
مع انقضاء مهلة 60 يوما المحددة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية المعروفة باسم “مذكرة إسلام آباد”، تدخل العلاقة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر هشاشة، بعدما فشل الطرفان في تحويل التفاهم المؤقت إلى اتفاق نهائي.
ورغم حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم لفوكس نيوز عن أن إيران ينبغي “أن ترفع الراية البيضاء لإعلان الاستسلام” وتصريحات إيرانية متتالية أمس من المسؤولين في طهران والقوات المسلحة عن انتصار إيراني وفشل أمريكي وإسرائيلي، فإن هناك حديثا آخر يقلل من أهمية انقضاء المدة ويلفت إلى وجود قنوات تواصل مستمرة.
وصرح ترمب بأنه ليس في عجلة من أمره بشأن إيران، ولا يعمل وفق جدول زمني محدد، كاشفا عن وجود قناة تواصل خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني.
أما طهران، فإنها لا ترى في انقضاء المهلة مؤشرا على استئناف الحرب، لكنها تؤكد جاهزية قواتها المسلحة لأي تصعيد محتمل، وترفض في الوقت نفسه التعامل تحت ضغط الإنذارات أو المُهل الزمنية.
ولم تكن المهلة مخصصة للتوصل إلى تفاهم أولي جديد، بل لإتمام التفاصيل التي تركتها المذكرة للمرحلة النهائية، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآلية إنهاء العقوبات، وترتيبات استخدام الأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل إدارة الملاحة في مضيق هرمز، وخطة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية لإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
وشهدت المرحلة الأولى تحركا دبلوماسيا وفنيا سريعا وجولات مباحثات في سويسرا والدوحة بوساطة باكستانية وقطرية، لكن التقدم الدبلوماسي تعرض لضربة قوية باندلاع مواجهة عسكرية جديدة في مطلع يوليو/تموز، والتراجع الأمريكي الذي تمثل في إلغاء وزارة الخزانة “الرخصة العامة إكس” واعتماد أخرى توقف صفقات شراء أو تحميل النفط الإيراني، وتبادل الطرفان الاتهامات بالتنصل من الالتزامات.
ماذا تحقق؟
تتعلق مهلة الـ60 يوما الواردة في مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن ببدء المفاوضات بشأن الاتفاق النووي والحل النهائي، ولا تعني انتهاء مذكرة التفاهم نفسها.
وينص البند الثالث على أن “تلتزم الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية بالتفاوض والتوصل إلى الاتفاق النهائي في مدة أقصاها 60 يوما قابلة للتمديد بموافقة متبادلة”.
وعزا المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عدم بدء المفاوضات بعد انقضاء المهلة إلى ما وصفه بانتهاك واشنطن بنود التفاهم، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز ومحاولات فتح مسارات جديدة قرب السواحل العُمانية.
ولم تنص المذكرة على تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو إنهاء التخصيب فورا، بل نصت على إعادة تأكيد إيران عدم سعيها لامتلاك أسلحة نووية والتفاوض بشأن مصير مخزون المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي مضيق هرمز، تعهدت إيران ببذل أفضل جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يوما، بينما تعهدت واشنطن بإنهاء الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوما، مع دخول طهران في حوار مع سلطنة عُمان ودول الخليج لتحديد ترتيبات الإدارة البحرية المستقبلية.
واقتصاديا، تضمنت المذكرة التزاما أمريكيا بالعمل مع شركاء إقليميين على وضع خطة متفق عليها لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة 300 مليار دولار، وإنهاء العقوبات وإتاحة استخدام الأصول المجمدة.
أما فعليا، فلم تتحقق التسوية النهائية، إذ اقتصر الأمر على عقد جولات مباحثات أولية في سويسرا والدوحة سجلت تقدما إيجابيا في بدايتها، قبل أن تتعثر تماما إثر التصعيد العسكري في 7 و8 يوليو/تموز والذي شمل ضربات جوية واسعة ومتبادلة، تزامنا مع إلغاء واشنطن للإعفاءات النفطية وتصلب المواقف السياسية، مما أبقى القضايا الجوهرية دون تسوية نهائية.
