
أطلق القيادي السابق في حركة النهضة عبد
الحميد الجلاصي، من سجن المرناقية، تحذيرا شديد اللهجة بشأن أوضاع عدد من
المعارضين التونسيين المسنين، معتبرا أن الأحكام الثقيلة وظروف السجن والحرمان من
الرعاية والزيارات قد تتحول إلى ما وصفه بـ”عقوبة إعدام ناعمة”، وذلك في
تدوينة مؤرخة في 14 آب/أغسطس الجاري.
اقرأ أيضا: مباحثات عسكرية ليبية أمريكية لرفع كفاءة القوات وتبادل الخبرات
واستحضر الجلاصي، في نصه، تجربة المعتقلين
خلال الحرب العالمية الثانية، ليعبّر عن مخاوفه على حياة شخصيات سياسية في
الثمانينيات من أعمارها، في مقدمتها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي والمعارض أحمد
نجيب الشابي، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى “أخبار سيئة في
السجون”.
وتأتي شهادته في وقت أصدرت فيه المحاكم
التونسية خلال الأشهر الماضية أحكاما طويلة بحق معارضين بارزين، بينها أحكام
بالسجن المؤبد بحق الغنوشي، بينما تقول السلطات إن الملاحقات تستند إلى تهم جنائية
ولا تستهدف الأشخاص بسبب مواقفهم السياسية، في حين ترى منظمات حقوقية أن القضاء
تحول إلى أداة رئيسية في حملة قمع المعارضة منذ إجراءات الرئيس قيس سعيّد في 25
تموز/يوليو 2021.
“الموت في السجن خطيئة كبرى”
اختار الجلاصي أن يبدأ شهادته باستعادة مقطع
من رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للكاتب الروماني فيرجيل جيورجيو،
يتحدث فيه أحد المعتقلين عن أمنيته في أن يُطلق سراحه قبل موته بساعة واحدة على
الأقل، حتى لا يموت خلف القضبان.
ومن هذه الصورة الأدبية انتقل الجلاصي إلى
واقع السجون التونسية، متوقفا عند ما يعنيه أن يموت الإنسان بعيدا عن أسرته، من
دون أن يتمكن من توديع أبنائه وأحفاده أو النظر في أعينهم للمرة الأخيرة.
وكتب أن الحرمان من لحظة الوداع، ومن إسداء
النصائح الأخيرة إلى أفراد الأسرة، يمثل واحدا من أقسى ما يمكن أن يواجهه السجين،
خصوصا عندما يكون في سن متقدمة ويعاني من أمراض مزمنة.
وتكتسب هذه الكلمات أهمية خاصة بالنظر إلى
عمر عدد من أبرز الشخصيات السياسية الموجودة خلف القضبان. فالغنوشي يبلغ 85 عاما،
بينما يبلغ نجيب الشابي 81 عاما، وفق أحدث المعطيات المنشورة، وقد تكررت في الأشهر
الماضية تقارير عن الظروف الصحية الصعبة التي يعيشها بعض السجناء السياسيين.
وفي تموز/يوليو الماضي، قالت ابنة الشابي
إنها شاهدت الغنوشي يفقد وعيه داخل سجن المرناقية خلال موجة الحر، فيما تحدثت
تقارير عن صعوبات كبيرة واجهها السجناء بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
من “السجن” إلى “الإعدام
الناعم”
يربط الجلاصي بين التقدم في السن وتراكم
الأحكام القضائية، ويطرح سلسلة من الأسئلة حول مغزى ملاحقة شخصيات سياسية متقدمة
في العمر بعشرات القضايا والأحكام الطويلة.
ويقول إن الذين سُجنوا في عهدي الحبيب
بورقيبة وزين العابدين بن علي كانوا في مراحل عمرية أصغر، بينما يواجه معارضون
اليوم ظروف السجن وهم في أعمار متقدمة وبعد سنوات من العمل السياسي والمنافي
والصراعات والأمراض.
