تتجه الهند إلى زيادة إنتاجها المحلي من غاز البترول المسال المستخدم في الطهي، في خطوة تستهدف تعزيز أمن الطاقة وتقليل تداعيات اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى تعطيل حركة شحنات الوقود عبر المنطقة، ولا سيما مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
اقرأ أيضا: الدغيدي تتابع رفع كفاءة الأداء المؤسسي لرعاية بورسعيد -جريدة المال
وبحسب رويترز، حددت الحكومة الهندية سقفًا يوميًا لإنتاج غاز البترول المسال يبلغ 63,810 أطنان مترية لمصافي التكرير الحكومية والخاصة، بهدف ضمان توافر إمدادات كافية للسوق المحلية وتكوين مخزونات احتياطية تحسبًا لاستمرار اضطرابات الإمدادات العالمية، وفق أمر حكومي صدر في 13 أغسطس.
اعتماد مرتفع على واردات الشرق الأوسط
وتكشف الخطوة عن حجم المخاطر التي تواجهها منظومة الطاقة الهندية، بعدما كانت البلاد تحصل على نحو 90% من وارداتها من غاز الطهي من منطقة الشرق الأوسط قبل اندلاع الحرب وتعطل الإمدادات منذ مارس نتيجة الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز.
ويعد غاز البترول المسال من أهم أنواع الوقود بالنسبة للسوق الهندية، إذ يعتمد عليه قطاع واسع من الأسر في الطهي، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في تدفقاته الخارجية مصدر ضغط مباشر على الحكومة والأسواق والمستهلكين.
وتحاول نيودلهي من خلال رفع الإنتاج المحلي تقليص تعرض السوق لصدمات الإمدادات الخارجية، بالتزامن مع بناء مخزونات توفر هامش أمان في حالة استمرار التوترات الجيوسياسية أو تزايد صعوبات النقل البحري.
وتتضمن الإجراءات الحكومية تحديد أهداف إنتاجية لكل شركة تكرير تعمل في السوق الهندية، إلى جانب إلزام الشركات بتوفير البنية التحتية اللازمة لتخزين ونقل غاز البترول المسال بالكميات المطلوبة.
وتشمل هذه المتطلبات استخدام السكك الحديدية وشاحنات نقل الغاز لضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق المحلية، في ظل المخاطر التي تواجه حركة الشحن البحري القادمة من الشرق الأوسط.
وتستهدف الحكومة من خلال هذه الإجراءات رفع قدرة منظومة الطاقة المحلية على التعامل مع اضطرابات الإمدادات، وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على الواردات في تأمين احتياجات السوق.
وحددت الحكومة الهندية مستهدفات منفصلة لعدد من شركات التكرير، من بينها ريلاينس إندستريز، التي كُلفت مصفاتها الموجهة للسوق المحلية بإنتاج نحو 18 ألف طن من غاز البترول المسال يوميًا.
ويأتي رفع إنتاج المصافي المحلية كأحد البدائل الرئيسية لتعويض جزء من الإمدادات التي كانت تحصل عليها الهند من الخارج، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة التجارة والطاقة في منطقة الشرق الأوسط.
كما تشمل الخطة شركات حكومية عاملة في قطاع النفط والغاز، من بينها مؤسسة النفط والغاز الطبيعي «ONGC» وأويل إنديا، في إطار توزيع مستهدفات الإنتاج على مختلف مكونات صناعة الطاقة المحلية.
وتعتزم الحكومة الهندية تحديث مستهدفات الإنتاج في شهري يناير ويوليو من كل عام، بما يسمح بمراجعة الكميات وفقًا لتطورات الإنتاج المحلي وإضافة أي طاقات إنتاجية جديدة إلى المصافي القائمة.
ويمنح هذا النظام نيودلهي قدرة أكبر على الاستجابة لتغيرات سوق الطاقة، سواء من ناحية ارتفاع الطلب المحلي أو زيادة قدرات الإنتاج أو تغير ظروف الاستيراد العالمية.
