13 عاما من النزيف الشعبي والوطني.. نظرة إلى المستقبل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ثلاثة
عشر عاما مرت على أكبر مذبحة شهدتها مصر في تاريخها، والمحصلة شهداء فاضت أرواحهم في
تلك المذبحة، وشهداء أحياء نجوا منها- لكنهم تحولوا بجبروت السلطة من ضحايا إلى
متهمين، جرت محاكمتهم بطريقة هزلية وصدرت ضدهم أحكام أكثر هزلية- ومصابون بأمراض نفسية لهول الصدمة التي تعرضوا لها من
سيوف ظنوها لهم لكنها أثكلتهم، وعشرات الآلاف من الهاربين من جحيم
السجن الكبير الذي كان ولا يزال هو الوطن.

اقرأ أيضا: المراييل تتصدر المشهد.. إقبال الأسر يتزايد قبل العودة إلى مقاعد الدراسة

وفي
المقابل، وطن ينزف، ويئن من ويلات ديون خارجية وداخلية دفعت حكومته لبيع أرضه
ومياهه وحتى سيادته، وشعب يثن من الفقر والغلاء والبلاء، ويبحث عن فرصة للهرب عبر
قوارب الموت، وقوى طفيلية تزداد تطفلا، واستعلاء على الشعب، ومجتمع يتعرض للتفسخ
وانهيار القيم، وانتشار الجريمة.

ثلاثة
عشر عاما لم تطفئ نيران الغضب في الصدور، ولم تُنس أحدا هول الجريمة، ولا صور
الجرافات الأمنية وهي تحصد المصابين والموتى وتلقي بهم في مقالب القمامة، دون أي
اعتبار لكرامتهم الآدمية، ولا لوطنيتهم المصرية، ولا لتحركاتهم السلمية، ولا
لمقصدهم النبيل، وهو التمسك بالديمقراطية والحرية والكرامة، والدفاع عن إرادتهم
وحقهم في اختيار حاكمهم.

لم
ولن ننسَ شهداء رابعة الذين جادوا بأنفسهم مقبلين غير مدبرين دفاعا عما آمنوا به
من مبادئ وقيم دينية ووطنية، لقد ضحوا بأنفسهم من أجلنا جميعا كمصريين لنا الحق في
حياة كريمة، لنا الحق في الحرية والكرامة الإنسانية مثل كل البشر، لنا الحق في
اختيار حكامنا ونوابنا ومساءلتهم كما هو الحال في الدول الديمقراطية. ضحى الشهداء
بأرواحهم، لكن تلك الأرواح لا تزال ترفرف حولنا تحثنا على التمسك بتلك المبادئ
والقيم النبيلة، التي بدونها يفقد الإنسان إنسانيته، ويتنازل بمحض إرادته عن حريته
وكرامته.

لم
ننس شهداء رابعة، ولم ننس مشاهد المذبحة البشعة، لكننا في الوقت نفسه لن نظل أسرى
تلك اللحظة، بل ننظر ونتحرك إلى الأمام سعيا لتحقيق ما استشهد من أجله الشهداء،
وسجن من أجله السجناء، وشرد من أجله المشردون. النظر للأمام ليس خيانة لدماء
الشهداء، لكنه الوفاء لهم، والوفاء للوطن الذي نشرف بالانتماء إليه، هذا الوطن نزف
الكثير منذ تلك المذبحة حتى الآن، وآن لهذا النزيف أن يتوقف.

إلى
جانب الشهداء الذين فارقونا بأجسادهم، يبقى الشهداء الأحياء في السجون، والمنافي
الداخلية والخارجية بحاجة إلى مقاربة تنقذ حياتهم، وتوقف نزيفهم، وتوقف نزيف الوطن
كله معهم. لن يتحقق ذلك إلا من خلال عدالة انتقالية نص عليها الدستور الذي أقسم
جميع المسئولون على احترامه، والذي تلزم مادتُه 241 مجلسَ النواب بإصدار قانون
للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، والمصالحة، وتعويض الضحايا.

كان
من المفترض وفقا للنص الدستوري أن يصدر قانون العدالة الانتقالية في دور التشريع
الأول للبرلمان حتى العام 2020، لكن غياب الإرادة السياسية حال دون صدوره، بل إن
غياب تلك الإرادة أنهى سريعا وزارة الدولة المستحدثة للعدالة الانتقالية التي لم
تكمل عاما، لم تنجز خلاله أي تشريعات أو قرارات تخص مهمتها، وحلت العدالة
الانتقامية محل الانتقالية حتى الآن، ورفضت السلطة العليا كل الأصوات الداعية
لمصالحة وطنية كجزء من الالتزام الدستوري.

