>> الفلسطينيون يسابقون الزمن لاستخراج جثث ذويهم من تحت الأنقاض.
>> 90 % من الجثامين المنتشلة مجهولة الهوية أو متحللة.. 68 مليون طن حجم الركام فى غزة.. ومؤسسات أممية: يحتوى على مواد مسرطنة
اقرأ أيضا: المنتدى الاقتصادي الأردني يبحث فرص تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية | محليات
>> بعد 136 يوما متواصلة من الحفر والنبش فى آلاف الأطنان من الركام
>> عائلتا أبوشريعة والحساينة تعثران على بقايا بشرية متناثرة لـ112 جثمانا من بين308 جثامين.. والباقى لم يتم العثور عليهم
>> أحمد أبوالعمرين يحاول انتشال كرامة جثامين محت الحربُ تفاصيلها
الألم لحظات قاسية تمر على الإنسان وبعد فترة زمنية تفارقة أو تخف وطأته، لكن فى غزة وحدها الألم والوجع مستمران بين مطرقة الخراب والهدم، وسندان الحنين إلى الحياة المستقرة والأحبّة الذين فقدوا فى حرب تتواصل منذ أكثر من 3 سنوات.
أسفل الركام ما زال مئات القتلى والمصابين وجثث لم يتم التعرف على هويتها، فلا تنتهى حكايات الفقد عند لحظة القصف أو انهيار المنازل، بل تمتد إلى ما بعد ذلك، حين يعود الأهالى إلى أماكن كانت يوما بيوتهم، املا فى استخراج جثث ذويهم، لكن الجثث تغيرت ملامحها بعد تحللها أسفل الركام ،فباتت مشوهة غير معلومة الهوية.
بحثا عن الوجع
الإنسان فى غزة، عاد ليقف أمام منزل لم يبقَ منه سوى كومة من الحجارة والغبار، يحمل فى كل زاوية منها ذكرى وحكاية، وبين الأنقاض، يبدأ رحلة البحث عن أى أثر لمن أحبهم، ينتظر أن يجد ملامح يعرفها، أو علامة تقوده إلى عائلته، لكن حين تنتشل الجثامين من تحت الركام، لا تكون الوجوه كما عرفها، ولا تقدر الملامح على رواية أصحابها.
يحاول التعرف إلى بقايا أحبائه قطعة قطعة، يبحث بين الرماد عن وجه طفل كان يملأ المكان حياة، أو يد أم كانت تمنحه الأمان، أو ملامح أخ شاركه سنوات العمر.
لم تكن تلك لحظات وداع لأشخاص فقط، بل وداعا لبيت كامل، ولذكريات وأيام وأحلام دُفنت تحت الأنقاض. لحظة قاسية تختصر مأساة عائلات كثيرة فى غزة، عائلات لم تجد فرصة لتوديع أحبائها، واضطرت بعد شهور أو سنوات إلى مواجهة جثامين مجهولة الملامح، بحثا عن هوية غابت مع الدمار.
هنا، لا يحاول الناس فقط العثور على رفات من فقدوا، بل يحاولون استعادة أسماء وحكايات وذكريات بقيت عالقة فى قلوبهم، فى انتظار لحظة أخيرة تمنحهم القدرة على القول: لقد وجدناكم.
غياب الملامح
فى الميدان، حيث لا صوت يستطيع تبديد صمت الدمار، يقف أحمد أبوالعمرين وسط مجاميع من الأهالى الذين يواصلون حفر الركام بأيد عارية، لم تعد المهمة مجرد بحث عن أحياء، بل محاولة مضنية لانتشال كرامة جثامين محت الحربُ تفاصيلها.
ينقل أبوالعمرين هذه التجربة الإنسانية المروعة، واصفا حجم الفجوة بين ما كان يُرجى وما آلت إليه الأقدار، ويقول: «كنا نتمسك بيقين خفى بأننا سنعود يوما لنلتقى بأبنائنا بين جدران المنازل، نرقب ركضهم ونسترد معهم الحياة والضحكات، لكن الواقع يقودنا دائما إلى المربع نفسه، الوقوف أمام ركام صامت، والنبش فى أتربة الحجارة بحثا عن خيط أمل أو أثر متبق لمن أحببناهم».

جثث محترقة وعظام
وعن تفاصيل عملية الانتشال المشحونة بالذهول، يقدم أبو العمرين شهادة حية حول المعاناة التى يخوضها الأهالى للتعرف على ذويهم بعد أن غابت الملامح تماما، ويقول: حين نصل إلى الأجساد بعد طول حفر، تصدمنا الفاجعة بأن الملامح لم يعد لها وجود، تحول الأمر إلى محاولات مضنية ومؤلمة يحاول فيها المرء التعرف على أجزاء من ذويه».
