
أثار إلغاء السلطات الإماراتية إقامة آلاف المصريين على أراضيها خلال تواجدهم في إجازاتهم السنوية بمصر، التساؤلات حول سبب الموقف الإماراتي، وما إذا كان نابعا من ضغوط تمارسها أبوظبي على القاهرة لكى لا تنضم إلى “تحالف مكة”، رغم العلاقات الجيدة بين رئيسي نظامي البلدين.
اقرأ أيضا: 13 عاما من النزيف الشعبي والوطني.. نظرة إلى المستقبل
صفحة “مصريون في الإمارات” بموقع “فيسبوك”، وخلال الأيام الماضية عجت بالحديث عن “كنسلة” آلاف الإقامات، الأمر الذي تلقفته مواقع التواصل لتشير إلى أنه في الوقت الذي تلغي فيه الإمارات إقامات مصريين، تواصل سلطات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، منح الشركات والصناديق والمستثمرين الإماراتيين مفاتيح الاقتصاد المصري عبر الاستحواذات التي لا تنتهي بكل قطاعات الدولة.
وكشفت تعليقات المصريين أن الحملة طالت عاملين في شركات كبرى ومدرسين بالإضافة للحاصلين على إقامات من شركات وهمية لا تدفع رواتب بشكل منتظم للمسجلين من خلالها، أو بسبب عدم استيفاء الشركات أو العاملين فيها الأوراق المطلوبة.
اظهار أخبار متعلقة
تلك الإجراءات لم تقتصر، بحسب أصحابها، على العمال وأصحاب الإقامات المرتبطة بعقود العمل، بل طالت في بعض الحالات مستثمرين وأصحاب شركات قائمة داخل الدولة، منهم مستثمر مصري يمتلك شركة في الإمارات، وكانت إقامته مرتبطة بشركته، قبل أن يفاجأ بإلغائها أثناء وجوده خارج البلاد في إجازة.
ووفق متابعة “عربي21″، أعرب مصريون مقيمون في الإمارات عن مخاوفهم من مغادرة البلاد في إجازات، مؤكدين أنهم أجلوا هذه الخطوة، حتى تتضح الصورة بشأن إلغاء الإقامات في بلد يضم 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024، ووصلت قيمة تحويلاتهم المالية 3.6 مليارات دولار العام المالي (2024/2025).
وأوضح مدرس مصري مقيم وعائلته في أبوظبي، أن “الأمر طال أشخاصا يعملون لسنوات ولم يقتصر على من لديهم مخالفات أو لدى الشركات التي يعملون بها”، موضحا لـ”عربي21″، أن “هناك من يؤكد أن تلك القرارات رسمية وصادرة 22 و28 تموز/ يوليو الماضي عن (الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ)”.
وفي حديثهم لـ”عربي21″، يشكو مصريون من “صعوبة الحصول على عقود عمل في الإمارات، وخسارة أموالهم في سبيل الحصول على تأشيرة عمل”، كما تتابع شكاوى بعض من يعملون في الإمارات -خاصة فئات المعمار- من “ضياع حقوقهم المالية، وتعرضهم للخداع والنصب، وسوء المعاملة، من بعض الشركات، والطرد من الأعمال، وعدم تجديد الإقامات، والسجن، والترحيل القسري”.
وفي حين شغل الأمر حيزا واسعا في نقاشات المصريين، وتساؤلات بعضهم وبينهم الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، عن سبب الأزمة رغم وجود نحو 4800 شركة مصرية مسجلة هناك، إلا أن إلغاء الإمارات إقامات مصريين، يأتي “دون أن نسمع أي تعليق من الحكومة أو الإعلام في مصر”، وفق تعبير الناشط المصري المقيم في قطر، أحمد سعد.
اظهار أخبار متعلقة
تزامن يثير الشكوك
وأدى تزامن شكاوى مصريين من “كنسلة” إقاماتهم أثناء إجازاتهم السنوية في مصر، في توقيت تشهد فيه القاهرة تقاربا كبيرا مع أنقرة في الملف الليبي، بما قد لا يتوافق مع توجهات الإمارات، في ملف الجارة الغربية لمصر، والتي تراجعت فيها أدوار أبوظبي مؤخرا، مقابل حضور تركي كبير غربا في “طرابلس” وشرقا في “طبرق”.
كما يجيء التصرف الإماراتي في ظل حديث عن تضارب حول موقف القاهرة من الانخراط في “تحالف مكة” الدفاعي الموقع بين السعودية وتركيا وباكستان 7 آب/ أغسطس الجاري، فبينما تشير التحليلات إلى “تردد مصري” وعدم رغبة في الانخراط بالصراع الإقليمي الحالي وعدم إغضاب أبوظبي، تؤكد مصادر موقع “ميدل إيست آي”، وجود “رفض سعودي” لحضور القاهرة، وسط محاولات تركية لانضمام مصر.
