مباحثات عسكرية ليبية أمريكية لرفع كفاءة القوات وتبادل الخبرات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بحث رئيس الأركان العامة في ليبيا، الفريق
أول ركن صلاح الدين النمروش، مع الملحق العسكري الأمريكي لدى ليبيا سبل تعزيز
التعاون العسكري بين البلدين، إلى جانب الترتيبات المرتبطة بمشاركة ليبيا في تمرين
“فلينتلوك”، وذلك في وقت يتواصل فيه الاهتمام الأمريكي بتطوير قدرات
القوات الليبية ودعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة منذ سنوات.

اقرأ أيضا: إعلام عبري: كوشنر يضغط على نتنياهو للمضي في اتفاق غزة

ويأتي اللقاء بعد أيام من مباحثات مماثلة
أجراها النمروش مع الملحق العسكري البريطاني حول التدريب والمشاركة في “فلينتلوك
2027″، وبعد استضافة مدينة سرت الجزء الليبي من نسخة 2026 من التمرين، التي
شاركت فيها قوات من شرق البلاد وغربها إلى جانب قوات خاصة من دول عدة.

تعاون عسكري يتجاوز التدريب

ويعكس اللقاء بين النمروش والمسؤول العسكري
الأمريكي استمرار مسار التعاون بين طرابلس وواشنطن في المجال العسكري، ولا سيما في
ملفات التدريب ورفع الجاهزية وتطوير قدرات القوات الخاصة.

وكان النمروش قد بحث في أيار/مايو الماضي مع
الملحق العسكري الأمريكي العقيد دي نولا مخرجات “فلينتلوك 202″»، وما
وصفته رئاسة الأركان بالنتائج الإيجابية للتمرين في رفع مستوى الجاهزية وتطوير
القدرات العسكرية، إضافة إلى برامج تدريب وتأهيل القوات الخاصة وفتح مجالات جديدة
للتعاون في التكنولوجيا والتطوير العسكري.

ويأتي ذلك ضمن توجه معلن نحو تطوير مؤسسة
عسكرية أكثر احترافا، من خلال التدريب وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب
الدولية، في ظل استمرار الانقسام الذي يطبع المشهد العسكري الليبي منذ سنوات.

“فلينتلوك”.. التمرين الأمريكي
الأبرز للقوات الخاصة في أفريقيا

ويكتسب “فلينتلوك” أهمية خاصة في
الحسابات العسكرية الأمريكية والأفريقية، باعتباره تمرينا سنويا تقوده القيادة
العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» منذ عام 2005، ويركز على تطوير قدرات
القوات الخاصة، وتعزيز مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، وتوسيع التعاون بين القوات
الأفريقية والقوات الأمريكية والدولية.

وكانت نسخة 2026 ذات أهمية استثنائية
بالنسبة إلى ليبيا، بعدما استضافت مدينة سرت جزءا من فعاليات التمرين، بمشاركة
وحدات من القوات التابعة للسلطات في غرب البلاد وأخرى من الشرق، إلى جانب قوات
خاصة من نحو 30 دولة.

ولم تكن استضافة سرت للتمرين مجرد نشاط
عسكري دولي، إذ حملت بعدا سياسيا يتعلق بإمكانية جمع قوات من طرفي الانقسام الليبي
في نشاط تدريبي واحد، في ظل جهود دولية متواصلة لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية.

واشنطن تراهن على التدريب لتقريب الشرق
والغرب

وأبدت القيادة العسكرية الأمريكية في
أفريقيا اهتماما متكررا بمشاركة الليبيين من مختلف مناطق البلاد في التدريبات
المشتركة، وربطت واشنطن ذلك بجهود بناء مؤسسة عسكرية موحدة.

وكان قائد “أفريكوم” الجنرال
داغفين أندرسون قد تحدث في وقت سابق عن تعاون القيادات العسكرية في شرق ليبيا
وغربها للتحضير لـ«فلينتلوك 2026»، في خطوة اعتُبرت محاولة للاستفادة من التمرين
في دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية.

كما ناقش مستشار الرئيس الأمريكي للشرق
الأوسط وأفريقيا مسعد بولس مع صدام حفتر، في وقت سابق، دور ليبيا في استضافة جانب
من “فلينتلوك 2026″، وهو ما أظهر أن التحضير للتمرين شمل أطرافا عسكرية
وسياسية من جانبي الانقسام الليبي.

