جيسون أرداي.. أستاذ في كامبريدج شككوا به فمات كمدا | موسوعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أكاديمي بريطاني من أصل غاني، عاش رحلة تعليم شاقة في مقتبل عمره، بعد أن عانى من التوحّد وتأخر النطق وصعوبة التواصل، قبل أن يبرّز في الحياة الأكاديمية ويكون من أصغر من حصلوا على رتبة الأستاذية في تاريخ جامعات أوكسفورد وكامبريدج.

اقرأ أيضا: البنك العربي يواصل رعايته البلاتينية لمهرجان الأردن للعلوم وال…

وجّهت إلى جيسون أرداي اتهامات بالانتحال العلمي وأثير كثير من الجدل بشأن نزاهته الأكاديمية ودقة بعض التفاصيل المرتبطة بسيرته الشخصية والمهنية، لكنه نفى هذه الاتهامات، مقرّا بوجود “أخطاء” في بعض أعماله، وربطها بإصابته بالتوحّد وطبيعة أسلوبه في معالجة المعلومات، مشيرا إلى حملة تضليل وهجوم شخصي عليه يتجاوز مستوى التدقيق الأكاديمي.

دفعت الضغوط جيسون إلى الاستقالة من الجامعة مؤكدا أن استقالته ليست قبولا بالروايات المحيطة به، لكن أثرها على نفسه كان كبيرا، إذ وجد ميتا في لندن يوم 15 أغسطس/آب 2026، مما شكل صدمة في المجتمع الأكاديمي، وأثار نقاشا كبيرا بشأن حدود النقد الأدبي.

المولد والتكوين

وُلد جايسون أتا كوي أرداي يوم 9 مايو/أيار 1985، لأبوين من أصل غاني يعيشان في حي كلافام اللندني.

وبعد إتمامه شهادة “بي تي إي سي” (BTEC)، وهي مؤهل تعليمي ومهني بريطاني يجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي، التحق بجامعة سري (University Of Surrey) لدراسة البكالوريوس في التربية البدنية، ثم واصل مساره الأكاديمي في المجال نفسه، فالتحق بجامعة سانت ماري في لندن، حيث حصل على درجة الماجستير في التربية وعلم أصول التدريس.

وفي المرحلة التالية، انتقل إلى جامعة ليفربول جون مورس، والتحق ببرنامج الدراسات العليا في التربية، ثم واصل دراساته الأكاديمية في الجامعة نفسها حتى نال درجة الدكتوراه فيها عام 2015.

الأستاذ في جامعة كامبريدج جيسون أرداي المصدر موقع جامعة كامبريدج https://news.educ.cam.ac.uk/230223-jason-arday
أرداي يعدّ من أصغر من حصلوا على رتبة الأستاذية في تاريخ جامعات أوكسفورد وكامبريدج (موقع كامبريدج)

رحلة شاقة

لم تكن المسيرة التعليمية لجيسون أرداي اعتيادية، فقد عاش تحديات أثرت في مراحل تكوينه الأولى. ففي سن الثالثة، شُخّص بالتوحد وتأخر النمو العام، لتترافق طفولته مع صعوبات ملحوظة في التواصل واكتساب المهارات الأساسية.

وأثناء سنوات طفولته المبكرة، لم يكن قادرا على النطق، واعتمد على لغة الإشارة للتواصل مع محيطه. كما تلقى جلسات مكثفة لعلاج النطق، إلا أن اكتساب اللغة ظل مسارًا بطيئًا. وفي مواجهة هذه الصعوبات، أدت والدته دورًا محوريًا في تطوير وسائل بديلة لمساعدته على التواصل، من بينها توظيف الموسيقى وكلمات الأغاني في تدريبه على اللغة وربط الكلمات بالمعاني.

وفي الحادية عشرة، بدأ بالنطق بعد سنوات من الاعتماد على لغة الإشارة، إلا أن تطور قدراته اللغوية لم ينهِ الصعوبات التعليمية التي واجهها، فقد استمر في مواجهة تحديات مرتبطة بالقراءة والكتابة، ولم يتمكن من إتقانهما حتى بلغ الثامنة عشرة.

انعكست هذه الصعوبات على التوقعات المتعلقة بمستقبله المهني في تلك المرحلة، إذ أشارت التقديرات التي تلقاها إلى احتمالية اقتصار خياراته المستقبلية على العمل التطوعي. غير أن مساره التعليمي شهد تحولًا تدريجيًا، فقد تمكن من مواصلة دراسته والالتحاق بالتعليم الجامعي، قبل أن ينتقل إلى الدراسات العليا ويحصل على درجة الدكتوراه.

ومع استمرار مسيرته الأكاديمية، انتقل أرداي من مواجهة صعوبات أساسية في اكتساب اللغة والمهارات التعليمية إلى العمل في المجال الجامعي. وقادته هذه الرحلة لتعيينه أستاذا في جامعة كامبريدج.

