طفرة سندات آسيا تجذب المقترضين العالميين وسط سباق لتنويع مصادر التمويل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تشهد أسواق السندات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تدفقًا متسارعًا من المقترضين الأجانب، في تحول يعكس تنامي أهمية أسواق كانت تُعد حتى وقت قريب مصادر تمويل متخصصة ومحدودة، مع سعي الشركات والحكومات إلى تنويع قاعدة المستثمرين وتقليل الاعتماد على الأسواق الرئيسية في ظل ارتفاع الاحتياجات التمويلية عالميًا.

اقرأ أيضا: الليلة.. عمر خيرت يحيي حفلًا موسيقيًا ضمن فعاليات مهرجان الصيف الدولي بمكتبة الإسكندرية

وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز، فإن شركات ومؤسسات أجنبية، بينها كومرتس بنك الألماني، وإنجي الفرنسية، وهينكل الألمانية، والخطوط الجوية السنغافورية، إلى جانب الحكومة البرتغالية، اتجهت خلال العام الجاري إلى إصدار سندات مقومة بالدولار الأسترالي واليوان الصيني، في خطوة تعكس اتساع قاعدة المستثمرين الآسيويين وتزايد جاذبية العملات المحلية كمصدر للتمويل.

سندات «الكنغر» عند مستويات قياسية

وسجلت إصدارات السندات المقومة بالدولار الأسترالي من جانب جهات أجنبية، والمعروفة باسم «سندات الكنغر»، مستوى قياسيًا بلغ نحو 60 مليار دولار أسترالي، ما يعادل 42 مليار دولار أميركي، منذ بداية العام وحتى أواخر يوليو، بزيادة تقارب 40% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن.

كما وصلت إصدارات السندات المقومة بالدولار هونغ كونغي إلى مستويات قياسية، ما يؤكد اتساع نطاق اهتمام المؤسسات الدولية بأسواق التمويل الآسيوية.

وقالت كارلا غودج، رئيسة ترتيب إصدارات الدين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى إتش إس بي سي، إن هذه الأسواق وصلت إلى نقطة تحول جعلتها أكثر أهمية بكثير بالنسبة إلى المقترضين المحليين والدوليين على حد سواء.

وأضافت أن حجم السيولة المتاح في هذه الأسواق أصبح يوفر خيارًا تمويليًا لم يكن متاحًا بهذا الحجم والانتظام قبل سنوات قليلة.

اليوان يتحول إلى أداة تمويل دولية

وتبرز الصين بصورة خاصة في هذه الموجة، مع تسجيل إصدارات سندات اليوان داخل الصين، المعروفة باسم «سندات الباندا»، وسندات اليوان الخارجية المعروفة باسم «سندات ديم سام» مستويات قياسية خلال النصف الأول من العام.

ووفق بيانات غولدمان ساكس، بلغت إصدارات سندات الباندا نحو 160 مليار يوان، ما يعادل 24 مليار دولار، في النصف الأول من العام، بينما وصلت إصدارات سندات ديم سام إلى نحو 350 مليار يوان، بزيادة تجاوزت 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويمثل المقترضون الدوليون نحو نصف هذه الإصدارات، في مؤشر على تزايد استخدام اليوان كعملة تمويل خارج الحدود الصينية.

ولم يقتصر التوسع على الدولار الأسترالي واليوان، إذ تضاعفت إصدارات السندات المقومة بالين الياباني من جانب المقترضين الأجانب منذ بداية العام، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن.

وساهمت صفقة سندات قياسية نفذتها ألفابت، الشركة الأم لجوجل، في تعزيز هذه الأرقام، لكن حتى بعد استبعاد الصفقة، تظل الإصدارات الأجنبية بالين عند أعلى مستوياتها في سبع سنوات.

ويعكس ذلك تحولًا في سلوك الشركات العالمية، التي باتت تنظر إلى الأسواق الآسيوية باعتبارها جزءًا أكثر أهمية من استراتيجية التمويل العالمية، وليس مجرد مصدر بديل محدود.

وتأتي هذه الموجة في الوقت الذي ترتفع فيه احتياجات الاقتراض العالمية بفعل الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اتساع عجز الموازنات الحكومية في العديد من الاقتصادات الكبرى.

وبلغ إجمالي إصدارات السندات الدولية المشتركة عالميًا مستوى قياسيًا تجاوز 4 تريليونات دولار حتى أواخر يوليو 2026، مقارنة بنحو 3.5 تريليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن.

ويرى مصرفيون أن دخول شركات التكنولوجيا العملاقة، أو ما يعرف بـ«عمالقة الحوسبة السحابية»، بكثافة إلى أسواق السندات التقليدية للحصول على التمويل اللازم لخطط الذكاء الاصطناعي، يدفع الشركات الأخرى إلى البحث مبكرًا عن مصادر تمويل بديلة.

وقال هامبوس فالث، رئيس ترتيب إصدارات أسواق رأس المال للديون في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى ميزوهو، إن العديد من الشركات التي تصدر ديونًا بعملات خارج عملاتها الرئيسية تفعل ذلك في إطار برامج تمويل أكبر، مشيرًا إلى أن المصرفيين ينصحون العملاء بالتحرك مبكرًا وتنويع مصادر التمويل مع احتدام المنافسة على رأس المال.