ويختتم أبوالعمرين شهادته بالتركيز على البعد الوجدانى قائلا: «فى تلك اللحظات، لا نكون أمام مراسم تشييع معتادة لراحلين نعرفهم، بل نجد أنفسنا نودع حيوات كاملة، نودع البيوت، والذاكرة، وأعمارا سُحقت وتلاشت تحت ثقل الركام».
فرحة لم تكتمل
أبوسعدان، هكذا يعرف بين أقاربه وأهله فى غزة بعد أن ولد ابنه بعد زواج أكثر من 20 عاما لم يرزق خلالها بأولاد حتى جاءته البشرى بحمل زوجته بعد إجرائها بعض الفحوصات الطبية وبعدها ظل ينتظر الشهور حتى ولادة ابنه الذى كان يمثل له فرحة الدنيا وأمله وهو يحاول توفير حياة جيدة من خلال فرصة تعليم مميزة تهيئه فيما بعد لشغل إحدى الوظائف المتقدمة فى الترتيب الوظيفى.
هكذا كان يتخيل ولكنه لم يكن يتصور أن الكيان الصهيونى لم يمهله سوى بضع سنوات يسعد بها بأبنه قبل أن يفارقة للأبد بعد أن تم اغتياله ولم يستطع العثور على جثمانه وهو ما يفسره بقوله: «أطلقت عليه اسم سعدان استبشارا بقدومه بعد انتظاره سنوات طويلة».
ويواصل أبوسعدان: كنت حريصا على اختيار المدرسة بمواصفات معينة، وتعليمه بعض المهارات الإضافية خلال فترات الإجازات الصيفية من علوم الحاسب الآلى لتهيئته لشغل إحدى الوظائف الراقية من خلال تزويده بالعديد من المهارات التعليمية والتثقيفية وكانت تدعم ذلك الحلم سماته الشخصية، حيث كان يتسم «سعدان» بالهدوء وحب العلم والبر بوالديه.
وتابع أبوسعدان: كان «سعدان» يكبر، وكنت أتصور اننى أقترب من تحقيق حلمى بتخرجه وإنهائه لدراسته ولكن كان هناك من قرر إنهاء الحلم وتحويله إلى كابوس وألم لن تمحوه الأيام بعد استشهاده على يد الكيان الصهيونى نتيجة قذف مسكننا والذى خلف عشرات الجثث بعضها ظل أسفل الركام شهورا طويلة محيت فيها ملامحهم وكنا وقتها نتنقل كنازحين من مكان لآخر وبعد السماح بالعودة حرصنا على إخراج الجثث وللأسف كانت جميعا بدون ملامح ولم يستطع أغلبنا التعرف على ذوية.
وتتولى اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية نقل الجثامين للطرفين الفلسطينى والإسرائيلى، وتحث الطرفين على «ضمان التعامل مع الجثامين بكرامة».
جغرافيا الفقد العميق
يروى الصحفى الفلسطينى إسلام حميد مشهدا عاشه بين الأهالى، حيث وقف شاب فلسطينى بعد عامين من الانتظار أمام بقايا جثامين انتُشلت من تحت ركام منزله المدمر، محاولا التعرف إلى أحبائه.
يقول إسلام حميد: «كان المشهد أقسى من كل الكلمات، وقف الشاب أمام ما تبقى من أحبائه، يحاول أن يجد ملامح يعرفها، وجها حفظ تفاصيله، أو علامة تقوده إلى أحد أفراد عائلته، لكنه لم يجد سوى بقايا صامتة».
لا وجوه واضحة، لا ملامح يمكن التعرف إليها بسهولة، فقط آثار إنسانية مختبئة بين الغبار والحجارة، وذكريات لعائلات ما زالت تحمل صور أحبائها كما كانت قبل أن يغير الركام كل شيء.
ويضيف حميد أن هذه اللحظات أصبحت واقعا تعيشه عائلات كثيرة فى غزة، عائلات لم تحصل على فرصة الوداع عندما فقدت أبناءها، ولم تتمكن من إقامة مراسم الفراق فى وقتها، لتجد نفسها بعد شهور أو سنوات أمام جثامين مجهولة الملامح، تحاول أن تستعيد أسماء أصحابها من بين ما تبقى.
«الألم هنا لا يرتبط فقط بفقدان الأحبة، بل بفقدان لحظة الوداع أيضا، هناك عائلات انتظرت طويلا كى تعرف مصير أبنائها، وعندما جاء الجواب جاء محملا بوجع جديد، البحث عن الهوية بين الركام».
