قبل قرع جرس المدرسة.. كيف تهيئ الأسرة أطفالها للعودة تدريجيا؟…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان- ما تزال أصوات الأطفال تعلو حتى ساعات منتصف الليل، حتى في هذه الأيام التي تسبق انطلاق العام الدراسي. وما بين سهر ونوم في النهار، ولعب وأوقات ترفيهية ومبهجة متاحة، يجد الكثير من الأهل أنفسهم وسط حالة من الارتباك في ظل الحاجة للاستعداد المبكر “للدوام المدرسي”.اضافة اعلان
وعلى مشارف انتهاء العطلة الصيفية، ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، تبدأ العائلات تدريجيا بالاستعداد للعودة إلى الروتين المدرسي، من تجهيز المستلزمات وإشراك الأطفال في ترتيب حقائبهم واختيار ملابسهم ووجباتهم، بما يعزز شعورهم بالمسؤولية.
ولا يقتصر الاستعداد على الجانب المادي، إذ يفضل البدء تدريجيا بتعديل مواعيد النوم والاستيقاظ، مع الاهتمام بالتغذية المتوازنة والنوم الكافي وإجراء الفحوصات الدورية.
إلى جانب ذلك، تعمد الكثير من العائلات إلى تهيئة الأطفال نفسيا من خلال الحديث معهم عن العودة إلى المدرسة، والاستماع إلى حماسهم ومخاوفهم والإجابة عن أسئلتهم. كما يمكن زيارة المدرسة مسبقا، خصوصا للطلاب الجدد، وتذكير الأطفال بقواعد السلامة أثناء عبور الشارع أو استخدام المواصلات.
إعادة فرض النظام والالتزام 
وتقول سناء بني هاني إن ابنها البالغ من العمر 8 سنوات يستيقظ كثيرا خلال الليل، ما يجعل نومه غير منتظم، ويثير مخاوفها من صعوبة تنظيم نومه مع بدء العام الدراسي. وتوضح أنها بدأت منذ الآن بمحاولة إعادة تنظيم روتين المنزل تدريجيًا، إلا أن الأمر يبدو صعبا بعد أكثر من شهرين من التساهل في مواعيد النوم والاستيقاظ خلال العطلة، وتشعر أحيانا بأنها لا تمتلك القدرة الكافية على إعادة فرض النظام. وتشير دراسة منشورة عام 2026 في مجلة Sleep Health، تعقبت حالات أطفال من مرحلة الروضة وحتى سنوات الدراسة اللاحقة، إلى وجود علاقة بين موعد النوم ومدة النوم والوظائف التنفيذية والسلوك والتحصيل الأكاديمي.
ووجدت الدراسة أن النوم المبكر ارتبط بمدة نوم أطول، فيما ارتبطت مدة النوم بالتحصيل الأكاديمي من خلال تأثيرها في بعض الوظائف التنفيذية، مثل الذاكرة العاملة والمرونة المعرفية، ما يؤكد أهمية بناء روتين نوم مبكر ومنتظم، مع الإشارة إلى أن النوم ليس العامل الوحيد المؤثر في التحصيل الدراسي.
مشكلات أكاديمية وسلوكية للمراهقين 
وفي السياق ذاته، تشير دراسة أخرى إلى أن انتظام مواعيد النوم لا يقل أهمية عن الحصول على عدد ساعات كاف، إذ ارتبط النوم في أوقات متأخرة والتفاوت الكبير في مواعيد النوم لدى المراهقين بمشكلات أكاديمية وسلوكية أكثر.
وتدعم هذه النتائج أهمية الانتقال التدريجي من نمط النوم خلال العطلة إلى مواعيد النوم والاستيقاظ التي تتناسب مع المدرسة، بدل إجراء تغيير مفاجئ مع بدء العام الدراسي.
