من كرة القدم إلى مفاتيح المال والتنمية.. كيف صعد نفوذ فوزي لقجع في المغرب؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في خطوة مالية ذات دلالات سياسية وتدبيرية،
انتقلت صلاحية الأمر بالصرف في “صندوق التنمية الترابية المندمجة” إلى
الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بموجب مرسوم صادر عن رئيس الحكومة
عزيز أخنوش في 3 آب/أغسطس 2026، بما يضع واحدا من أبرز أوراش الاستثمار العمومي
الترابي تحت إشراف مباشر لشخصية تجمع بين نفوذ مالي متزايد وحضور رياضي وسياسي
لافت.

اقرأ أيضا: سجين سياسي تونسي يحذر من “إعدام ناعم” للغنوشي والشابي

ويأتي القرار في وقت تستعد فيه الحكومة
لتنزيل جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بكلفة إجمالية مقدرة بنحو
210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، وفي أفق استحقاقات انتخابية مرتقبة، الأمر
الذي يفتح الباب أمام قراءة أوسع لموقع لقجع داخل منظومة القرار التنفيذي، من دون
أن يعني ذلك، قانونيا أو دستوريا، انتقال صلاحيات رئيس الحكومة إليه أو تحوله إلى “رئيس
للحكومة” بالمعنى الرسمي.

من صندوق قروي إلى أداة للتنمية الترابية

يأتي القرار في سياق إعادة ترتيب واسعة
لآليات تمويل التنمية المحلية في المغرب، بعدما أعيدت تسمية “صندوق التنمية
القروية والمناطق الجبلية” ليصبح “صندوق التنمية الترابية المندمجة”،
ضمن قانون المالية لسنة 2026.

وخصص الصندوق 5 مليارات درهم كاعتمادات أداء
خلال السنة المالية 2026، مع السماح بالالتزام مسبقا بنفقات تصل إلى 15 مليار درهم
على حساب اعتمادات السنة المالية 2027، ما يرفع حجم الالتزامات المبرمجة إلى 20
مليار درهم.

ويأتي ذلك ضمن تصور أوسع للحكومة لإطلاق “جيل
جديد” من برامج التنمية الترابية المندمجة، يستهدف تقليص الفوارق بين المناطق
وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصا في مجالات الصحة والتعليم والماء والتشغيل
والتأهيل الترابي.

وكان مجلس وزاري برئاسة الملك محمد السادس
في نيسان/أبريل 2026 قد ناقش الإطار الجديد لهذه البرامج، وقدرت الحكومة كلفتها
الإجمالية بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

وتقوم المقاربة الجديدة، وفق التصور
الحكومي، على تشخيص احتياجات كل عمالة وإقليم، ثم بناء برامج تستند إلى خصوصيات
المجال الترابي ومؤشراته الاجتماعية والاقتصادية، بدلا من الاكتفاء بمشاريع قطاعية
منفصلة.

ماذا يعني نقل صلاحية الأمر بالصرف إلى
لقجع؟

تكمن أهمية القرار في طبيعة الصلاحية نفسها.
فـ “الآمر بالصرف” ليس مجرد مسؤول إداري يتابع تنفيذ الاعتمادات، بل
يمثل الجهة المخولة قانونا بإصدار أوامر صرف النفقات المرتبطة بالحساب المعني، وهو
ما يجعل تولي هذه المهمة موقعا متقدما داخل سلسلة التدبير المالي.

وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحافة
المغربية بشأن المرسوم الجديد، فإن صلاحيات لقجع لا تتوقف عند الاعتمادات المالية،
بل تمتد إلى التوقيع على الصفقات لفائدة عدد من المسؤولين الترابيين والجهويين، من
ولاة وعمال ومديرين ورؤساء مصالح، فضلا عن إمكانية تفويض من ينوب عنه داخل الوزارة
في التوقيع أو التأشير على الوثائق المرتبطة بتدبير الصندوق.

