هل الولايات المتحدة مستعدة لرئيسة باسم ألكسندريا أوكاسيو ـ كورتيز؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تتزايد التكهنات في الولايات المتحدة بشأن
احتمال خوض النائبة الديمقراطية ألكسندريا أوكاسيو ـ كورتيز سباق الرئاسة عام
2028، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة من صوت يساري صاعد في الحزب الديمقراطي
إلى واحدة من أكثر الشخصيات السياسية شهرة وتأثيرا في البلاد. ومع تصاعد نفوذ
التيار التقدمي وتراجع الثقة بالمؤسسة الحزبية التقليدية، يبرز السؤال: هل تكون
أوكاسيو ـ كورتيز مرشحة قادرة على استثمار هذا التحول، أم أن الطريق إلى البيت
الأبيض لا يزال محفوفا بعقبات سياسية وانتخابية كبيرة؟

اقرأ أيضا: سامي الجابر ينتقد انتخابات اتحاد الكرة السعودي: «لا توجد شفافية.. ونحتاج إلى خريطة واضحة»

هذا السؤال هو محور تقرير مطول نشرته صحيفة “الغارديان”البريطانية للكاتب ديفيد سميث من واشنطن، تحت عنوان: “هل الولايات المتحدة
مستعدة للرئيسة ألكسندريا أوكاسيو تع كورتيز؟”، تناول فيه تصاعد الحديث عن
طموحات النائبة الديمقراطية واحتمالات ترشحها في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

“طموحي أكبر
بكثير من منصب”

في أيار/مايو الماضي، وقفت أوكاسيو ـ كورتيز
أمام جمهور في كنيسة روكفلر التذكارية بجامعة شيكاغو، وردت على سؤال بشأن طموحاتها
السياسية بعبارة فتحت الباب أمام موجة جديدة من التكهنات.

وقالت إن البعض يفترض أن طموحها يتعلق بمنصب
أو لقب أو مقعد، لكنها أكدت أن طموحها “أكبر بكثير من ذلك”، ويتمثل في
تغيير الولايات المتحدة.

ورغم أنها لم تعلن رسميا نيتها الترشح
للرئاسة، فإن سلسلة تحركاتها خلال الأشهر الماضية جعلت احتمال خوضها السباق
الرئاسي لعام 2028 أكثر حضورا في النقاش السياسي الأميركي.

ويشير تقرير “الغارديان” إلى أن
أنصارها وخصومها على السواء بدأوا يتساءلون عما إذا كانت الظروف السياسية تتجمع
لصالحها، خصوصا في ظل حالة السخط على المؤسسة السياسية التقليدية، بما فيها قيادة
الحزب الديمقراطي، ورغبة قطاعات من الناخبين في ظهور قيادة جديدة.

وكانت أوكاسيو-كورتيز قد أكدت في أيار/مايو
أنها لا تستبعد الترشح لمنصب أعلى، لكنها لم تقدم التزاما بخوض سباق بعينه.

استطلاعات تضعها في صدارة مبكرة

أحد أبرز المؤشرات التي تغذي الحديث عن ترشح
أوكاسيو ـ كورتيز هو ظهورها في استطلاعات مبكرة لسباق الديمقراطيين.

ففي استطلاع “غرانيت ستيت” الذي
أجراه مركز المسح في جامعة نيوهامبشاير ونُشرت نتائجه في 22 تموز/يوليو 2026، جاءت
أوكاسيو ـ كورتيز في صدارة قائمة المرشحين الديمقراطيين المحتملين للانتخابات
التمهيدية الرئاسية في الولاية، متقدمة بفارق محدود على وزير النقل السابق بيت
بوتيجيج. وأوضح المركز أن دعمها يأتي بصورة كبيرة من الاشتراكيين والتقدميين،
بينما يتوزع دعم بوتيجيج بصورة أكثر توازنا بين التقدميين والليبراليين والمعتدلين.