ومن هنا يطرح الجلاصي توصيفه الأكثر إثارة
للجدل، حين يعتبر أن تونس عادت إلى استخدام السجن لحسم الخلاف السياسي، وأن
استمرار الأحكام الثقيلة والظروف القاسية بالنسبة إلى مسنين قد يمثل، في نظره،
شكلا من “الإعدام الناعم”.
وهذا التوصيف موقف سياسي وحقوقي عبّر عنه
الجلاصي، وليس توصيفا قضائيا أو قانونيا ثابتا. فالقضاء التونسي لم يصدر أحكاما
بالإعدام بحق الغنوشي أو الشابي على خلفية القضايا التي أدينا فيها، فيما لا تزال
تونس، رغم احتفاظ قوانينها بعقوبة الإعدام، تطبق وقفا فعليا لتنفيذها منذ عام 1991.
لكن المخاوف التي يطرحها الجلاصي تستند إلى
واقع آخر: أحكام سجن بالغة الطول، بعضها يصل إلى المؤبد، في حق أشخاص متقدمين في
السن، إضافة إلى انتقادات حقوقية تتعلق بظروف الاحتجاز وضمانات المحاكمات.
الغنوشي.. أحكام تتراكم خلف القضبان
يأتي تحذير الجلاصي في أعقاب سلسلة متلاحقة
من الأحكام القضائية بحق راشد الغنوشي، الذي يقبع في السجن منذ نيسان/أبريل 2023.
وفي حزيران/يونيو الماضي، أصدرت محكمة
تونسية حكما بالسجن المؤبد على الغنوشي في قضية تعرف إعلاميا باسم “الجهاز
السري”، مع أحكام أخرى تراوحت بين عشر سنوات والسجن مدى الحياة بحق عدد من
المتهمين.
وقبل ذلك، في نيسان/أبريل 2026، صدر بحقه
حكم بالسجن 20 عاما في قضية “المسامرة الرمضانية”، كما سبق أن شددت
محكمة الاستئناف في شباط/فبراير الماضي الحكم عليه في قضية “التآمر على أمن
الدولة 2” من 14 إلى 20 عاما.
وكانت المحكمة قد حكمت عليه كذلك بالسجن 22
عاما في قضية «أنستالينغو»، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في كانون
الثاني/يناير الماضي.
وبذلك أصبح الغنوشي أمام رصيد ضخم من
الأحكام في قضايا مختلفة، وهو ما دفع منظمة العفو الدولية إلى القول في
شباط/فبراير إن مجموع مدد السجن الصادرة بحقه في قضايا متعددة بلغ 56 عاما آنذاك.
ويرفض الغنوشي، بحسب تقارير إعلامية،
المشاركة في عدد من جلسات محاكمته، ويعتبر الملاحقات ضده ذات طابع سياسي، بينما
تؤكد السلطات التونسية أن المتهمين يواجهون قضايا جنائية وأن القضاء مستقل عن
السلطة التنفيذية.
الشابي والجلاصي.. معارضة خلف القضبان
لم يقتصر التضييق على حركة النهضة، بل شمل
شخصيات من أطياف سياسية مختلفة، وهو ما جعل قضية السجناء السياسيين واحدة من أبرز
نقاط الخلاف بين السلطة والمعارضة.
وكان أحمد نجيب الشابي، أحد أبرز رموز
المعارضة التونسية ورئيس جبهة الخلاص الوطني، من بين الشخصيات التي صدرت بحقها
أحكام في قضية “التآمر على أمن الدولة”.
كما شملت القضايا شخصيات سياسية ومحامين
ونشطاء ومسؤولين سابقين، في مسار وصفته منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنه
جزء من حملة قمع سياسي أوسع، مشيرة إلى صدور أحكام تتراوح بين سنوات قليلة وعشرات
السنين في قضايا مرتبطة بما تسميه السلطات “التآمر على أمن الدولة”.
وفي حزيران/يونيو الماضي، ظهر الغنوشي
والشابي والجلاصي ضمن مجموعة من 11 سجينا سياسيا تونسيا وقّعوا رسالة دعوا فيها
قوى المعارضة إلى الوحدة من أجل استعادة الحرية والديمقراطية.