112 فلسطينيا بلا ملامح
لم يكن المشهد فى غزة مجرد جنازة جماعية، بل بدا وكأنه اليوم، الذى قررت فيه ذاكرة مدينة كاملة أن تبكى دفعة واحدة، بعد نحو ثلاث سنوات من بقائهم تحت أنقاض رفح، خرجت جثامين 112 شخصا من عائلتى أبو شريعة والحساينة إلى النور للمرة الأخيرة، لتحمل على الأكتاف نحو المقابر، بعدما ظل أصحابها طوال هذه السنوات فى عداد المفقودين، لا يعرف ذووهم أين يرقدون، ولا كيف يودعونهم.

جثامين 120 شهيدا
كان الأهالى يقولون إن الحداد لم يبدأ، لأن الوداع لم يحدث، فالموت، فى الثقافة الفلسطينية، ليس لحظة القتل وحدها، بل لحظة العثور على الجثمان، والصلاة عليه، واحتضان الكفن للمرة الأخيرة، ومواراته الثرى، وكل ذلك تأخر سنوات، اليوم، تحقق جزء من ذلك الوداع.
وراء هذا اليوم تقف رحلة طويلة من البحث المضنى، فبحسب أقارب العائلتين، استغرقت عمليات الحفر والنبش 136 يوما متواصلة، بحثا بين آلاف الأطنان من الركام عن أى أثر للضحايا، لم تكن المهمة انتشال جثامين كاملة دائما، بل فى كثير من الأحيان جمع بقايا بشرية متناثرة، فى محاولة لإعادة أصحابها إلى أسمائهم، وإلى قبور تحمل أسماءهم، بعد سنوات ظلوا فيها حبيسى الأنقاض.
ورغم انتشال 112 جثمانا، فإن المأساة لم تنته، حيث يقول أقارب العائلتين إن ما يقارب 157 جثمانا آخر لا يزال تحت الردم، ينتظر من يعثر عليه، ليحصل أصحابه على ما يعتبره الفلسطينيون أبسط حقوق الإنسان بعد الموت: قبر معلوم، وصلاة، ووداع أخير.
حلم سبق الوداع
عن هذا اليوم الثقيل، تقول الكاتبة الفلسطينية نعمة حسن، وهى من أقارب العائلتين، إن ابنتها استيقظت صباحا وهى تخبرها بحلم رأته قبل ساعات، رأت فيه عمها، الذى بقى تحت الركام منذ سنوات، جاء إليها مبتسما، صافحها وقال لها: «مع السلامة».
ومع حلول المساء، وصلهم نبأ نجاح فرق البحث فى انتشال جثامين عدد من أفراد العائلة الذين ظلوا مفقودين طوال السنوات الماضية، بينهم عم الطفلة وأفراد من أسرته.
تضيف نعمة أن هؤلاء خرجوا اليوم إلى «حرية الموت»، بعد أن ظلوا محرومين حتى من حق الدفن، مشيرة إلى أن رحلة البحث الطويلة لم تكن سوى محاولة شاقة لجمع رفات 112 إنسانا من تحت الركام، فيما لا تزال عشرات الجثامين الأخرى تنتظر من يعثر عليها.
رواية الناجى
الصحفى يوسف فارس نقل شهادة أحد أقارب العائلتين، الذى روى له ما جرى فى ذلك اليوم، مشيرا إلى أنه كان هناك حوالى 300 شخص من رجال العائلة ونسائها وأطفالها يعيشون فى منازل متجاورة داخل مربع سكنى واحد فى رفح، ومع تصاعد القصف، بدأت العائلات تغادر بيوتها، لتجتمع فى مبنى واحد يعود للمختار فتحى أبو شريعة، الذى كان وجوده يمنح أفراد العائلة شعورا بالأمان وسط الفوضى.
ويقول قريب العائلة، كما نقل فارس، إن الجميع اعتقد أن التجمع فى مكان واحد سيكون أكثر أمنا، لكن ذلك المكان تحول إلى مسرح للمجزرة، بعدما تعرض لقصف أدى إلى مقتل من كانوا بداخله، ومنذ ذلك اليوم، لم تستطع كثير من الأسر أن تودع أبناءها، ولم تُرفع صلاة الجنازة، كما لم يُلق التراب على القبور، ولم تجد الأمهات ما يبكينه سوى فراغ البيوت.
ويصف فارس الجنازة بأنها لحظة انفجار البكاء المؤجل، وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى انتظار طويل لهذه الساعات القليلة التى استطاع فيها الأهالى أن يقولوا أخيرا: «وداعا».