كما يشير إلى أن تعزيز إنتاج غاز البترول المسال لا يُنظر إليه باعتباره إجراءً مؤقتًا لمواجهة الأزمة الحالية فقط، وإنما جزءًا من سياسة أكثر مرونة لإدارة أمن إمدادات الطاقة.
أظهرت أزمة الإمدادات الأخيرة مدى حساسية الاقتصاد الهندي تجاه اضطرابات ممرات الطاقة العالمية، خصوصًا مضيق هرمز الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز بين الشرق الأوسط والأسواق الآسيوية.
وبالنسبة للهند، فإن الاعتماد الكبير على واردات غاز البترول المسال من المنطقة جعل أي اضطراب في حركة الملاحة عاملًا مباشرًا يمكن أن يؤثر في توافر الوقود وتكلفته داخل السوق المحلية.
ومن ثم، فإن زيادة الإنتاج المحلي تمثل وسيلة لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الإمدادات الخارجية، حتى مع استمرار حاجة الهند إلى الاستيراد لتغطية جانب من الطلب المحلي.
اقرأ أيضا: وشوشة” يكشف تفاصيل شخصية فدوى عابد في فيلم “فرصة سعيدة
أمن الطاقة يتقدم على حسابات الاستيراد
وتعكس الإجراءات الجديدة تحولًا في أولويات سياسة الطاقة الهندية، إذ أصبحت الحكومة أكثر اهتمامًا بتأمين الإمدادات وبناء احتياطيات قادرة على امتصاص الصدمات، بدلًا من الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.
ويعني ذلك أن الاستثمار في الإنتاج المحلي ومرافق التخزين والنقل بات يمثل عنصرًا أساسيًا في استراتيجية نيودلهي للطاقة، خصوصًا مع تزايد المخاطر المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
كما يمكن أن تمنح زيادة الإنتاج المحلي الحكومة قدرة أكبر على إدارة السوق في فترات نقص الإمدادات العالمية، وتقليل احتمالات تعرض المستهلكين لاضطرابات حادة في توافر غاز الطهي.
وتأتي التحركات الهندية في وقت تعيد فيه دول آسيوية عدة تقييم اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية، بعدما أظهرت الحرب في الشرق الأوسط أن الاضطرابات الجيوسياسية يمكن أن تنتقل سريعًا من ساحات الصراع إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
ولا يقتصر تأثير الأزمة على أسعار النفط الخام، بل يمتد إلى المنتجات المكررة وغاز البترول المسال، ما يفرض على الدول المستوردة إعادة النظر في مستويات المخزون وقدرات الإنتاج المحلية ومصادر الاستيراد.
وبالنسبة للهند، فإن تعزيز الإنتاج المحلي يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تحقيق توازن بين الاستيراد والإنتاج الداخلي، مع الاحتفاظ بمخزونات كافية للتعامل مع الأزمات المفاجئة.
ومن المتوقع أن تواصل نيودلهي مراقبة تطورات سوق الطاقة العالمية وقدرتها على تأمين واردات غاز البترول المسال، بالتوازي مع تنفيذ المستهدفات الجديدة للمصافي المحلية.
وتعكس الخطة في مجملها إدراك الحكومة الهندية لحجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد المرتفع على منطقة واحدة لتأمين سلعة استراتيجية، خصوصًا عندما تكون طرق نقلها البحرية عرضة للاضطرابات.
وبذلك، تسعى الهند إلى بناء منظومة أكثر قدرة على تحمل صدمات الطاقة من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع قدرات التخزين والنقل، وتعزيز مرونة المصافي، بما يحد من تأثير اضطرابات الشرق الأوسط على سوق غاز الطهي والاقتصاد الهندي بشكل عام.
اقرأ أيضا: محمد توفيق رئيسًا لتحرير “وشوشة”.. وخطة جديدة لتطوير المنصة وإعادة إصدار المجلة