Jesus College, where black academic Jason Arday was a Fellow, is pictured at the University of Cambridge in Cambridge, eastern England on August 15, 2026.
كلية يسوع في جامعة كامبريدج حيث كان أرداي يدرّس (الفرنسية)

الترقّي الأكاديمي

بعد حصول أرداي على درجة الدكتوراه عام 2015، بدأ مسارا أكاديميا وبحثيا في مجالات العرق والتربية والتنوع العصبي، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى مواقع أكاديمية وقيادية في عدد من الجامعات البريطانية.

ففي جامعة درم، شغل منصب أستاذ مشارك في علم الاجتماع، إلى جانب توليه منصب نائب العميد التنفيذي لشؤون الأفراد والثقافة في كلية العلوم الاجتماعية والصحة، جامعًا بذلك بين العمل الأكاديمي والمهام الإدارية والقيادية.

وفي عام 2021، انتقل إلى جامعة غلاسكو، حيث عُيّن أستاذًا في علم الاجتماع في كلية التربية، ليصبح آنذاك واحدًا من أصغر الأساتذة سنًا في المملكة المتحدة.

وفي مارس/آذار 2023، بلغ مساره الأكاديمي محطة بارزة بتعيينه أستاذًا لعلم الاجتماع في كلية التربية بجامعة كامبريدج. وقد ارتبط تعيينه في هذا المنصب بإنجاز تاريخي، إذ كان -في السابعة والثلاثين- أصغر شخص من ذوي البشرة السمراء يشغل رتبة أستاذ في تاريخ الجامعة وزميلا في كلية يسوع، ومن أصغر من حصلوا على رتبة الأستاذية في تاريخ جامعات أوكسبريدج (أوكسفورد وكامبريدج).

المسيرة المهنية

وإلى جانب مناصبه الأكاديمية في بريطانيا، شغل أرداي منصب أستاذ زائر في جامعة نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا.

وفضلا عن مسيرته الأكاديمية، تولى أرداي عددًا من الأدوار في مؤسسات ومجالس بريطانية تُعنى بالتعليم والمساواة والقضايا الاجتماعية. فقد كان راعيا لمؤسسة محو أمية البالغين (أي إل تي) ومؤسسة “جيت فاذر”، كما سبق أن شغل عضوية مجلس أمناء “رونيميد تراست”، وهي مؤسسة بحثية بريطانية متخصصة في قضايا المساواة العرقية، وذلك مدة 11 عامًا.

وشغل أرداي عضوية مجلس أمناء الجمعية البريطانية لعلم الاجتماع (بي إس أي) و”أوتيزم أكشن”، كما شارك في المجموعة الأكاديمية المرجعية لمرصد العِرق والصحة التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (إن إتش إس)، إلى جانب عضويته في المجلس الاستشاري الثقافي لشبكة “آي تي في”.

الأستاذ في جامعة كامبريدج جيسون أرداي المصدر موقع جامعة كامبريدج https://news.educ.cam.ac.uk/230223-jason-arday
أرداي تولى أدوارا في مؤسسات ومجالس بريطانية تُعنى بالتعليم والمساواة والقضايا الاجتماعية (موقع كامبريدج)

جدل واتهامات

واجه الأكاديمي أرداي، مجموعة من الاتهامات التي أثارت جدلا حول نزاهته الأكاديمية ودقة بعض التفاصيل المرتبطة بسيرته الشخصية والمهنية.

وتمحور الجانب الأبرز من الجدل حول اتهامات بالانتحال العلمي، بعدما زعم الأكاديمي ناثان كوفناس وجود حالات انتحال في بعض أعمال أرداي، بما في ذلك أطروحته التي حصل بها على الدكتوراه من جامعة ليفربول جون مورس، إلى جانب عدد من منشوراته العلمية.

من جهته، نفى أرداي هذه الادعاءات، لكنه أقرّ بوجود ما وصفه بـ”أخطاء” في بعض أعماله، وربطها بإصابته بالتوحّد وطبيعة أسلوبه في معالجة المعلومات، واعتماده على ما أشار إليه بـ”المحاكاة”.

كما أثيرت تساؤلات حول بعض الإنجازات الواردة في سيرته الذاتية، ومن بينها رواية مشاركته في تحدٍّ للجري لمسافة 600 ميل (965 كيلومترا) في ستة أيام، وهي رواية أوضح لاحقًا أن تنفيذها امتد فعليًا إلى 12 يومًا، بما أتاح فترات للراحة.

اقرأ أيضا: لماذا يستحيل فهم الدماغ البشري بالكامل؟ عالمة أعصاب تكشف الأسب…

كذلك أثيرت تساؤلات بشأن ادعائه جمع 5.5 ملايين جنيه إسترليني للأعمال الخيرية، لكنه عندما سئل عنها أوضح أن هذا المبلغ جُمع بالتعاون مع آخرين ومن خلال مجموعات مخصصة لجمع التبرعات.

