تفرض علينا بشاعة بعض الجرائم التى نشهدها فى الآونة الأخيرة أن نتوقف ونسأل: ماذا يحدث فى المجتمع؟ وأين دور الإعلام فى مواجهة هذه الظواهر قبل أن تتحول الجريمة إلى مشهد معتاد؟
اقرأ أيضا: زفاف بعيدًا عن الأضواء.. تفاصيل حفل كريستيانو رونالدو وجورجينا في البرتغال
وقد هزت الرأى العام مؤخراً جريمة مروعة، حين قُتل رجل وزوجته وابنتاه، وكان المتهم صديقاً للمجنى عليه، فى واقعة صادمة تجاوزت حدود الجريمة إلى سؤال أعمق حول القيم الإنسانية، وكيف يمكن أن يتحول الطمع أو الانتقام إلى هذا القدر من التجرد من الرحمة.
هذه الجريمة أعادتنى إلى عام 1989، عندما كنت مخرجاً لبرنامج «حكمت المحكمة» فى التليفزيون المصرى، وهو برنامج كان ينقل للمشاهد جانباً مما يدور فى ساحات المحاكم. اقتربت وقتها من قضايا كثيرة وشاهدت نماذج مختلفة من الجرائم. وبالتأكيد كانت الجريمة موجودة، وكانت هناك جرائم خطيرة، لكننى لا أتذكر أننا كنا نواجه بهذا التكرار تلك الصور الصادمة من القسوة التى نسمع عنها اليوم.
والأمر لم يعد يقتصر على الجرائم التقليدية، فقد ظهرت جرائم مستحدثة ارتبطت بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى. أصبح الهاتف المحمول أحياناً أداة للجريمة، فمن خلاله يحدث التهديد والسب والقذف والتشهير والابتزاز، وتُنتهك الخصوصية، وقد تُدمر سمعة إنسان وأسرة كاملة بضغطة زر.
وهنا يأتى دور الإعلام.
فالإعلام ليس مطلوباً منه فقط أن يصل إلى مسرح الجريمة بعد وقوعها وينقل تفاصيلها، وإنما أن يصل إلى عقل الإنسان قبل وقوعها.
ومن أخطر الظواهر أن تتحول الجرائم إلى «تريند»، وأن يدخل البعض فى سباق لنشر الصور والتفاصيل والتسجيلات بحثاً عن المشاهدات. فهناك فارق كبير بين حق المجتمع فى المعرفة وبين تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة للفرجة والإثارة.
كما أن مواقع التواصل ليست محاكم، والإعلام ليس جهة تحقيق، ولا يجوز أن نصدر أحكاماً قبل أن تقول جهات التحقيق والقضاء كلمتها.
نحن بحاجة إلى إعلام يشرح للناس خطورة الجرائم الإلكترونية، ويعلم أبناءنا أن الحساب الإلكترونى ليس منطقة خارج القانون، وأن التهديد والسب والقذف والتشهير والابتزاز ليست مجرد «خناقة على السوشيال ميديا»، وإنما هى أفعال يعاقب عليها القانون.
ونحتاج كذلك إلى برامج تستضيف رجال القانون وعلماء النفس والاجتماع وخبراء التكنولوجيا، لا لكى يعيدوا سرد تفاصيل الجريمة، وإنما ليجيبوا عن السؤال الأهم: لماذا حدثت وكيف نمنع تكرارها؟
اقرأ أيضا: سعر ومواصفات redmi k100 pro max.. بطارية ضخمة وكاميرا 200 ميجابيكسل
كما تتحمل الدراما مسؤولية كبيرة؛ فليس المطلوب إخفاء الجريمة من الأعمال الفنية، وإنما تقديمها دون أن يتحول المجرم إلى بطل، أو تصبح البلطجة مرادفاً للقوة، أو يخرج الشاب معجباً بالمجرم أكثر من رفضه لجريمته.
إن مكافحة الجريمة ليست مسؤولية الشرطة والقضاء وحدهما؛ إنها مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من تجربتى فى «حكمت المحكمة»، أرى أن الجريمة تغيرت وتطورت أدواتها، ولذلك يجب أن تتطور وسائل مواجهتها.
نحتاج إلى إعلام يكشف دون أن يفضح، ويحذر دون أن يرعب، ويناقش دون أن يحرض، ويحترم القضاء، ويحمى الضحية، ولا يصنع من المجرم نجماً أو بطلاً للتريند.
فنجاح الإعلام ليس فى أن يكون أول من يصل بالكاميرا إلى مسرح الجريمة، وإنما أن يصل إلى عقل الإنسان وضميره قبل أن يتحول الغضب أو الطمع أو الانتقام إلى جريمة.
وهنا تبدأ مسؤولية الإعلام الحقيقية.. قبل أن نعتاد البشاعة.
اقرأ أيضا: انتفاخ غريب في وجه ورقبة عازف أثناء الحفل.. ما التفسير الطبي؟