ثروة آسيا تعزز الطلب على السندات

ولا ترتبط الطفرة بجانب العرض فقط، بل تعكس أيضًا نمو الطلب على أدوات الدين المقومة بالعملات الآسيوية.

ويرى المصرفيون أن ارتفاع الثروة المالية في آسيا، إلى جانب النمو السريع في أصول صناديق التقاعد الأسترالية، يوفر قاعدة متنامية من المستثمرين القادرين على استيعاب الإصدارات الجديدة.

وفي الصين، يتزامن توسع سوق السندات مع جهود بكين لتدويل اليوان وتوسيع قاعدة المستثمرين الدوليين، بما يجعل إصدارات «ديم سام» أكثر انتشارًا، ويعزز قدرة الشركات والحكومات الأجنبية على الوصول إلى سوق «الباندا» المحلية.

وقال كريستوفر كينت، مساعد محافظ البنك المركزي الأسترالي، إن نمو الأسواق يؤدي إلى خلق دائرة إيجابية؛ فكلما ازداد عدد المستثمرين المطلعين على السوق، ارتفع عدد المقترضين الراغبين في الإصدار فيها، وهو ما يقود بدوره إلى مزيد من النمو.

المستثمرون يبتعدون تدريجيًا عن الدولار

ويعكس الاتجاه كذلك رغبة متزايدة لدى المستثمرين في تنويع محافظهم بعيدًا عن الدولار الأميركي.

وأشار فالث إلى أن المستثمرين الآسيويين والبنوك المركزية، الذين كانوا يركزون تقليديًا على أدوات الدين المقومة بالدولار، أصبحوا يتجهون أيضًا إلى الدولار الأسترالي والدولار الهونغ كونغي وحتى اليورو.

اقرأ أيضا: “حكاوي زمان”.. شكري سرحان يقع في حب فتاة جريئة ويكتشف مفاجأة صادمة عن هروبها مع سائق والدها

كما توفر الصين واليابان في بعض الحالات تكلفة اقتراض أقل، وهو ما يجعل التمويل باليوان أو الين جذابًا للشركات التي لديها عمليات محلية وتحتاج إلى الاحتفاظ بالأموال بالعملات نفسها.

«الباندا» تجذب شركات السيارات والبنوك الأوروبية

وقال كليفورد لي، الرئيس العالمي للخدمات المصرفية الاستثمارية لدى دي بي إس في سنغافورة، إن شركات صناعة السيارات الألمانية والمؤسسات المالية الأوروبية أصبحت من أكثر الجهات نشاطًا في إصدار سندات الباندا.

ولا تتوقف شهية المقترضين عند الدول الكبرى؛ إذ تستعد البرازيل لإصدار أول سندات باندا في تاريخها خلال وقت لاحق من العام، بينما تدرس كينيا أيضًا دخول السوق.

وتعكس هذه التحركات توسعًا تدريجيًا في استخدام اليوان كعملة تمويل دولية، بالتزامن مع مساعي الصين لتعزيز دور عملتها في النظام المالي العالمي.

تكلفة التمويل تدعم الاتجاه

ويشير مصرفيون إلى أن جاذبية الأسواق الآسيوية لا ترتبط فقط بتنويع قاعدة المستثمرين، بل أيضًا بإمكانية تحقيق وفورات في تكلفة التمويل.

فعندما تقوم الشركات بإصدار سندات بالدولار الأسترالي أو الين ثم تحول حصيلة الاقتراض إلى عملتها الأصلية من خلال أدوات التحوط، أصبحت تكلفة التمويل في عدد متزايد من الحالات منافسة لما يمكن الحصول عليه عند التحوط من اليورو أو الدولار.

وتعد البرتغال مثالًا بارزًا على ذلك، بعدما جمعت نحو 2 مليار يوان، أي نحو 300 مليون دولار، في أول إصدار لسندات «ديم سام» من جانب حكومة في منطقة اليورو خلال أبريل، قبل تحويل الحصيلة إلى اليورو مع تحقيق وفر محدود في التكلفة.

وقال روي أمارال، عضو مجلس إدارة وكالة إدارة الدين البرتغالية، إن الهدفين الرئيسيين من الإصدار هما تنويع قاعدة المستثمرين وتحقيق وفورات في تكلفة التمويل، مشيرًا إلى أن تجربة الإصدار قد لا تكون صفقة لمرة واحدة.

آسيا تعيد تشكيل خريطة التمويل العالمي

وتشير هذه التطورات إلى أن أسواق السندات الآسيوية بدأت تتحول من مجرد قنوات تمويل متخصصة إلى جزء استراتيجي من سوق الدين العالمي.

ومع استمرار ارتفاع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وتزايد احتياجات الحكومات والشركات إلى التمويل، تبدو المنافسة على رأس المال مرشحة لمزيد من التصاعد، ما يدفع المقترضين إلى البحث عن أسواق جديدة تتمتع بسيولة متنامية وقاعدة مستثمرين أكثر تنوعًا.

وفي هذا السياق، لا تبدو طفرة سندات «الكنغر» و«الباندا» و«ديم سام» مجرد موجة مؤقتة، بل علامة على إعادة توزيع تدريجية لمراكز الثقل في أسواق الدين العالمية نحو آسيا.

اقرأ أيضا: من سوق الصغار للبورصة الرئيسية.. “فيوتشر كير” تضاعف أسهمها بـ 57.5 مليون جنيه

‫0 تعليق