تفاقم «أزمة المناخ» في ألمانيا.. الحرارة ترتفع لمعدلات «قياسية» وتحركات للمواجهة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


تفاقم «أزمة المناخ» في ألمانيا.. الحرارة ترتفع لمعدلات «قياسية» وتحركات للمواجهة

اقرأ أيضا: أجواء الانتخابات الإيطالية تدفع «ميلوني» للعودة إلى جذورها السياسية

تواجه ألمانيا صيفاً استثنائياً، تتداخل فيه مؤشرات الخطر المناخى، مع ما يبدو حالة من التراجع السياسى والشعبى فى التعامل مع الأزمة، ففى الوقت الذى تضرب فيه موجات الحر القياسية مناطق واسعة، وتندلع حرائق الغابات، وتتفاقم تداعيات الجفاف على الزراعة والصحة، تتراجع الاحتجاجات المناخية بصورة لافتة، فيما تبدو الاستجابة الحكومية «محدودة» مقارنة بحجم التحديات. والمفارقة الأكثر إثارة للقلق، أن آثار التغير المناخى لم تعد تحذيرات نظرية أو سيناريوهات مستقبلية، وإنما تحولت إلى تهديد مباشر للأرواح والاقتصاد والبنية التحتية.

وسلطت «دويتشه فيله» الضوء على هذه المفارقة، مشيرة إلى أن ألمانيا باتت تواجه تداعيات متزامنة لارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه، وحرائق الغابات، فى وقت لم تعد فيه قضية المناخ تحظى بالزخم الشعبى، الذى شهدته البلاد قبل سنوات. ويبرز نهر «الراين» باعتباره أحد أبرز مؤشرات الأزمة، بعدما حذر ناشطون وخبراء من أن انخفاض منسوب مياهه، خلال فترات الجفاف، يهدد حركة النقل النهرى وسلاسل الإمداد، بما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الألمانى.

ويستعيد لارس فيرنر، الناشط السابق فى حركة «الجيل الأخير»، احتجاجات الحركة قبل أربع سنوات، عندما لجأ ناشطوها إلى إغلاق الطرق، للضغط على الحكومة، من أجل اتخاذ إجراءات أكثر قوة لمواجهة تغير المناخ. ويقول إن ما يحدث حالياً لم يكن مفاجئاً، إذ سبق أن حذر من أن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدى إلى انخفاض حاد فى مستويات المياه بنهر «الراين» خلال فصول الصيف الحارة، وهو ما يمكن أن يلحق أضراراً واسعة بالاقتصاد.

ويؤكد «فيرنر» أن حجم المخاطر تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فموجات الحر أصبحت أكثر فتكاً، والجفاف يهدد المحاصيل الزراعية، فيما أجبرت حرائق الغابات قرى على الإخلاء. وفى القطاع الصحى، يواجه المرضى وكبار السن فى المستشفيات ودور الرعاية، مخاطر متزايدة، لاسيما فى المبانى التى لا تتوافر بها أنظمة تكييف مناسبة، لمواجهة الارتفاع الشديد فى درجات الحرارة. ورغم اتساع نطاق التداعيات، لم تعقد الحكومة الألمانية حتى الآن «قمة للحرارة» لبحث تدابير الحماية والاستجابة. ويرى «فيرنر» أن التركيز على إجراءات جزئية، مثل تخفيف القيود المفروضة على حركة الشاحنات يوم الأحد، لا يمكن أن يحل محل استراتيجية متكاملة للتكيف مع آثار تغير المناخ والحد من أسبابه، محذراً من أن التعامل مع الأعراض لن يؤدى إلى معالجة جذور الأزمة.

وفى الوقت نفسه، شهدت حركة الاحتجاج المناخى تحولاً كبيراً. فقد أنهت حركة «الجيل الأخير» احتجاجاتها قبل عامين، بعد تعرض ناشطيها لضغوط اجتماعية وغرامات وأحكام بالسجن، لتنتقل مهمة الضغط على صناع القرار، بدرجة أكبر، إلى حركة «أيام الجمعة من أجل المستقبل» الألمانية. وتنتقد المتحدثة باسم الحركة، ليندا كاستروب، ما تعتبره غياباً لسياسة مناخية فعالة، مشيرة إلى أن الحكومة تطرح ما وصفته بـ«الحلول الزائفة»، مثل تعميق مجرى «الراين»، أو تخفيف القيود على حركة الشاحنات، بدلاً من تبنى إجراءات مستدامة. وتقول إن معالجة تداعيات الأزمة بصورة مؤقتة لا تكفى أمام تغيرات مناخية تتطلب سياسات طويلة الأجل.

ويكشف حجم المشاركة فى الاحتجاجات عن تغير واضح فى المزاج العام. ففى مظاهرة أمام المستشارية الألمانية فى برلين، لم يشارك سوى بضع مئات، فى تناقض صارخ مع عام 2019، عندما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع، للمطالبة بسياسات مناخية أكثر طموحاً، قبل أن تؤدى جائحة «كوفيد-19» إلى تغيير أولويات المجتمعات حول العالم.