وامتدّ الجدل إلى تعيينه الأكاديمي في جامعة كامبريدج، حيث أعلنت الجامعة فتح تحقيق مستقل للنظر في الظروف المحيطة بتعيينه أستاذا فيها. كما أعربت رئيسة الجامعة ديبورا برنتيس عن مشاركتها المخاوف التي أثيرت بشأن عملية التعيين.

وفي خضم هذه التطورات، قال أرداي والمقرّبون منه إن ما تعرّض له هو “حملة تضليل” و”هجوم شخصي” متواصل يتجاوز مجرّد التدقيق الأكاديمي. كما أن جامعة ليفربول جون مورس أجرت تحقيقًا سابقًا بشأن أطروحة الدكتوراه التي تقدّم بها، وخلصت إلى أنه لم يرتكب فيها جريمة الانتحال العلمي.

لكنّ أثر الحملة كان كبيرا، فقد وصف أصدقاء أرداي شعوره بأنه “مدمر”، وأن تصريحه بالسفر إلى الولايات المتحدة قد تم إلغاؤه، وبأن حالته كانت “محبطة للغاية”، وبأنه فقد الكثير من وزنه بعد استقالته من كامبريدج.

Members of the public walk past floral tributes to remember academic Jason Arday, attached to the railings outside Senate House in the University of Cambridge in Cambridge, eastern England on August 15, 2026.
أكاليل زهور على سياج مجلس شيوخ جامعة كامبريدج  شرق إنجلترا تخليدا لذكرى الأكاديمي جيسون أرداي (الفرنسية)

الاستقالة والموت كمدا

دفع تصاعد الضغوط على جيسون أرداي إلى الاستقالة من منصبه في جامعة كامبريدج، معللا ذلك بالأثر العميق الذي تركته الاتهامات في نفسه. وجاء في رسالة الاستقالة التي نشرت في 5 أغسطس/آب 2026: “رغم أن النقد جزء لا مفر منه من الحياة الأكاديمية، فإن ما مررت به تجاوز حدود الخلاف العلمي بكثير”، مضيفا: “لقد تركت الاتهامات المتواصلة، والتكهنات، والتعليقات العلنية أثرا عميقا في نفسي وفي نفوس من أحب”.

وأوضح أن “الطريقة الوحيدة لإنهاء هذا الفصل” هي الابتعاد، مؤكدا أنه “لا ينبغي تفسير هذا القرار على أنه فقدان للإيمان بالبحث العلمي أو بالقيم التي قادتني أول مرة إلى كامبردج. كما لا يجوز اعتباره قبولا بالروايات التي أحاطت بي. إنه ببساطة قرار شخص بلغ الحد الأقصى لما يمكن أن يُتوقع من أي إنسان أن يتحمله”. واختتم رسالته بالقول: “أحتاج إلى وقت لأعود فقط إلى نفسي مرة أخرى. وعندما يحين ذلك الوقت، سأعود”.

لكن يبدو أن الضغوط عليه كانت أكبر من أن يعود، ولعل مما زادها تقرير لصحيفة ذي تايمز رجّح أن تكون رسالة الاستقالة نفسها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي.

وبعد عشرة أيام، عُثر على جيسون أرداي ميتا في حي باترسي جنوب لندن، بعد ظهر يوم الجمعة 15 أغسطس/آب 2026، ليغادر الحياة عن عمر ناهر 41 عاما.

وقالت عائلته -في بيان عن دار النشر الخاصة به- إنهم مصابون بصدمة “لفقدان هذا الأب والشريك والأخ والعم والابن الرائع”، مؤكدين أن “حملة التضليل” كانت أكبر من أن يحتملها. ونعاه رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قائلا إن وفاته “مأساة على مستويات عديدة”، ودعا إلى “التفكّر في كيفية وصول الأمور إلى هذا الحد”.

وأثارت وفاة جيسون صدمة في الأوساط الأكاديمية المنقسمة أصلا تجاهه، فضلا عن نقاشات بشأن العنصرية والانتحال الأدبي.

وتوفي أرداي قبل نحو أسبوعين من الموعد المقرر لنشر مذكراته “أمور عظيمة ومؤسفة” (Great And Unfortunate Things) في 27 أغسطس/آب عن دار “سايمون آند شوستر” في المملكة المتحدة، بعد أن كان صدر قبل وفاته بأسبوع الولايات المتحدة.

المصدر: الجزيرة + بي بي سي + وكالة الأنباء الأوروبية

اقرأ أيضا: رسائل واتساب تعيد ديونا عمرها 15 عاما إلى الواجهة.. هل سقطت بالتقادم؟

‫0 تعليق