أجواء الانتخابات الإيطالية تدفع «ميلوني» للعودة إلى جذورها السياسية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


أجواء الانتخابات الإيطالية تدفع «ميلوني» للعودة إلى جذورها السياسية

اقرأ أيضا: السفير محمد حجازي: نتنياهو يعلم أن بداية السلام قد تعني نهايته السياسية

تدخل رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلونى، مرحلة سياسية بالغة الحساسية، مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، وبروز منافس من أقصى اليمين، يهدد للمرة الأولى باقتطاع جزء مؤثر من القاعدة الانتخابية التى أوصلتها إلى السلطة.

وبعد أربعة أعوام، سعت خلالها إلى تقديم نفسها بصورة أكثر اعتدالاً أمام العواصم الأوروبية، تبدو «ميلونى» مضطرة إلى استعادة نبرة أكثر تشدداً فى ملفات الهجرة والأمن والهوية، فى محاولة لاحتواء منافسة تأتى هذه المرة من داخل المعسكر اليمينى نفسه.

واعتبرت صحيفة «بوليتيكو» أن التحركات الأخيرة لرئيسة الحكومة الإيطالية تعكس أن معركة الانتخابات المقبلة لن تدور فقط بين اليمين واليسار، وإنما قد تتحول إلى صراع داخل اليمين ذاته، على قيادة التيار المحافظ والمتشدد، خاصة مع الصعود اللافت للجنرال السابق وعضو البرلمان الأوروبى، روبرتو فانوتشى، وحزبه «المستقبل الوطنى».

ووفقاً لمعطيات استطلاعات الرأى، فقد تجاوز الحزب أحد شركاء «ميلونى» فى الائتلاف الحاكم، حزب «الرابطة»، واقترب من «فورزا إيطاليا»، ما يضع رئيسة الوزراء أمام تحدٍ مباشر لهيمنتها على اليمين الإيطالى.

وجاءت أزمة الهجرة الأخيرة فى مدينة «سبتة» الإسبانية لتمنح «ميلونى» فرصة لإعادة تصدر المشهد بخطاب أكثر صرامة. فقد كانت حكومتها أول حكومة فى الاتحاد الأوروبى تهاجم مدريد على خلفية التدفق المفاجئ للمهاجرين من المغرب إلى الجيب الإسبانى، فى وقت اكتفت فيه دول أوروبية أخرى بتشديد إجراءات الرقابة الحدودية. وذهبت روما إلى أبعد من ذلك، فأعلنت تعليق تطبيق قواعد حرية التنقل الأوروبية «شنجن» مع إسبانيا، وخصصت المطارات الإيطالية مسارات منفصلة للمسافرين القادمين من إسبانيا.

وأصر مكتب «ميلونى» على استمرار إجراءات الرقابة لعدة أسابيع على الأقل، ما أدى إلى تصعيد الخلاف مع مدريد، التى ردت بفرض إجراءات تفتيش على المسافرين القادمين من إيطاليا. وفى خضم المواجهة، أعلنت «ميلونى» أن حكومتها «لن تتراجع ولو مليمتراً واحداً» فى مواجهة الهجرة غير الشرعية، مؤكدة أن حماية الحدود، ومكافحة مهربى البشر، وضمان عمليات إعادة فعالة للمهاجرين، ستظل من الثوابت الأساسية لسياستها.

ولا تبدو لهجة «ميلونى» الجديدة منفصلة عن التحولات داخل المعسكر اليمينى، إذ يخوض «فانوتشى» معركته السياسية على أساس خطاب أكثر تشدداً فى قضايا الأمن والهجرة، ويطرح مفهوم «إعادة الهجرة» كحل أكثر جذرية، يقوم على تشجيع المهاجرين على العودة إلى بلدانهم الأصلية، رغم عدم تقديم تفاصيل نهائية بشأن كيفية تنفيذ هذا التصور.

وتزداد حساسية المنافسة بالنسبة إلى «ميلونى» بسبب خلفيتها السياسية نفسها؛ فقد بدأت مسيرتها فى الجناح الشبابى للحركة اليمينية الإيطالية، التى نشأت فى مرحلة ما بعد «الفاشية»، قبل أن تقود حزب «إخوة إيطاليا» إلى السلطة عام 2022. ويرى ماركو تاركى، أحد أبرز الباحثين فى اليمين الإيطالى، أن صعود «المستقبل الوطنى» يدفع «ميلونى» إلى تشديد خطابها، أكثر مما يدفعها إلى تغيير جوهر سياساتها، إذ لا تزال قضايا الأمن والهجرة والهوية تمثل جوهر الصراع السياسى داخل اليمين.