ويمنحه ذلك حضورا قويا في مرحلة تنفيذ
المشاريع، لا سيما أن برامج التنمية الترابية الجديدة ستشمل مختلف مناطق البلاد،
وسترتبط بقطاعات حكومية ومؤسسات وجماعات ترابية متعددة.

لكن الأهم هو أن هذا التطور لا ينبغي قراءته
باعتباره انتقالا عاما لصلاحيات رئيس الحكومة إلى الوزير المنتدب. فالأمر يتعلق،
في جوهره، بتفويض أو إسناد صلاحية محددة مرتبطة بحساب خصوصي للخزينة، ولا يغير
الموقع الدستوري لرئيس الحكومة أو تسلسل المسؤولية التنفيذية.

لماذا الصندوق مهم سياسيا؟

تتجاوز أهمية الصندوق حجمه المالي، بالنظر
إلى طبيعة المشاريع التي يفترض أن يمولها والانتشار الجغرافي الواسع للبرامج التي
يرتبط بها.

فالبرامج الجديدة تستهدف المناطق التي تعاني
من تفاوتات في الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل والبنيات التحتية. وقد قالت
الحكومة إن إعدادها استند إلى مشاورات وتشخيصات ترابية على مستوى العمالات
والأقاليم، مع تحديد نقاط القوة والضعف في مجالات الشغل والتعليم والصحة والماء
والتأهيل الترابي.

كما أن الحكومة تتجه إلى إحداث شركات مساهمة
لتحل محل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، مع إبقاء الرقابة العمومية وإدخال قدر
أكبر من المرونة في التدبير والتنفيذ.

وبالتالي، فإن الشخص الذي يمسك بجزء أساسي
من آلية تمويل هذه المشاريع سيكون حاضرا في واحدة من أهم حلقات تنزيل السياسة
التنموية خلال السنوات المقبلة.

صراع قديم حول الصندوق

ويعيد نقل صلاحية الأمر بالصرف إلى الواجهة
تاريخا من النقاش السياسي حول الجهة التي ينبغي أن تتحكم في الصندوق. فالصندوق الذي كان يحمل
اسم “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” ارتبط خلال سنوات سابقة
بجدل سياسي حول تدبيره وصلاحيات رئيس الحكومة والقطاعات الوزارية المعنية.

وكان عبد الإله ابن كيران، عندما كان رئيسا
للحكومة، قد أثار في 2016 جدلا حول سحب صلاحيات مرتبطة بالصندوق منه، في سياق خلاف
سياسي مع وزير الفلاحة آنذاك عزيز أخنوش.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية اليوم، لأن إعادة
تحديد الجهة صاحبة صلاحية الأمر بالصرف تعكس مرة أخرى حساسية التحكم في الموارد
المالية الموجهة إلى التنمية الترابية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بغلاف مالي كبير
وبرامج تمتد لسنوات.

لقجع.. من المالية إلى “المغرب 2030”

لا تأتي أهمية القرار من منصب لقجع الحكومي
وحده، وإنما من تراكم المسؤوليات التي بات يشغلها خلال السنوات الأخيرة. فلقجع يشغل منصب الوزير
المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، كما يتولى رئاسة الجامعة
الملكية المغربية لكرة القدم، وأصبح أحد أبرز المسؤولين عن الإعداد التنظيمي
والاستثماري المرتبط باستضافة المغرب لتظاهرات كروية كبرى.

وفي 2025، صادقت الحكومة على مشروع قانون
إحداث “مؤسسة المغرب 2030″، وهو المشروع الذي قدمه لقجع أمام مجلس
الحكومة والبرلمان. وتتمثل مهمة المؤسسة في إعداد وتنظيم التظاهرات الدولية
المتعلقة بكرة القدم الممنوح تنظيمها للمغرب، وتتبع الالتزامات المرتبطة بها،
وتقديم الدعم والمواكبة للجهات والمدن المعنية.