وبذلك، اكتسبت المناورة بعدا يتجاوز أهدافها
التدريبية التقليدية، لتصبح إحدى منصات التواصل العسكري بين الشرق والغرب، في وقت
ما تزال فيه المؤسسة العسكرية الليبية منقسمة بين تشكيلات ومراكز نفوذ متعددة.

من “فلينتلوك 2026” إلى نسخة 2027

وبينما اختتمت فعاليات النسخة الليبية من “فلينتلوك
2026″، بدأت طرابلس بالفعل بحث ترتيبات المشاركة في النسخة المقبلة.

ففي 10 آب/أغسطس الجاري، التقى النمروش
الملحق العسكري البريطاني لدى ليبيا المقدم ديفيد كيمس بيتي، وبحث معه تطوير
مجالات التدريب العسكري ورفع الكفاءة القتالية وتبادل الخبرات، إلى جانب الترتيبات
الخاصة بالمشاركة في “فلينتلوك 2027”.

ويشير تتابع هذه اللقاءات إلى أن التعاون
العسكري الليبي مع القوى الغربية لا يقتصر على حدث تدريبي واحد، وإنما يتجه إلى
بناء برامج أكثر استمرارية تشمل التدريب والتأهيل وتطوير القدرات.

وفي هذا السياق، يأتي لقاء النمروش بالملحق
العسكري الأمريكي ليؤكد استمرار هذا المسار، مع أهمية خاصة للدور الأمريكي نظرا
إلى قيادة واشنطن لتمرين «فلينتلوك» وإشراف “أفريكوم” على برامجه.

القوات الخاصة في قلب التعاون

ويبرز تدريب القوات الخاصة بوصفه أحد
المحاور الرئيسية في التعاون العسكري الليبي الأمريكي.

ففي لقاء أيار/مايو، بحث النمروش مع دي نولا
البرامج الخاصة بتأهيل وتدريب القوات الخاصة، بما يشمل رفع الكفاءة القتالية
وتبادل الخبرات، إلى جانب التعاون في مجالات التكنولوجيا والتطوير العسكري.

ويكتسب هذا الجانب أهمية في ظل طبيعة المهام
التي تضطلع بها القوات الخاصة في مكافحة الجماعات المسلحة والتهديدات الإرهابية
وحماية المنشآت والحدود، فضلا عن كونها من أكثر الوحدات ارتباطا ببرامج التدريب
الدولي.

كما أن التركيز على التدريب بدلا من التسليح
وحده يعكس توجها نحو بناء القدرات البشرية والمؤسساتية، وليس فقط توفير المعدات
العسكرية.

المؤسسة العسكرية الليبية.. عقدة الانقسام

ويجري هذا التعاون في سياق سياسي وأمني شديد
التعقيد؛ إذ لا تزال ليبيا تعاني انقساما في مؤسساتها العسكرية والسياسية منذ سقوط
نظام معمر القذافي عام 2011.

وتوجد في البلاد مراكز نفوذ عسكرية متنافسة
في الشرق والغرب، الأمر الذي جعل توحيد الجيش واحدا من أبرز الملفات المطروحة في
المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، فضلا عن كونه هدفا متكررا في الخطاب
الأمريكي والأوروبي.

ومن هنا، فإن مشاركة قوات من الشرق والغرب
في تدريب واحد تحمل أهمية تتجاوز الجانب العملياتي، لأنها تتيح للضباط والعناصر
العسكرية من الطرفين العمل ضمن بيئة مشتركة وتحت برامج تدريب موحدة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المشاركة في
المناورات الدولية قادرة بمفردها على حل الانقسام العسكري، إذ تظل عملية توحيد
الجيش مرتبطة بتسويات سياسية وأمنية أوسع، وبالاتفاق على هياكل القيادة والمهام
والموارد وموقع التشكيلات المسلحة المختلفة داخل المؤسسة العسكرية.

سرت.. دلالة المكان

واختيار سرت لاستضافة جانب من “فلينتلوك
2026” لم يكن خاليا من الدلالات. فالمدينة تقع في موقع جغرافي يتوسط شرق ليبيا وغربها، كما أنها كانت
خلال سنوات الصراع الليبي إحدى المناطق ذات الحساسية العسكرية والأمنية، قبل أن
تصبح لاحقا مسرحا لاجتماعات ومسارات مرتبطة بمحاولات تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة
ترتيب المشهد العسكري.

ولهذا، فإن تنظيم تمرين دولي فيها بمشاركة
قوات من مناطق ليبية مختلفة يقدم صورة عن إمكانية تحويل مناطق كانت مرتبطة بالصراع
إلى ساحات للتعاون العسكري.