أما ساجدة عمر، فتشير إلى أن إحدى المشكلات التي واجهتها مع ابنتها خلال الفترة الأخيرة تمثلت في اضطراب روتينها اليومي وتأثر بعض عاداتها المعتادة، مرجعة ذلك إلى تغير الطقس والتقلبات التي ترافق الانتقال بين الفصول.
من أجواء الإجازة إلى الحياة الدراسية
ومن جانبه، يشير محمد نادر، وهو أحد أولياء الأمور، إلى أهمية أن يستعد الأهل قبل بدء العام الدراسي، ليس فقط من الناحية المادية، وإنما نفسيا وعقليا أيضا، للتعامل مع التحديات التي قد تطرأ خلال العام، وفي مقدمتها مشكلة الدروس الخصوصية التي تتكرر مع كل موسم دراسي، وما تفرضه من أعباء إضافية على الأسرة والطالب.
تقول الاختصاصية والمعالجة النفسية، خلود الرفايعة، إن اقتراب بدء العام الدراسي يدفع الأسر عادة إلى الاستعداد من خلال شراء الحقائب والقرطاسية والمستلزمات المدرسية.
غير أن التهيئة الحقيقية للعودة إلى المدرسة تتجاوز هذه التفاصيل، لتشمل تهيئة أجساد الأبناء ونفسياتهم ومشاعرهم وروتينهم اليومي للانتقال من أجواء الإجازة إلى الحياة الدراسية.
وتوضح الرفايعة أن أبناء كثير من الأسر يعيشون خلال الإجازة مساحة أكبر من الراحة والمرونة، فيتأخر موعد النوم والاستيقاظ، وتزداد ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتتسع مساحة الأنشطة والخروج والزيارات، ما يجعل العودة المفاجئة إلى النظام المدرسي أكثر صعوبة.
تقديم موعد النوم والاستيقاظ تدريجيا
وتنصح بأن تبدأ الأسرة قبل موعد المدرسة بما لا يقل عن أسبوع بإعادة تنظيم النوم والاستيقاظ بصورة تدريجية، بحيث يتم تقديم موعد النوم والاستيقاظ تدريجيا، بما يساعد الجسم على التكيف مع الروتين الجديد.
كما تشدد الرفايعة على أهمية تنظيم استخدام الأجهزة الإلكترونية من خلال الاتفاق مع الأبناء على أوقات واضحة ومناسبة، بدل اللجوء إلى المنع المفاجئ أو الإجبار والتهديد، حتى لا يشعر الطفل أو اليافع بأنه انتقل فجأة من أجواء الإجازة المريحة إلى قيود الحياة المدرسية.
وترى أن من المفيد كذلك إعادة تنظيم الأنشطة الاجتماعية والخارجية تدريجيا، واستعادة روتين أكثر وضوحا داخل المنزل يشمل النوم والاستيقاظ والطعام والأنشطة اليومية، مؤكدة أن الهدف ليس إلغاء متعة الإجازة، وإنما تهيئة الجسد والعقل للانتقال التدريجي.
 الاستماع الحقيقي لمشاعر الأبناء 
وعلى الجانب النفسي، تشير الرفايعة إلى أن الطفل الذي ينتقل إلى مدرسة جديدة يحتاج إلى فرصة لزيارتها والتعرف إلى مرافقها وكادرها، والحصول على إجابات واضحة عن الأسئلة التي تشغله وتثير قلقه.
وتلفت الرفايعة إلى أهمية الحديث مع الأبناء عن الصعوبات التي واجهوها خلال العام الدراسي السابق، ومناقشة طرق التعامل معها إذا تكررت، مع التأكيد لهم أن الأسرة موجودة للدعم والمساندة، من دون أن يتحول هذا الدعم إلى اعتماد كامل عليها.