جنازة لا تحمل الأجساد فقط
الصحفية يافا أبوعكر رأت أن ما جرى يتجاوز فكرة تشييع أكثر من مئة جثمان، حيث كل نعش يحمل معه بيتا وعمرا كاملا، وذكريات أسرة بأكملها، ولم تكن المقبرة تستقبل ضحايا فحسب، بل تستقبل حكايات انقطعت فجأة، وأمهات عدن للبكاء كما لو أن المجزرة وقعت هذا الصباح.
وترى يافا أن هذه الجنازة أعادت فتح جراح لم تغلق، لأن كثيرا من العائلات لم تعش مرحلة الحداد الطبيعية، حيث بقيت سنوات لا تعرف أين يرقد أحباؤها، أو متى ستتمكن من وداعهم.
أكبر جنازة منذ بداية الحرب
ومن موقع التشييع، وصف الصحفى محمد شلحة المشهد بأنه أكبر جنازة شهدتها غزة منذ بداية الحرب، حيث احتشد آلاف الفلسطينيين لتشييع عشرات الأطفال والنساء والشباب وكبار السن الذين عادوا جميعا فى يوم واحد من تحت الركام.
امتدت صفوف النعوش، وارتفعت التكبيرات والدعوات، فيما اختلطت دموع الأمهات بصمت الرجال، فى مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر المآسى الإنسانية إيلاما، أن يبقى الإنسان سنوات ينتظر العثور على جسد ابنه أو أمه أو أخيه، ليتمكن فقط من دفنه.
وداع لم يكتمل بعد
ورغم انتهاء مراسم دفن 112 جثمانا، لا يشعر ذوو العائلتين بأن الحكاية انتهت، فلا تزال عشرات الجثامين، بحسب أقاربهم، تحت أكوام الركام فى رفح، تنتظر أن يعثر عليها أحد، بينما تستمر العائلات فى إحصاء الأيام، على أمل أن يأتى يوم آخر يشبه هذا اليوم، يعود فيه من بقى تحت الأنقاض إلى الضوء، ولو للمرة الأخيرة.
عندما يتبخر البشر.. اختفاء 308 جثامين
«لم يكن أصعب ما رأيته فى غزة هو الدمار الهائل الذى ابتلع البيوت، ولا رائحة الموت التى بقيت عالقة فى المكان بعد سنوات من القصف، بل ذلك السؤال الذى ظل يتردد فى ذهنى وأنا أقف فوق ركام مربع سكنى كامل: كيف يمكن أن يختفى هذا العدد من البشر؟».
يروى الصحفى المقيم فى غزة، إسلام حميد أن المشهد فى المربع السكنى الذى كانت تقطنه عائلتا أبو شريعة والحساينة بمدينة غزة لا يشبه أى مكان آخر، هنا كانت عشرات العائلات تعيش حياتها اليومية، أطفال يركضون فى الأزقة، وأمهات ينتظرن عودة أبنائهن، وآباء يخططون ليوم جديد، لكن فى 22 نوفمبر 2023، تبدل كل شيء فى لحظات، بعدما دُمر المربع السكنى بالكامل، وتحول إلى جبل من الركام أخفى تحته مئات الأرواح.
ويقول حميد إن المكان ظل صامتا لأشهر طويلة، وكأن الركام يحتفظ بأسراره، إلى أن بدأت طواقم الدفاع المدنى، بين 14 يوليو والأول من أغسطس 2026، عمليات انتشال الضحايا، لم تكن المهمة سهلة، فالإمكانات كانت محدودة للغاية، ولم يتوفر سوى آلية واحدة تحاول شق طريقها بين أكوام الخرسانة والحديد للوصول إلى من بقى تحت الأنقاض.
ويضيف حميد أن رجال الدفاع المدنى لم يكونوا يبحثون عن أجساد فحسب، بل كانوا يحاولون إعادة شىء من الطمأنينة لعائلات أنهكها الانتظار. وكلما ارتفع ذراع الآلية، ارتفعت معه قلوب الأهالى، علها ترى جثمانا ينهى سنوات من المجهول، أو تمنح أسرة فرصة لوداع طال انتظاره، لكن الأرقام كانت أكثر قسوة من أى وصف.
فبحسب البيانات المتداولة حول الموقع، بلغ عدد الضحايا 308 أشخاص، بينهم 44 طفلا دون السادسة عشرة، و37 امرأة، وأكثر من عشرة من ذوى الإعاقة، وبعد أيام طويلة من العمل المتواصل، لم تتمكن فرق الإنقاذ إلا من انتشال 112 جثمانا فقط، أما البقية فلا تزال قصتهم عالقة بين الركام والأسئلة.