المصالحة
الوطنية ليست متعلقة بالنظام فقط، فهو أحد الأطراف، لكن هناك أطرافا عديدة أخرى
مثل القوى السياسية والاجتماعية، والأزهر، والكنيسة، والنقابات المهنية والعمالية،
وجمعيات المجتمع المدني الأخرى، وإذا كان النظام رافضا للمصالحة الوطنية لخوفه من
مآلاتها عليه، فما بال الأطراف الأخرى؟ ولماذا لا تبادر إلى حوار وطني حقيقي بعيدا
عن السلطة لوضع خارطة طريق لإنقاذ الوطن والتوافق على قواعد للتعايش المشترك
والتداول السلمي للسلطة؟ ساعتها سنكون قد قطعنا أكثر من نصف الطريق نحو المصالحة
الوطنية الشاملة، وساعتها ستضغط كل هذه الأطراف ضغطة رجل واحد على السلطة الرافضة،
وساعتها سيظهر من داخل هذه السلطة من يقتنع بتلك الخارطة إلخ.

رهان
السلطة وأنصارها على إبادة فصيل كبير متجذر، وأقصد هنا الإخوان المسلمين وأنصارهمـ
ثبت أنه رهان خاسر، فرغم مرور 13 عاما من القتل والتصفية والحبس والملاحقة
والمصادرة، وحملات التشويه والتحريض، وإنفاق مليارات الجنيهات في سبيل ذلك، إلا أن
الإخوان لايزالون حاضرين في المشهد، لم يغيبوا عنه، غابوا كما غاب غيرهم عن الفعل
المباشر على الأرض، لكنهم ظلوا يملؤون الشاشات والصحف والمواقع التابعة للنظام،
وغيرها من وسائل الإعلام المستقلة أو حتى المعارضة (في إطار حرب لم تنته ضدهم حتى
الآن). الفضل للسلطة نفسها التي تستحضرهم دوما كفزاعة، لكن الناس سخروا من تلك
الفزاعة، وصاروا أكثر قناعة بوجود الإخوان داخل مصر وليس فقط خارجها؛ يصفونهم
بالخلايا النائمة حينا واليقظة حينا، وأنهم يتأهبون لاستلام السلطة فوز انهيار
النظام القائم لأي سبب، هذه هي رواية النظام نفسه وإعلامه ولجانه، وليست رواية
الإخوان الذين يعانون مشاكل داخلية عويصة، لكنها لم تقنع النظام والإعلام أنه نجح
فعلا في القضاء عليهم.

اقرأ أيضا: الأهلي يستعيد محترفه قبل لقاء الأنوار في كأس الملك

بعد
13 عاما لم يستسلم الإخوان رغم جراحهم ومشاكلهم، ولم يستسلم المعتقلون رغم ألمهم،
لكن هذا لا يعني أن نتاجر بهذا الصمود، ولا أن نوقف البحث عن مخرج كريم لهم، صحيح
أن النظام يصم آذانه عن كل نداء للإفراج عنهم، لكن ذلك لا يعني أيضا توقف تلك
الدعوات والضغوط، بل يلزم تصعيدها، وتنويعها. وحسنا فعل أهالي المعتقلين بتأسيسهم
مؤخرا رابطة رسمية لهم، بهدف تنظيم صفوفهم، وتوحيد جهودهم، والتحرك بقضيتهم بشكل
جماعي، في المحافل المصرية والعالمية.

الأسر
التي أسست هذه الرابطة لا تعرف اليأس، وتؤمن بضرورة استمرار الطرق على الأبواب حتى
تفتح، وهي في ذلك تستلهم تجارب عربية وعالمية سبقتهم، وحققت نتائج جيدة، من أمهات
مايو في الأرجنتين عام 1977، وحتى لجان أهالي السجناء في تونس ولبنان مؤخرا. ففي
تونس قادت أسر المعتقلين وأصدقاؤهم مؤخرا الحراك الجماهيري في الشارع للمطالبة
بالإفراج عن ذويهم، واستعادة الديمقراطية. وفي لبنان نجحت ضغوط تلك الأسر في إقناع
البرلمان بإصدار قانون للعفو العام يستفيد منه 11 ألف معتقل بدرجات متباينة. وفي
مصر ينبغي أن تتضافر جهود الجميع مع أسر المعتقلين حتى يتم تبييض السجون تماما من
كل المعتقلين السياسيين.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: “الإدارة المحلية”: 1.5 مليون دينار إضافية لمعالجة بؤر تصريف مياه الأمطار بالكرك

‫0 تعليق