وقد ركزت التغطيات المتعلقة بالتمرين على
الآمال بأن يسهم في دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، في ظل اهتمام أمريكي واضح
بتطوير الشراكات الأمنية في ليبيا وشمال أفريقيا.

حضور أمريكي متزايد في الملف الأمني الليبي

ويأتي التحرك العسكري الأمريكي في ليبيا ضمن
سياسة أوسع لـ”أفريكوم” تقوم على التدريب وبناء الشراكات مع الجيوش الأفريقية، إلى
جانب مكافحة التنظيمات المسلحة والجماعات المتطرفة وتأمين الحدود.

وبالنسبة إلى واشنطن، تمثل ليبيا موقعا
جغرافيا مهما في شمال أفريقيا، نظرا إلى امتدادها على المتوسط وحدودها الواسعة مع
دول الساحل والصحراء، وهي منطقة تواجه تحديات مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير
النظامية والجريمة المنظمة.

اقرأ أيضا: سوريا.. لجنة التحقيق بوفاة محمد غميرة تبدأ عملها وتحدد 3 أيام لإعلان النتائج | أخبار

ومن ثم، فإن تطوير قدرات المؤسسة العسكرية
الليبية يمكن أن يخدم، من وجهة النظر الأمريكية، أهدافا أمنية تتجاوز الحدود
الليبية نفسها.

لكن واشنطن تحاول في الوقت ذاته الحفاظ على
مقاربة لا تمنح الانقسام العسكري شرعية دائمة، ولذلك يبرز في خطابها مفهوم المؤسسة
العسكرية الليبية الموحدة باعتباره أحد الأهداف بعيدة المدى.

هل يتحول التدريب إلى مسار للتوحيد؟

يطرح استمرار مشاركة الليبيين في تدريبات
دولية مشتركة سؤالا حول مدى قدرة هذه الأنشطة على إنتاج تقارب فعلي بين المؤسسات
العسكرية المتنافسة.

فمن الناحية العملية، يتيح التدريب المشترك
للضباط والقوات التعرف إلى أساليب عملياتية موحدة، ويخلق قنوات اتصال مباشرة، وقد
يساعد في بناء قدر من الثقة بين أفراد ينتمون إلى معسكرات مختلفة.

لكن الجانب العسكري لا ينفصل عن السياسي.
فالتوحيد الحقيقي للمؤسسة العسكرية يحتاج إلى اتفاق على مرجعية القيادة، وإعادة
تنظيم التشكيلات المسلحة، وضمان خضوع القوات لسلطة الدولة، فضلا عن معالجة الملفات
المتعلقة بالترتيبات الأمنية التي أعقبت سنوات الحرب.

ومن هنا، تبدو “فلينتلوك” بالنسبة
إلى ليبيا فرصة لبناء الثقة والتدريب المشترك، لكنها ليست بديلا عن التسوية
السياسية التي لا تزال تشكل المدخل الأوسع لإنهاء الانقسام.

مسار يتوسع مع واشنطن ولندن

ويأتي لقاء النمروش بالملحق العسكري
الأمريكي بعد لقاء مماثل مع المسؤول العسكري البريطاني، ما يعكس اتساع دائرة
التعاون الغربي مع المؤسسة العسكرية في طرابلس.

وفي كلا المسارين، يظهر التدريب ورفع
الجاهزية وتبادل الخبرات في صدارة الأولويات، إلى جانب المشاركة في “فلينتلوك”،
التي باتت إحدى أبرز المنصات العسكرية الدولية التي تستضيفها ليبيا.

وبين نسخة 2026 التي احتضنتها سرت
والتحضيرات المبكرة لنسخة 2027، تبدو ليبيا أمام مسار جديد من التعاون العسكري
الدولي، عنوانه المعلن تطوير القدرات وبناء مؤسسة أكثر احترافا، بينما يبقى
الاختبار الأكبر هو قدرة هذا التعاون على الانتقال من ساحات التدريب إلى واقع
المؤسسة العسكرية المنقسمة.

فنجاح المناورات في جمع عناصر من الشرق
والغرب يمثل خطوة رمزية وعملية، لكن تحويلها إلى نواة لمسار مستدام لتوحيد الجيش
سيظل رهنا بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز الانقسام السياسي والعسكري الذي أعاد
تشكيل البلاد منذ 2011.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: تعزيز التعليم السعودي بإطلاق منصة موحدة وتدريب 240 ألف معلم في العام الجديد

‫0 تعليق