وقد يحمل الطفل أو اليافع مخاوف مختلفة تتعلق بالأصدقاء أو المواد الدراسية أو مظهره، أو صحته أو ظروف أسرية مر بها خلال الإجازة، مثل فقدان أحد الأشخاص، أو انفصال الوالدين، أو الانتقال إلى منزل جديد. وهنا، بحسب الرفايعة، يحتاج الأبناء إلى الاستماع الحقيقي لمشاعرهم والمصادقة عليها، ثم مساعدتهم على إيجاد طرق آمنة للتعامل معها.
 التركيز على نقاط القوة والضعف
وتؤكد الرفايعة أن دور الأسرة ليس منع جميع الصعوبات عن أبنائها، وإنما مساعدتهم على اكتساب القدرة على مواجهتها والتعامل معها.
وفيما يتعلق بالدافعية، ترى الرفايعة أن من المهم رفع دافعية الأبناء للعام الدراسي الجديد، مع التركيز على نقاط قوتهم وما حققوه من تطور، بعيدا عن ربط قيمتهم الشخصية بالعلامات أو التفوق الأكاديمي.
وتوضح أن الدافعية لا تبنى فقط بحماس بداية العام، وإنما تحتاج إلى الاستمرارية والتنظيم وتحقيق إنجازات صغيرة تعزز لدى الطفل شعوره بالقدرة والكفاءة.
كما تدعو الرفايعة الأسر إلى الاستماع إلى توقعات الأبناء من العام الدراسي الجديد، وفي المقابل توضيح توقعات الأسرة منهم، بعيدا عن المقارنة، مشيرة إلى أن وضوح الأدوار والتنظيم من أهم أدوات الاستقرار النفسي.
 الطفل الأصغر يحتاج لتوجيه أكبر 
وتشدد الرفايعة على أن بدء العام الدراسي لا يعني إلغاء هوايات الأبناء واهتماماتهم، وإنما تنظيمها وجدولتها بما يتناسب مع متطلبات الدراسة والراحة والنوم.
وتضيف أن الخطأ والفشل جزء طبيعي من عملية التعلم، ولذلك لا ينبغي أن يتحول اللوم إلى أسلوب دائم، أو أن يتم ربط الخطأ بقيمة الطفل.
وتقول الرفايعة إن الأسرة لا تحتاج إلى أبناء مثاليين لأن المثالية مفهوم غير واقعي، وإنما إلى أبناء يتعلمون ويتطورون ويدركون نقاط قوتهم وضعفهم، ويعرفون متى يحتاجون إلى طلب المساعدة.
وتختلف طريقة التهيئة، بحسب الرفايعة، باختلاف عمر الطفل، فالطفل الأصغر يحتاج إلى توجيه أوضح وروتين أكثر ثباتا وتفهم أكبر لمشاعره، خصوصا عندما يعجز عن التعبير عنها بالكلمات.
أما اليافع، فيحتاج إلى مساحة أكبر للمشاركة في القرارات والاستماع إلى وجهة نظره واحتياجاته، إذ إن الإجبار المستمر قد يزيد التوتر والصراع، بينما يسهم الحوار والمشاركة في بناء المسؤولية والاستقلالية.
وتخلص الرفايعة إلى أن الاستقرار النفسي والعاطفي ليس نتيجة للنجاح الأكاديمي، بل هو أحد الأسس التي تساعد الأبناء على التعلم والنجاح والنمو.
ولذلك، ينبغي تجاوز فكرة الاستعداد للعام الدراسي بوصفها مجرد شراء حقيبة وقرطاسية، والنظر إليها باعتبارها عملية متكاملة يكون فيها الاستعداد النفسي ركيزة أساسية لبداية دراسية جديدة أكثر أمانا واستقرارا.
ومع اختلاف استعدادات الأسر وتحدياتها، يبقى الانتقال التدريجي من أجواء العطلة إلى روتين المدرسة خطوة أساسية تساعد الأطفال والأهل على بدء العام الدراسي بصورة أكثر هدوءا وتنظيما.

اقرأ أيضا: العراق يقود قفزة الترانزيت في العقبة.. والموانئ أمام تحديات وا…

‫0 تعليق