فتاة تستخرج جثة والدها بدون ملامح
وينقل حميد عن فرق الإنقاذ وأقارب الضحايا أن شدة الانفجارات والانهيار الكامل للمبانى جعلت عمليات الانتشال فى غاية الصعوبة، وأن ما عُثر عليه فى بعض المواقع اقتصر على بقايا بشرية متناثرة، فى مشهد يعكس حجم الدمار الذى أصاب المكان، غير أن أكثر القصص التى بقيت عالقة فى ذاكرته لم تكن رقما فى قائمة الضحايا، بل حكاية ابنة لم تستطع أن تصدق أن والدها رحل.
يقول إن الفتاة بقيت أربعة وأربعين يوما تتمسك بالأمل، وكانت تردد لكل من حولها أن والدها سيخرج حيا من تحت الركام، وأنه ينتظر فقط من ينقذه، ومع مرور الأيام، بدأ الأمل يذوب أمام صمت المكان، لكنها لم تستسلم.
ابنة تستخرج جثة والدها المتفحمة
حفرت بيديها بين الحجارة، وأزاحت قطع الإسمنت واحدة تلو الأخرى، باحثة عن والدها، لم تكن تتوقع أن تكون نهاية رحلة البحث بهذه القسوة، فبدلا من أن تعثر على والد يحتضنها، وجدت بقايا جسده المتفحم بين الأنقاض، لتتحول لحظة اللقاء التى انتظرتها طويلا إلى واحدة من أكثر لحظات الفقد إيلاما.
ويؤكد حميد أن هذه الحكاية ليست استثناء، بل تمثل جزءا من واقع تعيشه عشرات العائلات التى لا تزال تبحث عن أحبائها، أو تنتظر العثور على ما يثبت أنهم كانوا هنا يوما.
وفى غزة، لا يزال الركام يخفى أكثر من الحجارة، إنه يخفى أسماء، وذكريات، وحكايات لم تكتمل، وعائلات لا تزال تنتظر إجابة عن السؤال الذى يلاحقها منذ سنوات، إذا كان قد انتُشل 112 جثمانا فقط فأين اختفى بقية الـ308؟
وفى 23 يونيو الماضى أعلن الدفاع المدنى بالقطاع انتشال، رفات 40 فلسطينيا من مقبرة الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، وأعادت دفنها بعد نبش قبورها خلال عمليات تجريف إسرائيلية طالت المقبرة أثناء الحرب.
الطواقم المختصة تمكنت من التعرف على هوية عدد من الجثامين وإعادة دفنها بأسمائها داخل المقبرة ذاتها، فيما تعذر التعرف على أخرى بسبب التحلل أو فقدان المعالم المميزة، حيث تم حفظها داخل أكياس خاصة وتوثيقها بأرقام تعريفية قبل إعادة دفنها، من أجل إتاحة إمكانية التعرف عليها مستقبلا فى حال توافرت معلومات أو أدلة جديدة.
وأعلنت المديرية العامة للدفاع المدنى فى غزة، خلال بيان لها فى 18 يوليو، استئناف أعمال البحث وانتشال جثامين الشهداء المفقودين تحت أنقاض المنازل والمبانى المدمرة، ضمن المرحلة الثانية من مشروع انتشال الجثامين.
وقالت المديرية، إن طواقم الدفاع المدنى بدأت تنفيذ المرحلة الجديدة من عمليات البحث فى ظل إمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم الدمار والاحتياجات الميدانية، موضحة أن المعدات المتوفرة للمشروع تشمل آلية حفر واحدة، وجرافة، وشاحنة واحدة، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأوضحت أن المرحلة الثانية من المشروع ستستمر لمدة 800 ساعة عمل، موزعة على محافظات وسط قطاع غزة ومدينة غزة وشمال القطاع، وتستهدف 147 منزلا مدمرا، تشير التقديرات إلى وجود 1.072 جثمانا مفقودا تحت أنقاضها.
وأضافت المديرية أن طواقم الدفاع المدنى تمكنت خلال المرحلة الأولى من المشروع، وبعد أكثر من 500 ساعة عمل متواصلة فى ظروف وصفتها بالبالغة الصعوبة، من انتشال 333 جثمانا ورفاتا من أصل 559 جثمانا كانت مفقودة تحت أنقاض 54 منزلا ومبنى، فيما لم تتمكن من العثور على 226 جثمانا، فى ظل تعقيدات العمل وشح الإمكانات.