وصادق البرلمان لاحقا على القانون رقم 35.25
المتعلق بإحداث المؤسسة، التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي.

ويضاف هذا الملف إلى مسؤولياته في
الميزانية، ما يجعله حاضرا في مسارين شديدي الأهمية: المالية العمومية من جهة،
والأوراش المرتبطة بمونديال 2030 من جهة أخرى.

السياسة والرياضة والمال

ويمنح الجمع بين هذه المواقع لقجع حضورا
استثنائيا في المشهد المغربي، إذ لم يعد اسمه مرتبطا بالسياسة المالية وحدها، ولا
بالرياضة وحدها، بل بات حاضرا في ملفات تتقاطع فيها الاستثمارات العمومية مع
البنية التحتية والتنمية الترابية والتحضير لأكبر تظاهرة رياضية تستضيفها المملكة.

وقد أكد لقجع، خلال مناقشة مشروع قانون “مؤسسة
المغرب 2030″، أن الغرض من المؤسسة لا يقتصر على الجانب الرياضي، بل يرتبط
أيضا بتسريع الأوراش التنموية والبنية التحتية في مختلف المدن.

وهذا التقاطع هو الذي يجعل توسع صلاحياته
الإدارية والمالية محط اهتمام سياسي، خصوصا في مرحلة تستعد فيها المملكة لتنفيذ
مشاريع ضخمة مرتبطة بمونديال 2030، بالتوازي مع برامج تنموية تستهدف مناطق خارج
المدن الكبرى.

هل يتعلق الأمر بصعود سياسي؟

وصف الخطوة بأنها تجعل لقجع “رئيسا
للحكومة” يبقى توصيفا سياسيا أو إعلاميا أكثر منه توصيفا دستوريا. فالدستور المغربي يجعل
رئيس الحكومة رئيسا للسلطة التنفيذية الحكومية، فيما يحتفظ الوزراء والوزراء
المنتدبون بصلاحيات محددة داخل القطاعات التي يشرفون عليها.

لكن توسع دائرة الملفات التي يتولاها لقجع،
وتوليه مسؤوليات ذات طابع مالي واستراتيجي، قد يفسر تنامي حضوره داخل بنية القرار
التنفيذي.

واللافت كذلك هو التحاق لقجع حديثا بحزب
الأصالة والمعاصرة، في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاقات انتخابية جديدة.

ومع ذلك، فإن الربط بين القرار الحالي وبين
احتمال توليه رئاسة الحكومة مستقبلا يحتاج، وفق أغلب التصريحات الحزبية المغربية، إلى
معطيات سياسية إضافية، ولا يمكن استنتاجه من قرار نقل صلاحية الأمر بالصرف وحده.

التنمية الترابية في قلب الحسابات
الانتخابية

تأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة سياسيا،
إذ تمثل التنمية المحلية أحد أكثر الملفات ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين، من
الطرق والماء والصحة والتعليم إلى التشغيل والخدمات العمومية.

وتسعى الحكومة من خلال الجيل الجديد من
البرامج الترابية إلى تقديم مقاربة أكثر التصاقا بالاحتياجات المحلية، عبر تشخيص
كل مجال ترابي وتحديد المشاريع ذات الأولوية.

وهنا تبرز أهمية التمويل، إذ إن نجاح هذه
البرامج لن يتوقف على تحديد الأولويات فقط، بل على سرعة توفير الاعتمادات وتنفيذ
المشاريع ومراقبة نتائجها.

ومن هذه الزاوية، فإن منح وزير الميزانية
صلاحية الأمر بالصرف في صندوق بهذه الأهمية يجمع بين القرار المالي والقدرة على
تسريع التنفيذ، وهو ما يمنحه نفوذا إداريا لا يستهان به.