إلى ذلك قطع استقبال وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، وزير خارجية تركيا هاكان فيدان، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، بمدينة “العلمين الجديدة”، الخميس الماضي، الطريق على ما يثار حول خلافات سعودية مصرية، ويؤكد دور تركيا في إذابة تلك الخلافات إن وجدت، ما يقلق بشكل كبير الحليف الأكبر والشريك الاقتصادي الأهم، للسيسي، رئيس الإمارات محمد بن زايد، الذي التقى السيسي، بمدينة العلمين 12 تموز/يوليو الماضي.
وهو الوضع الذي يدفع للتساؤل حول سر هذا الإجراء الإماراتي بحق المصريين المقيمين لديها، وبشأن ما إذا كان للضغط على السيسي، لعدم الدخول في “تحالف مكة”، وتحجيم التعاون العسكري المصري السعودي، ولوقف تقارب القاهرة وأنقرة في الملف الليبي، وغيرها من الأزمات.
معادلة تُخل حسابات أبوظبي
وفي رؤيته، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور ممدوح المنير، لـ”عربي21″: “لا توجد حتّى الآن تصريحات رسمية -وصعب أن توجد– تجزم بأن إلغاء إقامات مصريين بالإمارات يرجع لقرار سياسي من أبوظبي لمعاقبة القاهرة، فضلا عن أنّ حجم الظاهرة أو استهداف الجنسية المصرية دون غيرها لا توجد عليه بيانات موضوعية للجزم بالمسألة؛ لأن الحرب (الإيرانية-الأمريكية) وإغلاق مضيق (هرمز)، أثر سلبا على قطاعات الأعمال بالخليج، مما يستدعي تسريح بعض العمالة”.
وفي حديثه لـ”عربي21″، استدرك: “لكن تعدد الشكاوى، وامتدادها إلى عاملين ومستثمرين وأصحاب شركات، بالتزامن مع تحولات إقليمية كبيرة، يجعل المسألة قابلة للقراءة السياسية”، مشيرا إلى أن “المشهد يشير لإعادة تشكيل شبكة تحالفات المنطقة، و(اتفاق مكة) يحمل ملامح منظومة أمنية تجمع الثقل السياسي والمالي السعودي، والقوة العسكرية والصناعية التركية، والقدرة النووية الباكستانية”.
وأضاف: “وإذا انضمت مصر مستقبلاً لهذه المعادلة، فإن مركز ثقل إقليمياً جديداً سيظهر، ممتداً من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى الخليج وجنوب آسيا، وهو ما يتعارض مع حسابات أبوظبي الإقليمية، فضلا عن التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني والذي وصل أن تتنازل إسرائيل عن بطارية دفاع جوي تحتاجها بالحرب لترسلها مع جنودها لأبوظبي للدفاع عنها”.
ويرى الباحث المصري، أن “وصف موقف مصر باعتباره (رفضاً) نهائياً للاتفاق يحتاج إلى تحفظ، والأرجح أن القاهرة تمارس ما يعرف بأدبيات العلاقات الدولية بـ(التحوط الاستراتيجي) Strategic Hedging، أي تجنب الارتهان لمحور واحد، مع الحفاظ على العلاقة الوثيقة بالإمارات، وتطوير التقارب مع تركيا، وتعزيز التنسيق مع السعودية، فمصر السيسي التي رهنت اقتصادها مبكرا للمعونات الخارجية والخليجية منها خصوصا، لم يعد يتبقى لديها سوى (المساحات الرمادية) في المواقف السياسية بمحاولة يائسة لإمساك العصا من المنتصف لإرضاء جميع الأطراف، لكن هذه السياسة لا تفلح دائما”.
ومن هنا، يرى أن “ربط أي ضغوط إماراتية محتملة حصراً بـ(حلف مكة) يختزل المشهد؛ فالتقارب (المصري–التركي) قد يكون أكثر حساسية من زاوية المصالح الإماراتية، فاقتصاديا وصل حجم تجارة البلدين نحو ٩ مليارات دولار، بينما يستهدف الطرفان ١٥ مليار دولار، بالتوازي مع تعاون عسكري ومباحثات اقتصادية ولوجستية متزايدة”.
اظهار أخبار متعلقة
الدبلوماسية القسرية غير المعلنة
المنير، لفت إلى أنه “بالساحة الليبية والتي كانت لسنوات إحدى ساحات تنافس أنقرة وأبوظبي، كانت القاهرة أقرب إلى الرؤية الإماراتية؛ وانتقال مصر اليوم إلى تنسيق متزايد مع تركيا بشأن توحيد المؤسسات الليبية، والانتخابات، والحل السياسي، يعني أن معادلة إقليمية قديمة بدأت تتغير”.
اقرأ أيضا: المراييل تتصدر المشهد.. إقبال الأسر يتزايد قبل العودة إلى مقاعد الدراسة
وأشار كذلك إلى أن “التباينات بين أبوظبي والرياض، باليمن وحول السودان، وصعود الدور السعودي المستقل، وإعادة توزيع النفوذ بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، عوامل تجعل العلاقة (المصرية–الإماراتية) أكثر تعقيداً، ولذلك فالأنسب وصفها حالياً بأنها (شراكة تنافسية) Competitive Partnership: بمعنى تعاون اقتصادي وأمني كبير، يتوازى مع اختلاف متزايد ببعض الملفات الإقليمية”.