وتكشف مشاركة الجلاصي نفسه في تلك الرسالة
وفي شهادته الجديدة من داخل السجن عن انتقال الرجل من موقع الفاعل السياسي إلى
موقع الشاهد على المرحلة، بعدما أصبح هو نفسه أحد المعتقلين على خلفية القضايا
التي طالت معارضين بارزين.
“نحن شهود”.. الجلاصي يوسع دائرة
المسؤولية
أكثر ما يلفت في نص الجلاصي أنه لا يحصر
المسؤولية في السلطة أو القضاء، وإنما يوجه جزءا من خطابه إلى المجتمع السياسي
نفسه.
يقول إن القضية، في نظره، لا تتعلق بالغنوشي
أو الشابي وحدهما، وإنما “تتعلق بنا نحن”، معتبرا أن التونسيين يتحولون إلى شهود
على ما يجري، سواء بالصمت أو بالتواطؤ أو بالتجاهل.
ويرى أن ما يحدث يمثل قطيعة مع صورة تونس
التي كانت تقدم نفسها باعتبارها نموذجا في المنطقة، محذرا من أن التاريخ سيحاسب
النخب السياسية التي تقبل بإقصاء خصومها و”إلغاء مرجعياتها” تحت شعار
إعادة بناء الدولة من الصفر.
وهذه النقطة تكشف البعد الأوسع للنص؛ فهو لا
يقدم نفسه مجرد رسالة تضامن مع سجناء، بل محاولة لتسجيل شهادة سياسية من داخل
السجن بشأن طبيعة المرحلة التي تعيشها تونس منذ 2021.
ما بعد 25 يوليو.. القضاء في قلب الأزمة
منذ إعلان سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021
تجميد عمل البرلمان ثم اتخاذه لاحقا إجراءات أعادت تشكيل النظام السياسي، أصبحت
استقلالية القضاء واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس.
وقد شملت إجراءات سعيّد حل البرلمان، وإعادة
تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وهي خطوات اعتبرتها
المعارضة انقلابا على المسار الديمقراطي الذي بدأ بعد ثورة 2011.
في المقابل، تقول السلطة إن الإجراءات التي
اتخذها الرئيس كانت ضرورية لإنهاء حالة الفوضى السياسية ومحاربة الفساد، وتنفي أن
تكون المحاكمات ذات دوافع سياسية.
لكن منظمات حقوقية دولية قدمت قراءة مختلفة.
فقد قالت «هيومن رايتس ووتش» إن السلطات التونسية حاكمت عشرات المعارضين والمحامين
والنشطاء في قضايا وصفتها بأنها ذات دوافع سياسية، واستخدمت اتهامات فضفاضة تتعلق
بالإرهاب أو التآمر على أمن الدولة لإصدار أحكام طويلة.
كما قالت منظمة العفو الدولية إن الأحكام
الثقيلة الصادرة بحق قيادة حركة النهضة تمثل جزءا من حملة أوسع ضد الحزب والمعارضة.
عقوبة الإعدام.. خطر قائم رغم توقف التنفيذ
يستند الجلاصي في تحذيره إلى خلفية أكثر
حساسية، هي عودة أحكام الإعدام إلى النقاش القضائي التونسي بعد عقود من وقف
تنفيذها.
فتونس لم تنفذ حكما بالإعدام منذ 17 تشرين
الثاني/نوفمبر 1991، لكنها لم تلغ العقوبة من تشريعاتها، ولذلك توصف بأنها دولة “ألغت
الإعدام فعليا” من خلال وقف التنفيذ، وليس قانونيا بصورة كاملة.
وسجلت المحاكم التونسية في السنوات الأخيرة
أحكاما بالإعدام، وهو ما أعاد القضية إلى الواجهة الحقوقية. وقالت “هيومن
رايتس ووتش” إن المحاكم التونسية أصدرت أكثر من 12 حكما بالإعدام خلال 2024،
ليصل عدد المحكوم عليهم بالإعدام إلى 148 شخصا بنهاية ذلك العام.
وفي إحدى القضايا اللافتة، صدر في 2025 حكم
بالإعدام على التونسي صابر بن شوشان على خلفية منشورات على فيسبوك تنتقد الرئيس
وتدعو التونسيين إلى النزول إلى الشارع، قبل أن يُفرج عنه لاحقا بعفو رئاسي عقب
موجة من الانتقادات.
