سامي محمد.. من سدرة دبي إلى العالمية: حين ينطق الحجر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ربما لا يعرف الكثيرون أن هناك عملاً فنياً للفنان الكويتي الراحل سامي محمد في أحد شوارع دبي، وربما يمرون به دون التفات. إنها منحوتة «السدرة»، القائمة في منطقة وسط مدينة دبي، بالقرب من برج خليفة.

اقرأ أيضا: في المعارضة يخشون ألاعيب نتنياهو بالانتخابات…

أزيح الستار عنها في يونيو 2009، وكانت جزءاً من توجه جعل من وسط دبي فضاءً مفتوحاً للفن. وقد اختار سامي محمد شجرة السدرة موضوعاً لمنحوتته، لا باعتبارها شجرة تنتمي إلى البيئة الخليجية فحسب، وإنما بوصفها رمزاً للمرأة الخليجية؛ شجرة تضرب جذورها عميقاً في الأرض.

وتقاوم الحرارة والجفاف، وتظل قادرة على العطاء. ولذلك جاءت المنحوتة في معالجة تجمع بين هيئة المرأة ورمز السدرة، في صورة تختصر كثيراً من عناصر البيئة والهوية الخليجية.

ولعل أجمل ما في قصة «السدرة» أن فناناً كويتياً وجد في دبي مكاناً يحتضن أحد أعماله في الفضاء العام، لتصبح منحوتته جزءاً من المشهد اليومي للمدينة.

فدبي لم تكن في تلك السنوات تبني الأبراج والطرق والمراكز التجارية فقط، وإنما كانت تسعى أيضاً إلى أن تجعل الفن جزءاً من الحياة اليومية، لا شيئاً محصوراً داخل قاعات المتاحف والمعارض. وربما يمر شخص أمام «السدرة» اليوم من دون أن يعرف اسم صاحبها، أو يعرف أن هذا العمل هو واحد من أعمال أحد أهم رواد النحت في الخليج.

ومن هنا يمكن أن نكتب عن سامي محمد. فالرجل الذي ترك «السدرة» في أحد شوارع دبي لم يكن مجرد نحات كويتي ناجح، وإنما كان واحداً من رواد الحركة التشكيلية الحديثة في الخليج، ومن جيل الفنانين الذين لم يجدوا أمامهم حركة فنية خليجية مكتملة.

فشاركوا بأنفسهم في تأسيسها. ولد سامي محمد عام 1943، وبدأ علاقته بالفن في وقت مبكر، قبل أن تتشكل في الكويت المؤسسات الفنية بالصورة التي نعرفها اليوم.

وفي عام 1967 كان من المؤسسين للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، في مرحلة كانت فيها الكويت تتحول بسرعة إلى مركز ثقافي وفني مهم في الخليج العربي.

كان ينتمي إلى جيل أدرك أن الحركة الفنية لا يمكن أن تقوم على المواهب الفردية وحدها، وإنما تحتاج إلى جمعيات ومعارض ومؤسسات وحضور في المجتمع. ولذلك فإن اسمه يرتبط بتاريخ الفن التشكيلي الكويتي نفسه، وليس بتاريخ النحت فقط.

ذهب إلى القاهرة لدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة، وهناك اتسعت أمامه آفاق المعرفة والاحتكاك بالمدارس الفنية المختلفة. كانت القاهرة في تلك الفترة إحدى أهم العواصم العربية ثقافياً وفنياً، وكان وجود الفنان الخليجي فيها فرصة لاكتشاف عالم أوسع من بيئته المحلية، ثم واصل سامي محمد مسيرته الفنية، مستفيداً من تجاربه ودراساته واحتكاكه بالفنانين في المنطقة وخارجها، حتى بدأ يكوّن لغته الخاصة.

في بداياته كان النحت عنده أقرب إلى الواقعية، واشتغل على الشخصيات الإنسانية والتاريخية، ومن أعماله المبكرة «ابن رشد» و«الخليل بن أحمد»، إلى جانب أعمال ارتبطت بالبيئة الكويتية والبحر وحياة أهلها.

لكنه لم يبق أسيراً للواقعية، إذ بدأ شيئاً فشيئاً ينقل الإنسان من كونه موضوعاً للنحت إلى كونه قضية. وهذه ربما هي الجملة الأهم لفهم تجربته كلها؛ فقد كان يستطيع أن يكون نحاتاً بارعاً في تشكيل الجسد، لكنه اختار أن يجعل الجسد وسيلة للحديث عن الحرية والقهر والألم والمقاومة والكرامة الإنسانية.