ويعتقد أن “المشكلة بالنسبة للقاهرة أن قدرتها على المناورة ليست مطلقة؛ فقد راكمت الإمارات خلال السنوات الماضية أدوات نفوذ اقتصادية ومالية مهمة داخل مصر، عبر الاستثمارات والاستحواذات والدخول في قطاعات استراتيجية، بينما ترتبط أعداد كبيرة من المصريين بسوق العمل الإماراتية، حيث تشير البيانات المنشورة إلى وجود نحو ٤٨٧٣ شركة مصرية مسجلة في عضوية غرفة تجارة دبي، وهو رقم يكشف حجم التشابك بين الاقتصادين”.
وأوضح أنه “هنا يظهر مفهوم (تسليح الاعتماد المتبادل) Weaponized Interdependence، أي إمكانية تحويل شبكات الاستثمار والتجارة والعمالة والإقامة من أدوات تعاون إلى أدوات ضغط سياسي”، مبينا أنه “لذلك، إذا ثبت لاحقاً أن إلغاء الإقامات يتم بصورة واسعة وانتقائية ضد المصريين فقط، فستصبح فرضية الحديث عن (الدبلوماسية القسرية غير المعلنة)»، أي استخدام أدوات اقتصادية وإدارية لإرسال رسائل سياسية من دون الوصول إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة، هي الأقرب للصحة هنا”.
وخلص المنير، للقول: “جوهر المسألة أوسع من الإقامات أو ليبيا أو اتفاق مكة منفرداً؛ فقد نكون أمام مرحلة إعادة تفاوض على طبيعة العلاقة (المصرية–الإماراتية)، في ظل محاولة القاهرة استعادة هامش للمناورة بين أبوظبي والرياض وأنقرة، بينما تسعى كل قوة إقليمية للحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ في القرار المصري، وهو ما يجعل مصر السيسي مفعولا بها لا فاعلة، في حين أنّ مصر التي نريدها أو نعرفها قائدة وقاطرة لمحيطها العربي، لكنّ الوضع الآن معكوسا بعد تأسسُ قواعد جديدة للعبة السياسية بعد انقلاب ٢٠١٣”.
حضور وسيطرة وتأثير
وتعاظم في السنوات الماضية الحضور الإماراتي بكل مفاصل الاقتصاد المصري، والذي يعد أكثره قيمة مالية سيطرة “القابضة” (ADQ) على أرض “رأس الحكمة”، بمساحة 170.8 مليون متر مربع، وذلك إلى جانب محفظة عقارية لشركتي “سوديك” و”إعمار”، تتعدى 16 مليون متر مربع، مع تملك شركات “الظاهرة” و”جنان” و”NRTC” 270 ألف فدان في توشكى، وشرق العوينات، ووادي النطرون، والصالحية، والمنيا.
اظهار أخبار متعلقة
وللإمارات حضور طاغي بقطاع الموانئ، حيث تدير “موانئ دبي”، محطة الحاويات بميناء العين السخنة، فيما حصلت “موانئ أبوظبي”، على عقود امتياز لتطوير وتشغيل ميناء سفاجا، وموانئ الغردقة، وشرم الشيخ، والعريش، ومناطق لوجستية في بورسعيد والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما سيطرت على شركات ذات أهمية استراتيجية وبحصص حاكمة في “الإسكندرية لتداول البضائع والحاويات”، بنسبة 51.3 بالمئة بين “ألفا أوريكس” و”موانئ أبوظبي”، فيما استحوذت ألفا أوريكس” على حصة 21.5 بالمئة من “أبوقير للأسمدة”، وحصلت (ADQ) على حصة 20 بالمئة من “مصر لإنتاج الأسمدة” (موبكو)، ونالت “ناس للاستثمارات” 90 بالمئة من “سماد مصر” (إيجيفرت).
واستحوذت “جلوبال إنفستمنت هولدنغ” على 30 بالمئة من “الشركة الشرقية للدخان”، ونالت مجموعة “أغذية” (ADQ)، حصة أغلبية في “أبو عوف”، و”أطياب”، وتملكت مجموعة “الغرير”، حصة 70 بالمئة في “القناة للسكر” بالمنيا، كما دخلت “الظاهرة القابضة” بقوة في قطاع الزراعة والألبان والأعلاف.
وتعاظمت الأذرع الاقتصادية الإماراتية في القطاع الطبي والدوائي ومعامل التحاليل، عبر استحواذ “القابضة” (ADQ) عام 2021 على “آمون للصناعات الدوائية”، وسيطرة “أبراج كابيتال” على مستشفيات: كليوباترا، والقاهرة التخصصي، والنيل بدراوي، والشروق، والكاتب، وبدايات، وكوينز، والمركز الطبي الجديد بالإسكندرية، إلى جانب شراكات في مستشفيات دار الفؤاد والسلام الدولي، ومعامل: البرج، المختبر، والبرج سكان.
اقرأ أيضا: الأهلي يستعيد محترفه قبل لقاء الأنوار في كأس الملك