ولذلك، فإن عبارة الجلاصي عن “عودة
عقوبة الإعدام” تحتاج إلى تدقيق: الإعدام لم يُستأنف تنفيذه في تونس، لكنه ما
زال قائما في القانون، كما صدرت أحكام بالإعدام خلال السنوات الأخيرة.
“السجون ستصبح مقابر”.. تحذير من
الوضع الصحي
الجزء الأكثر خطورة في رسالة الجلاصي يتعلق
بالظروف الصحية للسجناء المسنين. ويحذر من أن استمرار السجن في ظروف صعبة بالنسبة إلى أشخاص تجاوزوا
الثمانين قد يؤدي إلى وفيات داخل السجون، خصوصا مع وجود أمراض مرتبطة بالعمر وظروف
احتجاز قاسية.
وقد اكتسب هذا التحذير أهمية بعد التقارير
التي تحدثت في تموز/يوليو عن فقدان الغنوشي وعيه داخل سجن المرناقية خلال موجة حر
شديدة، وعن تدهور الظروف داخل السجن.
وتحدثت عائلة الغنوشي وهيئة دفاعه حينها عن
قلق بالغ بشأن وضعه الصحي، فيما طالبت جهات حقوقية السلطات بضمان سلامة السجناء
وتوفير الرعاية الطبية اللازمة.
ومن هنا يمكن فهم قول الجلاصي إن “السجون
ستصبح مقابر” باعتباره تحذيرا من العواقب الصحية المحتملة لاستمرار احتجاز
سجناء متقدمين في السن، وليس خبرا عن وقوع وفيات أو عن قرار بتنفيذ إعدامات داخل
السجون.
قضايا بالجملة وأحكام بالعشرات
المشهد الذي يصفه الجلاصي يأتي في سياق توسع
عدد القضايا التي طالت المعارضة التونسية.
ففي نيسان/أبريل 2025، أصدرت محكمة تونسية
أحكاما بحق 37 شخصا في ما يعرف بقضية “التآمر”، تراوحت بين أربع سنوات
و66 سنة، بحسب “هيومن رايتس ووتش”. وشملت القضية سياسيين ومحامين ونشطاء
ورجال أعمال.
اقرأ أيضا: إعلام عبري: كوشنر يضغط على نتنياهو للمضي في اتفاق غزة
وفي تموز/يوليو من العام نفسه، صدرت أحكام
جديدة في قضية “التآمر 2” تراوحت بين 12 و35 عاما بحق 21 شخصا، بينهم
الغنوشي.
ثم استمرت الأحكام في 2026، بما في ذلك
تشديد عقوبات الغنوشي وإصدار حكم المؤبد بحقه.
وبالنسبة إلى المعارضة، فإن تراكم هذه
الأحكام يجعل المسألة تتجاوز كل قضية منفردة، ويطرح سؤالا حول ما إذا كان القضاء
يؤدي وظيفة الفصل في الجرائم أم أصبح، عمليا، إحدى أدوات إعادة تشكيل المجال
السياسي.
السلطة: قضايا جنائية وليست محاكمات سياسية
وفي المقابل، لا يمكن تقديم المشهد الإخباري
بصورة مهنية من دون الإشارة إلى موقف السلطات التونسية. فالسلطات تؤكد أن المتهمين
في هذه الملفات يواجهون اتهامات جنائية، بينها التآمر على أمن الدولة والإرهاب
والفساد، وتنفي وجود سجناء بسبب آرائهم السياسية.
كما تؤكد أن القضاء مستقل ولا يتلقى تعليمات
من السلطة التنفيذية، وأن المحاكمات تستند إلى ملفات وأدلة قدمتها النيابة
العمومية.
