
ما زلت أشتاقه أكثر..
اقرأ أيضا: حمض الماندليك ينافس الغليكوليك للعناية بالبشرة الحساسة
*خاص سواليف
- مقال الاثنين 17-8-2026
أحمد حسن الزعبي
في الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيل نصف الروح “أبوي”..
“أبوي” : لم أتنعّم بهذه الكلمة كثيراً، لم تستخدمها شفتاي إلا بعض مئات من المرّات وربما أقل، لم أحظَ بترف دلال الأبوة بما يكفي ، لم أغفُ في حضنه بما يكفي، لم أقل له أحبّك بما يكفي، لم أسند ظهري عليه بما يكفي ، لم أستقوِِ به أمام أقراني بما يكفي، لم أمرّر إصبعي على جبهته بما يكفي ، لم اختبئ في “فروته” وقت الشتاء بما يكفي… لقد رحل باكراً باكراً جداً..وأنا أصعدُ للتوّ أولى درجات الوعي…رحل باكراً على غير ما كان يتمنّى أو يتوقّع…
كان عمري 12 عاماً ، النصف الثاني من آب ، صيف حار ، ودموع ساخنة ،وقيظ “اليتم” حارق ، كان الرجال يملأون ساحة البيت ، يكثرون من ذكر الله ، ومن محاسن أبي ، وأنا أبكي ، لا أستطيع أن أشق صفوفهم لأراه ، أو ربما لم أكن أملك الوعي لأعرف كيف أتصرّف، كنت أبكي فقط ، ، وأنظر من بين الجموع إلى باب البيت المسجّى فيه جسد أبي، قلبي توقف ، اختنق صوتي ، الفكرة التي كانت تراودني في تلك اللحظات كيف أستطيع أن أسترجع أبي من الموت؟ أنا لم أعِ على الحياة بعد حتى أعي على الموت..لم أرَ مولوداً صغيراً في بيتنا ، أو طقوس ولادة..حتى أفهم طقوس الموت..
كنت أعتقد أن ذلك مجرد حلم مزعج ، أو كابوس سينتهي فور الاستيقاظ ..لكنني لم أستيقظ منه حتى اللحظة..وظلت الفكرة تراودني كيف أستطيع أن أسترجع أبي من الموت؟ لأضمّه أكثر..لأطيعه أكثر..لأقبّل عينيه أكثر..لأتوحّد به أكثر..لأحبّه أكثر..لأتمسّك به أكثر..لأمنعه من السفر أكثر…لأقول له “بحبّك يابا”..لكنّ الجواب كان قاسياً أكثر مما يجب: أن الموت تذكرة ذهاب لا إياب فيها..لقد أجابني الرجال الذين كانوا في ساحة البيت عندما حملوه على الاكتاف ومضوا… ومضيت خلفهم تائها، ضائعا، أحد لا يكترث بنزف دموعي التي لا تتوقف ونشيجي الذي يتبع نصف القلب المحمول…
ثلاثة أرباع عمري..مضت دون أن أناديه “يابا”…ثلاثة أرباع عمري وأنا أشتاق الرجل الذي يشبهني، الذي نثر عاطفته في حقول لغتي، والذي علّمني، أن الأبوة ، وأن الحبَّ أكبر من أن يقال..
اقرأ أيضا: إنذار أحمر.. الدفاع المدني يدعو إلى توخي الحذر من أمطار غزيرة في عسير
اقرأ أيضا: تطوير مسبار بصري للكشف عن الأنسجة يغير مستقبل الفحوصات الطبية