وفى بيانها، أشارت المديرية إلى أن فرقها تواصل العمل فى مواقع شهدت دمارا واسعا، من بينها المربع السكنى لعائلتى أبو شريعة والحساينة، الذى تعرض للتدمير خلال الحرب، موضحة أن الموقع شهد استشهاد 308 أشخاص، مؤكدة أن جهاز الدفاع المدنى يواجه ضغوطا إنسانية متواصلة من عائلات وذوى الشهداء المفقودين، الذين ينتظرون منذ فترات طويلة انتشال جثامين أبنائهم ودفنهم وفق الشعائر الدينية، معتبرة أن هذا الحق الإنسانى لا ينبغى أن يبقى معلقا بسبب نقص الإمكانات.
ويؤكد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدنى فى غزة، أن 90% من الجثث التى يتم انتشالها متحللة ومجهولة الهوية، لمكوثها فترة طويلة ملقاة فى الشوارع، من دون أن تتمكن فرق الإسعاف والدفاع المدنى من الوصول إليها وانتشالها، بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية.
انتشال جثة مجهولة الهوية
ويوضح الناطق باسم الدفاع المدنى، أن إسرائيل تواصل تدمير ونقل أنقاض المبانى، وفى تلك الأنقاض ما زالت جثامين آلاف الشهداء عالقة، لافتا إلى أن هناك جثامين لم تتمكن فرق الدفاع المدنى من الوصول إليها، وما زالت تنتظر من ينتشلها ويحفظ كرامتها الإنسانية.
ويؤكد بسام زقوت، مدير الإغاثة الطبية فى غزة، أن الإبادة الجماعية لم تتوقف وإنما تغيرت أدواتها.
ويوضح أن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 8000 مفقود، إما تحت الأنقاض أو جرى اعتقاله من قبل الاحتلال، إضافة إلى عائلات أبيدت بالكامل، دون وجود من يبلغ عن مفقوديها، وكذلك جثث متفحة بدون ملامح وأصبحت مجهولة.
«لم يعد هناك مكان آمن»
ويروى المواطن الفلسطينى نادر عياد أن المشهد فى غزة لم يعد يشبه أى حرب عرفها من قبل، فالموت لم يعد مرتبطا بمكان أو زمان، بل بات يلاحق الفلسطينيين أينما وجدوا، حتى أصبح البحث عن الأمان رحلة بلا نهاية.
ويقول إن صور الجثث المتفحمة، والأجساد التى التهمتها النيران، لم تعد مشاهد استثنائية، بل أصبحت جزءا من يوميات يعيشها السكان، فالقصف لا يقتصر على منطقة بعينها، وإنما يمتد إلى السيارات التى تقل العائلات، والشقق السكنية التى احتمى بها المدنيون، والخيام التى لجأ إليها النازحون، وحتى الطرقات العامة التى يسلكها الناس بحثا عن لقمة العيش أو مكان أكثر أمنا.
ويضيف أن الحياة فى غزة تحولت إلى انتظار دائم لخبر مؤلم أو وداع جديد، وأصوات الانفجارات لا تكاد تتوقف، فيما تتكرر مشاهد الدخان والنيران فى مختلف أنحاء القطاع، لتترك وراءها ضحايا من المدنيين وعائلات فقدت أبناءها ومنازلها فى لحظات.
وتشير الإحصاءات المتداولة إلى أنه منذ استئناف العمليات العسكرية، استشهد أكثر من ألف ومائة شخص، فيما يؤكد نادر أن خلف كل رقم حكاية عائلة، وخلف كل اسم حياة انقطعت فجأة، قائلا إن أكثر ما يؤلمه ليس فقط عدد الضحايا، بل اعتياد الناس على توديع أحبائهم فى كل يوم، حتى بات السؤال الذى يتردد بين السكان ليس: «هل سيتوقف القصف؟»، بل: «من سيكون الضحية التالية؟»
ويوضح أن سكان غزة لم يعودوا يبحثون عن حياة طبيعية، بل عن ساعات قليلة يمر فيها اليوم دون قصف أو فقدان، وأكثر ما يتمناه الآباء هو أن يعود أطفالهم سالمين إذا خرجوا لجلب الماء أو الطعام، فى واقع باتت فيه النجاة أمنية تتجدد مع كل يوم جديد.
آلاف الجثامين المجهولة تنتظر أسماءها
فى أروقة الطب الشرعى بمجمع الشفاء الطبى، هناك حكايات أخرى تبدأ بعد الموت، حين تصل جثامين بلا أسماء، أو تُنتشل من تحت الأنقاض بعد أشهر طويلة، أو تكون متفحمة إلى حد يصعب معه التعرف على أصحابها، وبين هذه الجثامين، يقف الأطباء أمام واحدة من أعقد القضايا الإنسانية التى خلفتها الحرب، فيما لا تزال آلاف العائلات تبحث عن أثر لأبنائها المفقودين.