ولا يعني ذلك أن أوكاسيو ـ كورتيز أصبحت
المرشحة الديمقراطية المحتملة أو أن نتائج الاستطلاع تتنبأ بنتيجة انتخابات 2028؛
فالسباق لا يزال في مراحله الأولى، كما أن القواعد الانتخابية والمرشحين والقضايا
التي ستحدد المنافسة لم تتبلور بعد.

لكن مجرد تصدرها استطلاعا في ولاية لها
أهمية تاريخية في الانتخابات التمهيدية يمنح الحديث عن ترشحها زخما إضافيا.

واللافت أن أوكاسيو ـ كورتيز كانت موجودة
أصلا ضمن الأسماء البارزة في استطلاعات مبكرة سابقة؛ ففي استطلاع آخر لنيوهامبشاير
في تشرين الأول/أكتوبر 2025، جاءت إلى جانب بوتيجيج وحاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم
في مقدمة الأسماء الديمقراطية المحتملة.

من نادلة إلى واحدة من أبرز وجوه
الديمقراطيين

تمثل سيرة أوكاسيو ـ كورتيز نفسها جزءا
أساسيا من جاذبيتها السياسية. ففي عام 2018، كانت شابة من نيويورك تعمل سابقا في قطاع الخدمات، عندما
خاضت انتخابات تمهيدية داخل الحزب الديمقراطي ضد النائب جو كراولي، أحد أبرز وجوه
المؤسسة الديمقراطية وعضو الكونغرس المخضرم الذي شغل المقعد لعشر ولايات متتالية.

وكان انتصارها على كراولي مفاجأة سياسية
مدوية، إذ لم تكن تملك الموارد المالية أو شبكة النفوذ التقليدية التي يمتلكها
منافسها.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أوكاسيو ـ كورتيز
رمزا لصعود جيل جديد من الديمقراطيين التقدميين، وارتبط اسمها بملفات مثل الرعاية
الصحية الشاملة، والعدالة الاقتصادية، والمناخ، وحقوق العمال، ومواجهة نفوذ
الشركات الكبرى.

ويرى مقربون منها أن صعودها لم يكن نتيجة
خطة طويلة الأجل للوصول إلى البيت الأبيض بقدر ما كان امتدادا لنشاط سياسي قائم
على القضايا.

وينقل تقرير “الغارديان” عن كوربن
ترينت، الذي كان أول مدير اتصالات لها في مجلس النواب وأحد مؤسسي منظمة “جستس
ديموكراتس”، أنه بعد فوزها على كراولي بساعات بدأ سياسيون في واشنطن يسألونه
عن الخطوة التالية في مسيرتها: هل ستترشح لمجلس الشيوخ؟ لمنصب الحاكم؟ أم للرئاسة؟

لكن، بحسب ترينت، لم تكن أوكاسيو ـ كورتيز
تفكر بهذه الطريقة في مسارها السياسي.

“ليست أسيرة
الطموح الشخصي”

يرى مؤيدو النائبة الديمقراطية أن إحدى أهم
نقاط قوتها أنها لا تبدو، في نظرهم، أسيرة لفكرة الصعود الوظيفي التقليدي داخل
السياسة الأميركية.

ويقول ترينت إن ما يميزها هو قدرتها على
التواصل الحقيقي مع الآخرين، وانفتاحها على الحديث عن نفسها وتجاربها، إضافة إلى
قدرتها على التعبير عن القلق الاقتصادي الذي يعيشه كثير من الأميركيين.

وهذه الصورة تتقاطع مع تقييم عدد من
الاستراتيجيين الذين يرون أن الناخب الأميركي أصبح أكثر ميلا إلى الشخصيات
السياسية التي تستطيع تقديم تجربة حياتية يشعر الناخبون بأنها قريبة من تجاربهم.