وخلال الحملة التى أوصلتها إلى رئاسة الحكومة، تعهدت «ميلونى» باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف الهجرة غير النظامية، من بينها إقامة حصار بحرى قبالة السواحل الإيطالية، وهو مشروع لم يرَ النور، بينما اتجهت حكومتها إلى إنشاء مراكز فى ألبانيا لإيواء المهاجرين، أثناء دراسة طلبات اللجوء، فى خطوة أثارت جدلاً داخل إيطاليا وأوروبا.

ومثلت أزمة «سبتة»، التى عبر خلالها عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى الجيب الإسبانى، وأسفرت عن وفاة نحو 100 شخص، فرصة سياسية لرئيسة الحكومة الإيطالية لإعادة التأكيد على أن ملف الهجرة لا يزال يحتل موقع الصدارة فى أجندتها. ويرى جورجيو جورى، عضو البرلمان الأوروبى عن الحزب «الديمقراطى»، المنتمى إلى يسار الوسط، أن تحرك «ميلونى» تحكمه بدرجة كبيرة حسابات داخلية، بهدف الحفاظ على جمهورها، وإثبات استمرار وفائها للخطاب اليمينى بشأن الهجرة والقضايا المرتبطة بها.

اقرأ أيضا: الحكم في إعادة إجراءات محاكمة متهمين بـ«أحداث مذبحة كرداسة».. 14 نوفمبر

ويعتقد جيوفانى أورسينا، مدير قسم العلوم السياسية بجامعة «لويس جيدو كارلى» فى روما، أن الهدف الأساسى لـ«ميلونى» حالياً هو منع حزبها «إخوة إيطاليا» من خسارة أصوات لصالح «فانوتشى»، خاصة أن الانتخابات المقبلة قد تفتح الباب أمام تحالفات جديدة داخل اليمين. ويزداد القلق مع تسجيل «المستقبل الوطنى» أكثر من 7% فى استطلاعات الرأى، وفق لورينزو بريلياسكو، من مؤسسة «يو ترند»، بعد نمو سريع خلال الشهرين الماضيين، وهى نسبة يمكن أن تؤثر بصورة حاسمة فى نتائج الانتخابات.

ويقول «بريلياسكو» إن هذه الأصوات قد تكون الفارق بين فوز اليمين وخسارته، معتبراً أن غياب «فانوتشى» كان سيجعل المشهد الانتخابى أكثر وضوحاً لصالح يمين الوسط، بينما أدى صعوده إلى إعادة توزيع الأصوات داخل المعسكر نفسه.

ورغم ذلك، ينفى نيكولا بروكاتشينى، أحد أبرز حلفاء «ميلونى»، والرئيس المشارك لمجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، أن تكون رئيسة الوزراء قد غيّرت مواقفها بسبب منافسها الجديد. ويؤكد أنها «تقف حيث وقفت دائماً»، وأن صورتها المتطرفة، التى حاول خصومها رسمها عند وصولها إلى السلطة، لا تعكس، من وجهة نظره، مواقفها الحالية.

لكن المنافسة لا تقتصر على ملف الهجرة، فالحرب فى أوكرانيا تمثل نقطة اختلاف أكثر وضوحاً بين الطرفين. فبينما حافظت «ميلونى» على موقف داعم لكييف، يدعو حزب «الرابطة» و«فانوتشى» إلى تخفيف الموقف من موسكو، ويعارضان استمرار المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعى. ومع ذلك، ظل الدعم الإيطالى لكييف محدوداً نسبياً، إذ بلغت مساهمات روما نحو 3 مليارات يورو خلال أربعة أعوام، كما لم تنضم إلى برنامج حلف شمال الأطلسى «الناتو» لتنسيق شراء الأسلحة لأوكرانيا.

ولا يستبعد حلفاء «ميلونى» إمكانية التحالف مع «فانوتشى» مستقبلاً، لكنهم يربطون ذلك بموقفه من السياسة الخارجية. فإذا اتجه نحو الاصطفاف مع روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، فلن يكون التعاون ممكناً، أما إذا أكد التزامه بالمعسكر الغربى والديمقراطيات الليبرالية، فقد يصبح التحالف خياراً مطروحاً.

وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إن «ميلونى» وجدت نفسها أمام معادلة سياسية دقيقة، الحفاظ على صورتها الأوروبية المعتدلة من جهة، ومنع منافس يمينى صاعد من استنزاف قاعدتها الانتخابية من جهة أخرى. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابى، يبدو أن تشديد خطاب الهجرة والأمن يتجاوز كونه تحولاً فى اللهجة السياسية، ليصبح معركة مفتوحة على هوية اليمين الإيطالى، ومن يملك حق تمثيله وقيادته فى المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا: أفغانستان تتذوق الأمن بعد نصف قرن.. والشعب يدفع ثمن «عزلة دولية»

‫0 تعليق