ويصف مدير مجمع الشفاء الطبى فى غزة، الدكتور محمد أبو سلمية، هذا الملف بأنه «جرح مفتوح ما زال ينزف داخل غزة»، موضحا أن المأساة لا تقتصر على آلاف المفقودين الذين ما زالوا تحت الأنقاض، بل تمتد إلى الجثامين مجهولة الهوية التى تُنتشل تباعا من أماكن مختلفة، أو يعثر عليها حتى أثناء أعمال ترميم المبانى المدمرة، ومنها مجمع الشفاء نفسه.
ويقول أبوسلمية إن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من ثمانية آلاف شهيد ما زالوا تحت الأنقاض، بينما تتواصل عمليات انتشال جثامين أخرى تُنقل إلى أقسام الطب الشرعى، حيث يواجه الأطباء تحديا بالغ الصعوبة فى محاولة التعرف على أصحابها.
ويضيف فى تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن كثيرا من الجثامين وصلت فى أوضاع تجعل التعرف عليها شبه مستحيل، فبعضها متفحم بالكامل، وبعضها تحلل بفعل مرور الوقت منذ اندلاع الحرب، فيما تحمل جثامين أخرى آثار تعذيب، بينها جثامين وصلت من الجانب الإسرائيلى فى إطار عمليات تبادل الأسرى، ولم يُعرف أصحاب عدد كبير منها حتى الآن.
ويؤكد أن غياب الإمكانات العلمية اللازمة، وفى مقدمتها فحوصات الحمض النووى (DNA)، يجعل عملية تحديد هوية الضحايا بالغة التعقيد، حيث يضطر العاملون فى الطب الشرعى إلى الاعتماد على وسائل أولية وبسيطة، مثل الملابس التى كان يرتديها الشهيد، أو علامة مميزة فى جسده، أو المكان الذى عُثر عليه فيه، وهى وسائل لا تكفى فى كثير من الأحيان لحسم هوية الضحية.
ولتجنب ضياع حقوق هؤلاء الشهداء، يوضح أبوسلمية أن دائرة الطب الشرعى والأدلة الجنائية، وبالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تعمل على ترميز كل جثمان مجهول الهوية ومنحه رقما خاصا، مع توثيق جميع البيانات الممكنة، تمهيدا لإجراء مطابقة مستقبلية إذا توفرت فحوصات الحمض النووى.
ويشير إلى أن الجثامين المجهولة دُفنت فى مقبرة مخصصة بمدينة دير البلح، بعد توثيقها وحفظ بياناتها، على أمل أن يأتى يوم تتمكن فيه العائلات من التعرف على أحبائها وإعادتهم إلى قبور تحمل أسماءهم.
إبادة ممنهجة
وحذر المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان من أن قوات الاحتلال الإسرائيلى تنفذ، بمشاركة شركات مدنية إسرائيلية، عملية واسعة وممنهجة لتفتيت ركام الأحياء والمنشآت التى دمرتها فى قطاع غزة ونقله من مناطق سيطرتها العسكرية إلى خارج القطاع، دون حصر معلن للكميات المنقولة أو رقابة مستقلة، وقبل تمكين لجان التحقيق الدولية والمحلية من معاينة المواقع وفحصها وتوثيقها، بما يهدد بطمس أدلة مادية على جرائم الإبادة الجماعية وإتلاف رفات ضحايا لا يزالون فى عداد المفقودين تحت الأنقاض.
وأوضح المرصد الأورومتوسطى خلال بيان فى 3 أغسطس،أن هذه العمليات لا تجرى ضمن جهود إنسانية منظمة لإنقاذ المفقودين أو فتح الطرق أو التمهيد لإعادة الإعمار، بل تنفذها إسرائيل بصورة أحادية داخل مناطق مغلقة تخضع لسيطرتها العسكرية، من خلال هدم ما تبقى قائما من مبان وتفتيت الأنقاض وخلطها ونقلها، قبل تمكين فرق الطب الشرعى والأدلة الجنائية وخبراء الذخائر غير المنفجرة من فحص المواقع وتوثيقها وحفظ ما تحتويه من أدلة ورفات بشرية.
تقرير المرصد الآورومتوسطي
وأشار المرصد الأورومتوسطى إلى أن التقييم الأولى للأضرار والاحتياجات، الصادر بصورة مشتركة عن البنك الدولى والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى فى أبريل 2026، قدّر كمية الركام المنتشرة فى قطاع غزة بنحو 68 مليون طن، استنادا إلى الأضرار المسجلة حتى أكتوبر 2025، بما يعنى أن الرقم لا يشمل بالضرورة ما نجم عن عمليات الهدم والتدمير اللاحقة.
