
عندما
قرأت تصريحات منسوبة إلى وزير المياه الإثيوبي، تخص هيمنة بلاده على مياه نهر
النيل، دون رد مصري، لعب الفأر في صدري، من أن تكون تصريحات قديمة، وفي مثل هذه
الحالة يلزم الوصول إلى المصدر، قدر المستطاع!
اقرأ أيضا: وزير الزراعة يترأس اجتماع تطوير نظام معلومات الأمن الغذائي
فعندما
ظهرت التصريحات أمامي، كانت من مواقع سيارة، لا يمكن للمرء أن يبني موقفاً على ما
تنشره، لأنها تعتمد فيما تنشره على مواقع أخرى، وأحياناً تصاب بالإفلاس فتعيد نشر
موضوعات قديمة سبق نشرها!
وقد
انتهت الرحلة عند موقعين زاد اهتمامهما المفرط من شكوكي، لا سيما مع النشر المكثف
والمبالغ فيه للتصريحات المنسوبة إلى الوزير الإثيوبي، وفي بعض المرات كانت إعادة
النشر بعد دقائق، وهذه المبالغة لا بد أن تكرس الشعور بالريبة!
العربية
والحدث على الخط:
والموقعان
هما لقناتي “العربية” و”الحدث”، وقد لاحظت في الآونة الأخيرة
محاولة للنشر السلبي فيما يختص بالملف المصري، إلى درجة نشر “العربية نت”
توقعاً عن ارتفاع جديد لأسعار الطاقة، في خبر غير منسوب إلى مصدر، والعنوان: “مصر
تؤكد استعدادها لزيادات مبكرة في أسعار الطاقة إذا ارتفع النفط مجدداً”،
وتبحث عن مصر هنا فلا تجد سوى: أكدت مصر، وأشارت الحكومة، وأثبتت الوثائق.
وهي
نوعية من المواد المنشورة التي يمكن منها أن تتلمس الخلافات السياسية، لكن أحداً،
سواء في اللجان الإلكترونية أو الأبواق الإعلامية، لا يمكنه أن يتجرأ ويفند ما
ينشر من باب الافتعال، فتخصصهم قناة الجزيرة وحدها، ولدرجة أن أكاديمياً محسوباً
على دولة بعينها وصف مصر بالدولة الهشة، ولم يجد من يعترض طريقه، فالعين لا تعلو
على الحاجب!
عندما
تتبعت المنشور، وجدت أن التصريحات المنسوبة إلى وزير المياه الإثيوبي جاءت صوتاً
وصورة في كلتا القناتين، وفي نشرة الأخبار، وتحت عنوان “تصعيد خطير في ملف
النيل”، واستضيف الضيوف لمناقشة هذه التصريحات، وقد نسب إلى مصر رفضها لها،
دون أن ينسبوا هذا الرفض إلى مصدر، ولكن أحياناً يكون هذا من باب إثبات التوازن في
التغطية، وإن جاء بالمخالفة للحسابات المهنية، فهي السياسة عندما تفسد مهنتنا،
وعندما يتسم الأداء بالخفة، ويكاد المريب أن يقول: خذوني!
لقد
جاء على لسان وزير المياه الإثيوبي أن تدفق مياه النيل إلى دول المصب سيكون تحت
سيطرتنا، وأن بلاده تعتزم بناء سدود إضافية غير سد النهضة. وليس واضحاً بالضبط إن
كانت تصريحات متلفزة، في مؤتمر صحفي، أو في مقابلة تلفزيونية تطرق فيها إلى الأمر،
أو أنه قالها في بث مباشر من منزله، على نحو كاشف عن أننا أمام خبر لم يستوف
أركانه، وغير مكتمل العناصر؛ فمتى قال الوزير الإثيوبي ذلك، وأين قاله؟!
وكان
يمكن للمرء أن يعتبره الغرض الذي هو مرض، وأنه تجديد لمادة قديمة، ولتصريحات قالها
الوزير من قبل، وأن الإعادة تدخل ضمن سياسة رش المياه على المارة أو الجالسين،
وقديماً قالت العرب: “رش الماء عداوة”، أي إعلان عداء، وأسلوب كاشف عن
العداء!
بيد
أن ما جرى بعد ذلك هو أن إعلاميين محسوبين على النظام الحاكم في مصر اعتمدوا هذه
التصريحات وردوا عليها، فهناك من تجاوزوا اختصاصهم الوظيفي وتقمصوا دور رئيس
الدولة، وباسم مصر أبدوا اعتراضهم عليها، وقال أحمد موسى إن مصر لن تسمح لإثيوبيا
بأن تبني سدوداً جديدة، ونظر عباس شراقي إلى مسماه الوظيفي فاختلط عليه، فهو أستاذ
في جامعة القاهرة لمادة الجيولوجيا والموارد المائية، وهذا المسمى جعله يتصور أنه
وزير الري، للاشتراك بينهما في كلمتين؛ فالوزير هو وزير الري والموارد المائية،
ومن فوره صاح في البرية: إن مصر لن تسمح بتنفيذ المخطط الإثيوبي لبناء ثلاثة سدود
جديدة!
ورد
الفعل هذا يعزز كونها تصريحات جديدة، فهناك سفارة لمصر في إثيوبيا، من المؤكد أنها
تعرف حقيقة هذه التصريحات، وهل قيلت من قبل وجددت “العربية” و”الحدث”
بها الأحزان لحاجة في نفس يعقوب، أم أنها جديدة، فكان من الطبيعي هذا الرد في
المنابر الإعلامية المحسوبة على السلطة.