اقرأ أيضا: مباحثات عسكرية ليبية أمريكية لرفع كفاءة القوات وتبادل الخبرات

لقجع وأخنوش.. ما الذي تغير؟

يحمل القرار أيضا دلالة لافتة بالنظر إلى
العلاقة السياسية بين موقع رئيس الحكومة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية. فعزيز أخنوش لا يزال رئيسا
للحكومة، وصلاحياته الدستورية لا تتأثر بمجرد نقل صلاحية مرتبطة بحساب مالي محدد
إلى وزير منتدب.

لكن عمليا، فإن انتقال الأمر بالصرف من
مستوى رئيس الحكومة إلى لقجع يعني أن إدارة هذا الملف أصبحت أكثر ارتباطا بوزارة
الاقتصاد والمالية، وتحديدا بالمسؤول المكلف بالميزانية.

وهذا قد يعكس توجها نحو تجميع القرار المالي
ومزيد من المركزية في تدبير اعتمادات البرامج التنموية، بدلا من إبقائها ضمن دائرة
رئاسة الحكومة.

وتبقى كيفية تطبيق هذا الترتيب على أرض
الواقع هي العامل الأهم في تحديد مدى اتساع نفوذ لقجع، إذ إن الصلاحية القانونية
شيء، والقدرة الفعلية على التأثير في ترتيب المشاريع وأولوياتها شيء آخر.

210 مليارات درهم.. الرهان الأكبر

الرقم الذي يحيط بهذا الملف هو 210 مليارات
درهم، وهي الكلفة التقديرية الإجمالية للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية على
مدى ثماني سنوات.

أما صندوق التنمية الترابية المندمجة، فيوفر
في مرحلته الأولى 5 مليارات درهم كاعتمادات أداء لسنة 2026، مع 15 مليار درهم من
الاعتمادات المسموح بالالتزام بها مسبقا على حساب 2027.

ويعني ذلك أن الصندوق يمثل جزءا من منظومة
تمويل أوسع، وليس مرادفا للغلاف الإجمالي البالغ 210 مليارات درهم.

وهذه التفرقة مهمة، لأن الخلط بين الرقمين
قد يعطي انطباعا بأن الصندوق نفسه يدير كامل الاستثمارات المبرمجة للسنوات
الثماني، وهو ما لا تدعمه المعطيات الرسمية.

نفوذ مالي متزايد أم إعادة تنظيم إداري؟

في المحصلة، يكشف قرار إسناد الأمر بالصرف
في صندوق التنمية الترابية المندمجة إلى فوزي لقجع عن إعادة ترتيب مهمة في إدارة
أحد مفاتيح الاستثمار العمومي بالمغرب.

فالقرار يأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة
مسارات: إعادة هيكلة التنمية الترابية، والتحضير لمونديال 2030، والاستعداد
للاستحقاقات السياسية المقبلة.

وبينما لا يسمح القرار وحده بالقول إن لقجع
أصبح بديلا لرئيس الحكومة أو أن الطريق بات ممهدا أمامه إلى رئاسة الحكومة، فإنه
يؤكد في المقابل أن موقعه داخل منظومة القرار المغربي لم يعد محصورا في تدبير
الميزانية أو كرة القدم.

ومع دخول برامج التنمية الترابية مرحلة
التنفيذ، سيكون الاختبار الحقيقي هو مدى قدرة هذه الصيغة الجديدة على تسريع
المشاريع وتقليص الفوارق المجالية، ومدى نجاح لقجع في إدارة الموارد المرصودة لها
بكفاءة وشفافية، بعيدا عن التأويلات السياسية التي رافقت نقل الاختصاص.

وفي بلد يستعد لاستحقاقات انتخابية ولموعد
رياضي عالمي في الوقت نفسه، فإن من يمسك بمفاتيح المال العام المرتبط بالتنمية
والبنية التحتية يمسك حتما بجزء مهم من أدوات التأثير في المشهد العام، حتى وإن لم
يكن ذلك مرادفا، من الناحية الدستورية، لرئاسة الحكومة.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: إعلام عبري: كوشنر يضغط على نتنياهو للمضي في اتفاق غزة

‫0 تعليق