ضياع ملامح الجثث
وكشف المرصد الأورومتوسطى أن نحو 400 آلية للحفر والهدم والتكسير والنقل، تشغّلها شركات مدنية إسرائيلية تحت حماية القوات الإسرائيلية، تعمل فى مناطق مختلفة من شرقى قطاع غزة وجنوبه، حيث تهدم ما تبقى قائما من مبان، وتفتت ركام الأحياء المدمرة وتزيله من مواقعه، ثم تحمّله على شاحنات تنقله بعيدا عن أماكنه الأصلية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، سجل المرصد الأورومتوسطى حركة تقارب 100 شاحنة إسرائيلية يوميّا محملة بالركام إلى خارج قطاع غزة. وتشير المعلومات التى جمعها إلى أن الشاحنات تنقل الركام إلى مواقع غير معلنة داخل إسرائيل، وأخرى جنوبى الضفة الغربية المحتلة، ولم تكشف السلطات الإسرائيلية عن الكميات التى أُخرجت فعليّا، أو مسارات الشاحنات ومواقع تفريغ حمولاتها، أو الجهات التى تتسلمها وأوجه استخدامها، كما لم تسمح بأى رقابة مستقلة على عمليات الفرز والوزن والنقل، بما يجعل تعقب المواد المنقولة واستعادة ما قد تحتويه من أدلة أو رفات بشرية أمرا بالغ الصعوبة.
وشدد المرصد الأورومتوسطى على أن إزالة الركام بهذه الوتيرة وبهذا الأسلوب المنهجى يخفى معالم جرائم مروعة ارتكبتها إسرائيل فى قطاع غزة فى سياق الإبادة الجماعية، لا سيما الجرائم المرتبطة بعمليات الإعدام الميدانى والتصفية الجسدية التى طالت مدنيين عزّلا، والتى تحتاج مواقع ارتكابها إلى معاينة ميدانية وتحقيق جنائى دقيق قبل أى تدخل يزيل معالمها أو يغيّر طبيعتها
قتل غير مشروع
ولفت إلى أنّ الركام المنتشر فى قطاع غزة يضم مواقع محتملة لجرائم قتل غير مشروع وقصف استهدف عائلات بأكملها، إلى جانب مواقع اشتباه بوجود مقابر جماعية أو جثامين مدفونة داخل المنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء والمنشآت المدنية المدمرة.
وبيّن أنّ هذه المواقع تحتوى على أدلة قد تكون حاسمة فى تحديد نوع السلاح المستخدم، واتجاه الهجوم وتسلسله، ومواقع الضحايا والقوات المهاجمة، ومسافة إطلاق النار، وسبب الوفاة وطريقتها، فضلا عن الشظايا والمقذوفات وفوارغ الذخيرة والآثار البيولوجية والمتعلقات الشخصية.
وأكد أنّ سحق الأنقاض وخلطها ونقلها يفصل الأدلة عن سياقها المكانى، ويدمر العلاقة بين أجزاء مسرح الجريمة، ويقطع سلسلة حيازتها، وقد يجعل من المتعذر تحديد مكان العثور عليها أو نسبتها إلى واقعة أو ضحية بعينها، مؤكدا أنه لا يمكن تعويض هذا الضرر بمجرد امتلاك صور جوية أو شهادات لاحقة، لأن التحقيق فى الجرائم الدولية يحتاج كذلك إلى أدلة مادية قابلة للفحص والمطابقة والتحقق القضائى.
ونبه المرصد الأورومتوسطى إلى الخطر المباشر الذى تشكله العمليات على رفات آلاف المفقودين الذين يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، وقدّر الدفاع المدنى فى قطاع غزة عددهم بنحو 8.500 شخص فى يوليو 2026، إذ تم استخدام الكسارات والآليات الثقيلة من دون مسح جنائى وإنسانى مسبق ما أدى إلى سحق الرفات أو تفريقها وخلطها بالركام، وفصلها عن المتعلقات والوثائق التى تساعد على التعرف إلى أصحابها، ثم نقلها إلى مواقع مجهولة قد يستحيل الوصول إليها لاحقا
وبالتالى، فإن إخراج الركام من قطاع غزة أو بيعه أو استغلاله تجاريّا من دون موافقة أصحابه أو تعويضهم عنه قد يشكل، وفق الوقائع والغرض من الاستيلاء، مصادرة غير مشروعة للممتلكات أو نهبا محظورا بموجب القانون الدولى الإنسانى، ولا سيما المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة والقواعد ذات الصلة فى نظام روما الأساسى.






اقرأ أيضا: وزير الخارجية يستقبل نظيرته اليمنية ويؤكد دعم المملكة لأمن اليمن واستقراره