لكن هذا الموقف يصطدم بانتقادات متزايدة من
منظمات حقوقية دولية، إضافة إلى المعارضة وهيئات الدفاع، التي تشكك في استقلال
القضاء وفي مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
وتبقى هذه المسألة، تحديدا، في قلب الصراع
السياسي التونسي: هل نحن أمام محاسبة قضائية لجرائم حقيقية، أم أمام توظيف للقضاء
في تصفية الخصوم؟
ولا يمكن حسم هذا السؤال بمجرد البيانات
السياسية، بل يتطلب الاطلاع على ملفات القضايا وأدلتها وإجراءات المحاكمة وقرارات
المحاكم كاملة.
“سيحاكمنا التاريخ”
في نهاية شهادته، يعود الجلاصي إلى الغنوشي
والشابي، مخاطبا إياهما باعتبارهما رفيقين وتلميذين لهما مكانة خاصة في تجربته
السياسية.
ويقول لهما إنهما “كانا عظيمين
وستبقيان كذلك”، قبل أن يوجه عبارة قاسية إلى من يرى أنهم صعدوا إلى السلطة
من خلال إقصاء خصومهم.
وبذلك تتحول الرسالة من تحذير صحي وإنساني
إلى وثيقة سياسية تختصر رؤية شريحة من المعارضة التونسية لما بعد 25 يوليو: دولة
تتجه نحو الإقصاء، وقضاء يستخدم في معارك سياسية، وسجون تضم قيادات كانت حتى سنوات
قليلة جزءا أساسيا من الحياة العامة.
لكن أهم ما تضيفه شهادة الجلاصي هو أنها
تأتي من داخل السجن نفسه، لا من خارج أسواره.
فهو لا يتحدث فقط عن سجناء يقرأ عنهم في
الأخبار، بل عن أشخاص يعرفهم شخصيا، وعن ظروف يقول إنه يعيشها ويشاهدها من الداخل.
ولهذا تبدو عبارته “نحن شهود”
أكثر من مجرد شعار سياسي؛ إنها محاولة لتسجيل موقف في لحظة يرى فيها أن الصمت قد
يتحول، في نظر التاريخ، إلى مشاركة في المسؤولية.
تونس أمام اختبار جديد
بعد خمسة عشر عاما من الثورة التي أطاحت
بنظام بن علي وأطلقت تجربة سياسية اعتُبرت الأبرز في موجة الربيع العربي، تبدو
تونس اليوم أمام مفارقة ثقيلة: البلد الذي ارتبط اسمه بالانتقال الديمقراطي يجد
نفسه أمام أحكام قضائية غير مسبوقة في قضايا سياسية، ومعارضة تضم شخصيات مسنة خلف
القضبان، وسجالات متصاعدة حول استقلال القضاء والحريات العامة.
ولا تعني هذه التطورات، في المقابل، أن جميع
الاتهامات الموجهة إلى المعارضين باطلة، أو أن كل القضايا ذات طبيعة سياسية؛ فذلك
أمر يفترض أن تحسمه المحاكم المستقلة من خلال محاكمات عادلة وعلنية وشفافة.
لكن عمر المتهمين، وحجم الأحكام، وتراكم
القضايا، والانتقادات المتعلقة بالمحاكمات وظروف الاحتجاز، كلها تجعل الملف يتجاوز
حدود الخلاف السياسي العابر.
ومن داخل المرناقية، يرفع عبد الحميد
الجلاصي صوته محذرا من أن تتحول السنوات الأخيرة من حياة معارضين مسنين إلى سنوات
خلف القضبان، ومن أن تتحول السجون من أماكن لتنفيذ الأحكام إلى فضاءات تهدد حياة
من بداخلها.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الدولة التونسية
هو إثبات أن العدالة تستطيع أن تكون مستقلة حتى عندما يتعلق الأمر بأشد خصوم
السلطة نفوذا، وأن حماية الحق في الحياة والصحة والكرامة لا تتوقف عند أبواب
السجون.
أما رسالة الجلاصي، في جوهرها، فهي أن
المحاسبة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام، وأن الدولة التي تريد بناء
مستقبلها لا تستطيع أن تفعل ذلك بإلغاء ماضيها السياسي أو تحويل خصومها إلى أرقام
في قوائم السجناء.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: سوريا.. لجنة التحقيق بوفاة محمد غميرة تبدأ عملها وتحدد 3 أيام لإعلان النتائج | أخبار
