرة في البلاد.
مجلة الأحوال الشخصية.. سبعون عاما من الجدل
تزامن حفل عتابو مع الذكرى السبعين لصدور
مجلة الأحوال الشخصية التونسية، التي اعتمدت في آب/أغسطس 1956، بعد أشهر من
استقلال البلاد.
وأحدثت المجلة تحولا كبيرا في تنظيم الأسرة
والزواج والطلاق، وأصبحت مع مرور الوقت واحدة من أكثر التجارب التشريعية إثارة
للاهتمام في العالم العربي، خصوصا في ما يتعلق بحقوق المرأة.
وكان منع تعدد الزوجات من أكثر أحكامها
إثارة للنقاش، إلى جانب إصلاحات أخرى شملت تنظيم الزواج والطلاق والحضانة ومجالات
مختلفة من العلاقات الأسرية.
وبمرور العقود، أصبح الحديث عن المجلة
مرتبطا أيضا بصورة تونس باعتبارها من الدول العربية التي تبنت مبكرا تشريعات أكثر
تشددا في تنظيم تعدد الزوجات.
بين القانون المغربي والتشريع التونسي
وتبرز في الحفل مفارقة لافتة بين تجربتين
مغاربيتين. فأغنية عتابو تستحضر مدونة
الأسرة المغربية باعتبارها الإطار القانوني الذي ينظم الزواج والأسرة، بينما
اختارت الفنانة في تونس الحديث عن التعدد أمام جمهور يعيش في ظل قانون يحظره كليا.
والفرق هنا مهم؛ فمدونة الأسرة المغربية لا
تقوم على حظر مطلق للتعدد، وإنما تضع له شروطا وقيودا قانونية وقضائية مشددة.
أما القانون التونسي، فيتجه إلى المنع
الكامل. ومن ثم فإن المداعبة التي
سبقت الأغنية جمعت في لحظة واحدة بين خطاب فني مغربي حول الأسرة، وخصوصية تشريعية
تونسية مختلفة، وهو ما منح الموقف قدرة على إثارة تفاعل الجمهور من دون أن يتحول
بالضرورة إلى نقاش قانوني مباشر.
نجاة عتابو.. الأغنية الشعبية وقضايا المرأة
تنتمي نجاة عتابو إلى الأسماء البارزة في
الأغنية الشعبية المغربية، وارتبط جزء من تجربتها الفنية بموضوعات الحب والزواج
والعلاقات الاجتماعية والمرأة.
وتتميز أعمالها باستخدام لغة مباشرة ومفردات
مألوفة في الحياة اليومية، وهو ما جعل أغانيها قريبة من جمهور واسع داخل المغرب
وخارجه.
وتقوم تجربتها في جانب منها على تحويل
موضوعات اجتماعية قد تكون حساسة إلى مادة غنائية قابلة للتداول الشعبي، مستفيدة من
السخرية والحوار والمفارقة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو
“المدونة” مجرد أغنية عن الزواج، وإنما امتداد لنهج عتابو في تناول
العلاقة بين الرجل والمرأة وقواعد الحياة الزوجية من خلال خطاب شعبي ساخر.
حفل نسائي بامتياز
وقد أسهم حضور جمهور نسائي كبير في حفل
الحمامات في جعل موضوع الأغنية أكثر قابلية للتفاعل، خصوصا أن عتابو لم تكتف بأداء
الأغنية، بل قدمت لها بحديث مباشر مع الحاضرات.
فالمسرح هنا لم يكن مجرد مساحة للأداء
الموسيقي، وإنما تحول إلى فضاء للحوار والمزاح حول قضية يعرف الجمهور خلفيتها
القانونية والاجتماعية.
ولم يكن اختيار موضوع “الزوجات
الأربع” اعتباطيا تماما في السياق التونسي؛ فالموضوع حاضر في الذاكرة
القانونية للبلاد منذ سبعين عاما، كما أن عبارة “الزوجة الأولى” تحمل في
المخيال الشعبي دلالات واسعة مرتبطة بالغيرة والعلاقة الزوجية والأسرة.
الحمامات تحتفي بستة عقود من الفن
أقيم حفل عتابو ضمن الدورة الستين من مهرجان
الحمامات الدولي، الذي يمثل واحدا من أبرز المواعيد الثقافية والفنية في تونس.
وجاءت الدورة الحالية تحت شعار “ذاكرة
تعيش”، بما يعكس رغبة المهرجان في الاحتفاء بتاريخه الممتد واستعادة محطات من
مسيرته الفنية.
وشمل البرنامج عروضا موسيقية ومسرحية وفنية
من تونس وخارجها، في محاولة للجمع بين الأسماء التونسية والتجارب العربية والدولية.
وفي هذا السياق، مثل حضور عتابو امتدادا
للحضور المغاربي في المهرجان، إذ حملت إلى ركح الحمامات الأغنية الشعبية المغربية،
بما لها من حضور واسع في الوجدان المغاربي.
الفن يعيد صياغة النقاش الاجتماعي
تكشف لحظة “المدونة” في الحمامات
عن قدرة الأغنية الشعبية على إعادة طرح قضايا اجتماعية وقانونية معقدة في قالب
بسيط. فالتعدد في تونس ليس مجرد
موضوع ثقافي أو ديني، بل مسألة محسومة قانونا منذ 1956، فيما تبقى موضوعات الزواج
وحقوق المرأة والأسرة حاضرة في النقاشات الاجتماعية في المغرب وبقية المنطقة.
لكن عتابو لم تدخل في سجال قانوني حول مزايا
المنع أو التعدد، وإنما استخدمت الموضوع بوصفه مادة للتفاعل مع جمهورها، قبل أن
تنتقل إلى الأغنية.
وهذا الفارق مهم عند قراءة المشهد؛ فالموقف
لا يقدم بالضرورة موقفا سياسيا أو قانونيا للفنانة من التشريع التونسي، وإنما يعكس
توظيفا فنيا لمفارقة يعرفها الجمهور المحلي جيدا.
من “المدونة” إلى ذاكرة المرأة
المغاربية
ولعل ما جعل اللحظة لافتة هو أنها وضعت
أغنية مغربية في قلب نقاش تونسي قديم حول الأسرة والمرأة. فالمغرب وتونس، رغم
تقاربهما الجغرافي والثقافي، اختارا مسارات قانونية مختلفة في التعامل مع تعدد
الزوجات، بينما ظل موضوع المرأة والأسرة واحدا من المجالات التي شهدت تحولات عميقة
في البلدين.
وعلى خشبة الحمامات، اختزلت نجاة عتابو هذا
الاختلاف في سؤال ساخر عن “الأربع زوجات”، قبل أن تبدأ أغنية تحمل عنوان
“المدونة”.
وبذلك امتزجت الأغنية بالقانون، والمزاح
بالنقاش الاجتماعي، والتجربة المغربية بالسياق التونسي، في لحظة فنية قصيرة تحولت
إلى مدخل لاستحضار واحد من أكثر الملفات حساسية في قوانين الأسرة بالمنطقة
المغاربية.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: صراع فرنسي تركي على غدجميس