ومن هنا جاءت أعمال مثل «المجاعة»، التي تكشف اهتمامه المبكر بمعاناة الإنسان، ثم مرحلة «الصناديق» التي أصبحت واحدة من أبرز المحطات في تجربته. الصندوق عند سامي محمد ليس مجرد شكل هندسي، وإنما رمز للإنسان المحاصر والمكبّل والممنوع من الحركة. إنه سجن رمزي، لكن الإنسان الموجود داخله لا يتخلى عن محاولة الخروج. وقد تحدث الفنان عن هذه الفكرة باعتبارها تعبيراً عن محاولة الإنسان كسر عزلته والخلاص من الأسر والقيود، ورؤية الضوء خارج الصندوق.

وهكذا أصبحت أعمال «الصناديق» أكثر من منحوتات؛ أصبحت استعارة للحياة وللسجن والقهر والحروب وكل ما يجعل الإنسان يعيش داخل حدود لم يخترها. وهذه القدرة على تحويل الشكل إلى رمز هي إحدى أهم نقاط قوة سامي محمد، لأنها جعلت أعماله قابلة للقراءة خارج البيئة التي نشأت فيها.

يستطيع المشاهد الكويتي أن يرى فيها شيئاً من واقعه، ويستطيع المشاهد العربي أن يرى فيها تجربة الإنسان العربي، بينما يستطيع المشاهد في أي مكان آخر أن يتعرف إلى معنى القيد والرغبة في التحرر.

ثم جاءت «صبرا وشاتيلا»، العمل الذي أصبح واحداً من أكثر الأعمال ارتباطاً باسم سامي محمد. كانت مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 واحدة من أبشع مآسي الحرب اللبنانية، لكن الفنان لم يتعامل معها بوصفها حدثاً سياسياً عابراً، وإنما حولها إلى مأساة إنسانية.

وهنا تظهر قوة الفن؛ فالخبر ينتهي، والحدث السياسي يتغير، لكن العمل الفني يستطيع أن يحول المأساة إلى ذاكرة. ولذلك بقيت «صبرا وشاتيلا» حاضرة في تجربة سامي محمد وفي ذاكرة الفن التشكيلي العربي.

ولم تكن أهمية العمل مرتبطة بموضوعه فقط، وإنما أيضاً بما حققه لاحقاً في سوق الفن. فقد بيعت «صبرا وشاتيلا» في مزاد كريستيز في دبي مقابل 65 ألف دولار، وهو رقم يعكس، وإن لم يكن معياراً للقيمة الفنية، مدى الاهتمام الذي حظيت به أعماله في سوق الفن الدولي. كما بيعت منحوتة «لحظة خروج» في كريستيز دبي مقابل 38 ألف دولار، وحققت «الاختراق» 55 ألف دولار.

وهذه الأرقام تستحق التوقف عندها ليس لأنها تحدد قيمة سامي محمد، وإنما لأنها تؤكد أن أعمال فنان خليجي استطاعت أن تجد مكاناً لها في واحد من أهم أسواق الفن العالمية.

وفي «لحظة خروج» تتكرر الفكرة التي نجدها في «الصناديق»: الإنسان الذي يحاول التخلص من القيود والوصول إلى الحرية. وكأن أعمال سامي محمد المختلفة، على الرغم من اختلاف عناوينها وأشكالها.

كانت أجزاء من حوار واحد طويل مع الإنسان؛ الإنسان الذي يتألم، ويُحاصر، ويقاوم، ويحاول الخروج. ولهذا فإن تصنيف تجربته باعتبارها فناً سياسياً أو اجتماعياً فقط لا يعطيها حقها؛ فهي في جوهرها تجربة إنسانية، والسياسة والأحداث بالنسبة إليه كانت مدخلاً إلى الإنسان لا بديلاً عنه.

وهذا يفسر أيضاً كيف استطاع أن ينتقل من موضوعات شديدة الخصوصية إلى موضوعات ذات أفق عالمي. فالعالمية في الفن لا تعني أن يتخلى الفنان عن هويته المحلية حتى يقبله الآخرون، وإنما أن ينطلق من خصوصيته ليصل إلى المشترك الإنساني.

سامي محمد خرج من بيئته الخليجية، وحمل معه ذاكرة المكان والإنسان العربي، ثم صاغها بلغة تشكيلية يستطيع الآخرون فهمها والتفاعل معها. وهذا أحد أهم شروط الفن الذي يتجاوز الحدود.

اقرأ أيضا: 73.9 مليون دولار تمويل إنساني للأردن في 2026…

ومن اللافت في تجربته أنه لم يكن فنان الألم فقط. «السدرة» في دبي تكشف وجهاً آخر له؛ فالفنان الذي نحت «صبرا وشاتيلا» وعالج القيد والقهر في «الصناديق» استطاع أن يرى في شجرة خليجية رمزاً للجمال والمرأة والأرض والجذور والاستمرار.