اختفاء
الحكومة في ظروف غامضة:
والحال
كذلك، فإن المزعج حقاً هو هذا الاختفاء المريب لأهل الحكم، حيث بدت مصر بدون حكومة
ترد على الوزير الإثيوبي بالتي هي أحسن، فحتى وزير الإعلام اختفى في ظروف غامضة،
وهو غياب غير مسؤول، وكاشف عن حقيقة مُرة، وهي أن القوم ليسوا على مستوى الوطنية
المصرية. وكان من المفروض أن يكون الرد خشناً بشكل يدفع الوزير إلى التراجع
والاعتذار، بدلاً من أن يجد الطريق أمامه سالكاً وعلى مد الشوف، ليمارس شجاعته
ويكسب شعبية في الداخل، على حساب ضعف السلطة في مصر، التي تستأسد أمام مواطن أعزل في
الخارج كتب كلمتين، فيكون التهديد بأنها ستأتي به في “جوال”، فماذا لو
قالت للمسؤول الإثيوبي إنه إن لم ينته فسوف تفعل الشيء نفسه معه؟!
من
قال هذا الكلام ليس مذيعاً ليرد عليه مذيع، وليس أكاديمياً إثيوبياً ليرد عليه
الدكتور عباس (عاشت الأسامي)، ولكنه وزير مسؤول في الحكومة الإثيوبية، وكان الأمر
يستدعي الرد عليه من نظيره في الحكومة المصرية، أو من رئيس الحكومة، وفي مؤتمر
صحفي يليق بقيمة الموضوع، والأمر له صلة بالأمن القومي المصري، بيد أن الحكومة
ذهبت إلى مقرها الصيفي في مدينة العلمين، ونزلت البحر وفقدت صلتها بالكوكب!
لقد
كان عبثاً أن نقرأ في الصحف والمواقع المصرية تصريحات لما سمي بـ”المصدر
المسؤول” الذي أكد أن مصر لن تسمح بالسيطرة على تدفقات مياه النيل لدولتي
المصب، وأجمعت على ذلك صحف متباينة في خطها السياسي، أو هكذا كانت، فكان هذا “مانشيت”
جريدتي “الجمهورية” الحكومية، و”الوفد” التي تصدر عن حزب
الوفد المعارض، بحسب التعريف السياسي.. فهل أعاد علم السياسة تعريف بعض المصطلحات
والمفاهيم بناء على ما استجد في مصر بالممارسة؟
لماذا
هو مصدر مسؤول رفض ذكر اسمه؟ فلماذا الرفض؟ وهل يجوز في أمر كهذا أن يصرح مصدر
مسؤول باسم مصر، ثم يخفي اسمه؟!
الواقع
أننا أمام قضية مهنية أخرى، وهي هذه الأخبار والمواقف المجهلة التي تستغل كفالة “سرية
المصادر” في الإخلال بقواعد المهنة، عندما يحدث هذا بالتواطؤ بين الوسيلة
الإعلامية والحكومة، فيكون هذا “المصدر المسؤول الذي رفض ذكر اسمه”، ولا
يجوز للصحفي أن يفشي حقيقة مصادره السرية، لنكون بهذا التصريح المنسوب إلى سعادته
أمام تطور جديد في عالم المصادر التي رفضت ذكر اسمها! فهذا أمر يدفع إليه الخوف من
عواقب إفشاء أسرار أو فساد، فصار المسؤول بالدولة يخشى شيئاً ما لا نعلمه.. هل
يخشى من أن تطوله يد رئيس المباحث بقسم شرطة أمهرة؟!
وقد
كان المصدر الذي يرفض ذكر اسمه يتحدث إلى صحفي في وسيلة إعلام واحدة، فما جرى يوحي
كما لو كان المصدر المسؤول، الذي قال إن مصر لن تسمح بالسيطرة على تدفقات مياه
النيل لدولتي المصب، قد عقد مؤتمراً صحفياً سرياً، ولهذا فلم تنشر صحيفة واحدة هذه
التصريحات، ولكن نشرتها عدة مواقع، وجمعت تصريحاته بين “الوفد” و”الجمهورية”
في بوتقة وطنية واحدة!
والأمر
على هذا النحو يداعب الخيال، فمن هذا المصدر المسؤول الذي تكلم باسم مصر، وأين عقد
مؤتمره الصحفي، في الصحراء أم تحت الأرض؟ وهل حضر الصحفيون جميعاً في وقت واحد أم
التقى بكل صحفي على حدة، ووسوس لكل واحد في أذنه بهذه التصريحات؟ وهل ذهبوا إليه
بشكل طبيعي أم كانوا معصوبي الأعين؟ وهل ظلوا هكذا في مواجهته أم رفعت عنهم
العصابة باعتبار أن الدار أمان؟!
لقد
بلغت الحكومة غياباً، وتقمص الإعلام دور مصر، وقرأنا لصحيفة أو موقع تحت عنوان “رسالة
بعلم الوصول”، أن صبر مصر ليس ضعفاً، والدولة لن تسمح أبداً بسيطرة إثيوبيا
على نهر النيل. فأضحكوا الثكالى بهذه الرسالة!
وإذا
كانت الرسالة المرسلة بعلم الوصول، وليس بالبريد العادي، هي إلى إثيوبيا، فمن المرسل
الذي تقمص دور مصر، ودور الدولة التي لن تسمح..؟ ولماذا حرص المرسل على إخفاء
اسمه؟
ممن
يخاف القوم؟!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: عاجل الحرس الثوري يفند تصريحات ترامب ويتهمه بالكذب…