ومع ذلك، لا يعنى تراجع الاحتجاج أن المخاوف المناخية اختفت من المجتمع الألمانى. فقد أظهرت دراسة حديثة لمؤسسة «برتلسمان» أن 80% من الألمان يشعرون بالقلق إزاء تغير المناخ، فيما يؤيد أكثر من نصف السكان زيادة الإنفاق الحكومى على حماية المناخ، إلا أن الفجوة بين القلق والمشاركة السياسية المباشرة، تبدو آخذة فى الاتساع.

ويربط سيباستيان هاونس، الباحث فى العلوم السياسية بجامعة «بريمن»، هذا التراجع بمجموعة من العوامل، من بينها صعود قوى سياسية تعارض تشديد سياسات حماية المناخ، وفى مقدمتها حزب «البديل من أجل ألمانيا». كما تغيرت طبيعة الحركة المناخية نفسها، إذ تراجعت التنظيمات الجماهيرية الكبيرة لصالح مبادرات محلية عديدة، تعمل بعيداً عن الأضواء.

اقرأ أيضا: السفير محمد حجازي: نتنياهو يعلم أن بداية السلام قد تعني نهايته السياسية

ويضيف «هاونس» أن الأزمات المتلاحقة أدت إلى منافسة قضية المناخ على اهتمام الجمهور، فقد دفعت جائحة «كورونا» والحرب فى أوكرانيا، القضايا المناخية إلى مرتبة متأخرة، بينما أصبحت الضغوط الاقتصادية مصدر قلق مباشراً للأسر. كما اتجه جزء من الناشطين، الذين كانوا يشاركون فى الاحتجاجات المناخية، إلى قضايا أخرى، من بينها الحرب فى غزة، والتضامن مع الفلسطينيين.

ولا تبدو الحكومة الألمانية بدورها موحدة بشأن المسار المناخى. فقد طرح وزير البيئة، كارستن شنايدر، تعديل القانون الأساسى لجعل حماية السكان من الحرارة مسئولية مشتركة بين الحكومة الاتحادية والولايات والبلديات، إلا أن تحالف «الاتحاد المسيحى الديمقراطى» و«الاتحاد المسيحى الاجتماعى»، أبدى تحفظات على التعديلات المقترحة، بداعى وجود مخاوف قانونية.

وتكشف الخلافات داخل الائتلاف الحاكم عن تباين واضح فى أولويات السياسة المناخية والطاقة. فبحسب نينا شير، المتحدثة باسم سياسة الطاقة فى الكتلة البرلمانية للحزب «الاشتراكى الديمقراطى»، يدفع حزبها باتجاه تسريع التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، لكنها تقر فى الوقت نفسه، بأن الحفاظ على تماسك الائتلاف يفرض أحياناً قبول بعض التراجعات فى السياسات المناخية. وتبرز الخلافات كذلك مع وزيرة الاقتصاد، كاترينا رايشه، التى تميل إلى الاعتماد على الغاز فى مزيج الطاقة، بينما تدافع «شير» عن التوسع فى طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وتؤكد أن الادعاء بأن مصادر الطاقة المتجددة باهظة التكلفة بصورة تحول دون الاعتماد عليها ليس دقيقاً.

وبموجب «اتفاق باريس» وقانون العمل المناخى الألمانى، تلتزم برلين بتحقيق الحياد المناخى بحلول عام 2045، إلا أن تصريحات سياسية حديثة أثارت تساؤلات حول مدى قوة الالتزام بهذا الهدف. فقد قال المستشار فريدريش ميرتس إن ألمانيا لا تستطيع وحدها وقف تغير المناخ، وهو ما تعتبره «شير» رسالة سلبية، لأنها قد تُفهم باعتبارها مبرراً لعدم زيادة الجهود، فى وقت تتطلب فيه الأزمة تحركاً أسرع وأكثر حسماً.

وتختتم «دويتشه فيله» تقريرها بالقول إن الحالة الألمانية تكشف، فى النهاية، عن مفارقة المناخ الأكثر تعقيداً: فكلما أصبحت آثار الأزمة أكثر وضوحاً فى حياة المواطنين لا يعنى ذلك بالضرورة تصاعد الاحتجاجات ضدها. وبينما تضرب الحرارة والجفاف والحرائق قطاعات واسعة من المجتمع والاقتصاد، تتراجع قدرة الشارع على تحويل القلق إلى ضغط سياسى واسع، فى ظل تعدد الأزمات، والاستقطاب السياسى، وتغير أولويات المواطنين، وهو ما يضع برلين أمام اختبار حقيقى لقدرتها على تحويل الالتزامات المناخية، من تعهدات سياسية، إلى إجراءات ملموسة.

اقرأ أيضا: الحكم في إعادة إجراءات محاكمة متهمين بـ«أحداث مذبحة كرداسة».. 14 نوفمبر

‫0 تعليق