في «السدرة» لا نرى الإنسان المقهور، وإنما نرى الإنسان المتجذر، ولا نرى السجن وإنما نرى الأرض، ولا نرى الموت وإنما نرى القدرة على البقاء. وهذا الاتساع في تجربته أحد أسباب أهميته.

ولم يكن سامي محمد نحاتاً فقط، فقد اشتغل أيضاً على الرسم والحفر والجرافيك والخزف، وظهرت في أعماله موضوعات مستمدة من البيئة الخليجية، إلى جانب اهتمامه بالجسد الإنساني وحركته وتشريحه.

كما أقيمت له معارض مهمة داخل الكويت وخارجها، وشارك في فعاليات ومعارض عربية ودولية، وحصل على جوائز وتكريمات عدة، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الكويت، وجائزة الإبداع الفني من مؤسسة الفكر العربي عام 2010، كما صمم عدداً من الجوائز والميداليات الرسمية في الكويت.

لكن ربما يكون أهم ما في سيرته أنه كان من جيل التأسيس، ذلك الجيل الذي لم تكن أمامه الطريق التي يجدها الفنان الخليجي اليوم؛ لم تكن هناك شبكة واسعة من المعارض الدولية، ولا سوق فنية خليجية بهذا الحجم، ولا حضور واسع للفن العربي في المزادات العالمية.

كان عليهم أن يبدأوا من الصفر تقريباً، وأن يثبتوا أن للفن مكاناً في مجتمعات تتغير بسرعة. ولذلك فإن سامي محمد لم يضف إلى رصيده الشخصي فقط، وإنما أسهم في بناء الحركة التشكيلية الكويتية والخليجية.

وعندما ننظر اليوم إلى حضور الفن الخليجي في المتاحف والمعارض والمزادات العالمية، ينبغي ألا ننسى أولئك الذين مهدوا الطريق.

فالفنان الذي شارك في تأسيس جمعية فنية في الستينيات، وسافر للدراسة، وخاض تجارب مختلفة، وأصر على تطوير لغته، كان يعمل في ظروف مختلفة تماماً عن الظروف التي يعمل فيها فنانو الخليج اليوم. ولذلك فإن مكانته التاريخية لا تأتي فقط من جودة أعماله، وإنما من موقعه في بدايات التحول الثقافي والفني في المنطقة.

وقد حصل سامي محمد على تقدير واسع داخل الكويت وخارجها، وشاركت أعماله في معارض دولية، كما وصلت إلى مقتنيات خاصة عبر المزادات. وحققت بعض أعماله أسعاراً لافتة في كريستيز دبي، الأمر الذي جعل اسمه معروفاً لدى جمهور أوسع من جمهور الفن الخليجي، لكن الأرقام، مهما بلغت، تظل جزءاً صغيراً من القصة؛ فالسوق يمكن أن يرفع سعر عمل أو يخفضه، لكنه لا يستطيع أن يصنع تاريخاً فنياً من لا شيء.

وربما لهذا السبب تبدو «السدرة» في دبي اليوم أكثر من مجرد منحوتة في شارع. فالمارة قد لا يعرفون قصة الفنان الذي صنعها، وقد لا يعرفون أنها تنتمي إلى واحد من أهم مسارات النحت الخليجي، لكن العمل موجود في مكان عام، يراه الناس في حياتهم اليومية. وهذه هي إحدى أجمل صور خلود الفن؛ أن يتحول العمل من قطعة في معرض إلى جزء من ذاكرة المدينة.

رحل سامي محمد، لكن أعماله لم ترحل معه. بقيت في الكويت، وبقي بعضها في أماكن أخرى من العالم، وبقيت «السدرة» في دبي تذكرنا به كل يوم، وربما كان هذا أفضل ما يمكن أن يتركه فنان وراءه: أن يصبح عمله جزءاً من المكان، وأن يستمر في مخاطبة الناس بعد أن يصمت صاحبه.

ولهذا فإن سامي محمد لا ينبغي أن يُذكر فقط باعتباره «الفنان الكويتي الراحل»، وإنما باعتباره أحد الذين أسهموا في كتابة تاريخ الفن التشكيلي في الخليج. فالفنان قد يغيب، لكن العمل الذي صنعه بيديه يستطيع أن يبقى لعقود، وربما لقرون. وسيظل الحجر، كما أراد له سامي محمد طوال حياته، شاهداً على الإنسان وعلى صاحبه في الوقت نفسه.

اقرأ أيضا: هكذا أصبحت سورية معضلة إستراتيجية لإسرائيل…

‫0 تعليق