وقد نص الاتفاق على أنه بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، ومع مراعاة بدء تنفيذ الفقرات المتعلقة بإنهاء القتال وإزالة الحصار الأمريكي وضمان إيران للمرور الآمن في هرمز وإصدار إعفاءات تتعلق بتصدير النفط الإيراني والأصول المجمدة، تبدأ إيران والولايات المتحدة مفاوضات بشأن الاتفاق النهائي حصريا حول الفقرات الأخرى.
جهود الوسطاء
رغم تعقّد التفاهمات الميدانية وتعثر المسار التفاوضي، أكدت أطراف الوساطة مرارا أن الحوار والدبلوماسية يظلان الطريق الوحيد القابل للحياة.
وواصلت الخارجية الباكستانية اتصالاتها الحثيثة لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض ضمن مذكرة إسلام آباد ومنع أي طرف من تقويض العملية السلمية، كما أجرت طهران محادثات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة المستقبلية.
اقرأ أيضا: صراع فرنسي تركي على غدجميس
غير أن هذه الجهود اصطدمت بتبادل الاتهامات وغياب أرضية مشتركة حول توصيف الاتصالات، إذ نفت طهران مرارا وجود مفاوضات مباشرة حالية مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن أي حديث عن تمديد المهلة يتطلب أولا عودة واشنطن إلى الالتزامات السابقة ورفع القيود الاقتصادية، وسط تمسك أمريكي بسياسة الضغط المالي وشروط أكثر تشددا.
ما التالي؟
في ظل غياب اتفاق نهائي أو إعلان رسمي عن تمديد المهلة، تتجه الأزمة نحو مسارات متعددة ترسمها 3 سيناريوهات رئيسية:
إعادة تفعيل مسارات التفاوض وصولا لاتفاق جديد أو تمديد المهلة وهو السيناريو الأقل كلفة، ويدعمه استمرار جهود الوساطة للوصول إلى تفاهمات محدودة جديدة تبدأ بترتيبات الملاحة وتؤجل الملفات المعقدة.
وأفاد موقع أكسيوس، أمس الأحد، نقلا عن مصادر إقليمية أن الوسطاء يواصلون نقل الرسائل بين واشنطن وطهران لكن دون إحراز تقدم ملموس.
كما طفت على السطح تهديدات أمريكية بضغط اقتصادي وبحري يقود إلى سيناريو العودة لإستراتيجية الحصار المالي، بالتوازي مع التلميح بالخيارات العسكرية وتأكيد واشنطن رفضها القاطع لأي قيود إيرانية على ملاحة مضيق هرمز، مما ينذر برفع تكاليف الطاقة والشحن العالمي.
ويدعم ذلك السيناريو ما صرح به محمد رضا عارف، نائب الرئيس الإيراني، بالقول “علينا مواجهة الحرب الاقتصادية.. العدو يريد تعويض هزيمته العسكرية عبر الحرب الاقتصادية وعلينا مواجهة ذلك”، مشيرا إلى أن “غلاء الأسعار بلغ حدا مزعجا وإستراتيجية العدو تتمثل في استغلال ذلك”.
وأشار محللون لصحيفة نيويورك تايمز إلى أن واشنطن تراهن على أن تدفع الضغوط الاقتصادية طهران إلى تقديم تنازلات، بينما تراهن القيادة الإيرانية على قدرتها على تحمل أضرار اقتصادية أكبر من الولايات المتحدة.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في حرب استنزاف إقليمية وعودة المواجهة إلى نمط متقطع وطويل الأمد يشمل ضربات متبادلة وتوتر في الساحات الإقليمية المرتبطة كالعراق ولبنان والخليج، لا سيما مع إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية الإيرانية ورفع سقف الشروط الرسمية.
ونقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين مطلعين قولهم إن الحرس الثوري الإيراني استغل حالة الهدوء التي أوجدتها مذكرة التفاهم لتهيئة الأرضية مع حلفاء طهران من الجماعات في أنحاء المنطقة من أجل تكثيف الهجمات عند الضرورة.