وتتمتع أوكاسيو ت كورتيز أيضا بقدرة
استثنائية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت إحدى أبرز الشخصيات
السياسية الأمريكية في هذا المجال، وهو ما يمنحها أداة انتخابية مهمة في عصر باتت
فيه الحملات السياسية تعتمد بصورة متزايدة على الاتصال المباشر بالناخبين.

وتقول “الغارديان” إن لديها ما
يقرب من 10 ملايين متابع على إنستغرام وحده، فضلا عن قاعدة دعم تمتد من منظمة
الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلى شخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي.

صعود التيار اليساري داخل الحزب الديمقراطي

لا يمكن فصل صعود أوكاسيو ـ كورتيز عن
التحولات التي شهدها الحزب الديمقراطي خلال الفترة الأخيرة. ففي عدد من الانتخابات
التمهيدية والانتخابات المحلية، حقق مرشحون تقدميون نتائج لافتة، مستفيدين من غضب
الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، والرعاية الصحية، ونفوذ الشركات، والسياسات
الخارجية.

وفي ميشيغان، فاز المرشح التقدمي عبد السيد
بالانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، في مواجهة مرشحة مدعومة من المؤسسة الحزبية،
في نتيجة اعتبرها مراقبون مؤشرا على قدرة التيار التقدمي على تحدي البنية
التقليدية للحزب. كما أصبح فوز زهران ممداني في نيويورك جزءا من سلسلة التطورات
التي عززت النقاش حول اتجاه الحزب في السنوات المقبلة.

ويشير هذا السياق إلى أن أوكاسيو ـ كورتيز
لا تتحرك في فراغ سياسي، بل تستفيد من موجة أوسع داخل الحزب تطالب بتغيير السياسات
الاقتصادية والاجتماعية وإعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين والناخبين من الطبقة
العاملة.

وقد قال أشك صديقي، الرئيس المشارك لمنظمة
الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، إن ترشحها المحتمل سيحظى بحماس كبير بين
أعضاء المنظمة، معتبرا أنها يمكن أن تمثل صوتا قويا للطبقة العاملة في الانتخابات
التمهيدية لعام 2028.

لكنها لم تعد “المتمردة” نفسها

في المقابل، فإن المسافة بين أوكاسيو ـ كورتيز
الحالية وتلك التي دخلت الكونغرس عام 2019 أصبحت موضع نقاش داخل اليسار نفسه.

فالنائبة التي صنعت شهرتها عبر تحدي المؤسسة
السياسية والدفاع عن “الصفقة الخضراء الجديدة” أصبحت خلال السنوات
الأخيرة أكثر انخراطا في العمل مع قيادة الحزب الديمقراطي.

وفي الأسبوع الحالي، تلقت إشادة من رئيسة
مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، التي أثنت على قدرتها على العمل داخل المؤسسة.

ويثير هذا التحول تساؤلات لدى بعض الناشطين
اليساريين حول ما إذا كانت أوكاسيو ـ كورتيز قد أصبحت جزءا من المؤسسة التي كانت
تنتقدها، أو ما إذا كان الأمر مجرد تحول تكتيكي يسمح لها بالحفاظ على نفوذها
السياسي مع الاستعداد لاحتمالات مستقبلية.

ويشير تقرير “الغارديان” إلى أن
منتقدين من اليسار يرون أن خطابها السياسي أصبح أكثر حذرا في بعض الملفات، فيما
يرى آخرون أن النضج السياسي لا يعني التخلي عن المبادئ وإنما البحث عن وسائل أكثر
فعالية لترجمتها إلى سياسات.

غزة.. اختبار للعلاقة مع اليسار

يظل موقف أوكاسيو ـ كورتيز من الحرب في غزة
واحدا من الملفات التي قد تؤثر في علاقتها بقاعدتها اليسارية. فقد وصفت سابقا العمليات
الإسرائيلية في غزة بأنها “إبادة جماعية”، وصوتت في تموز/يوليو الماضي
لصالح وقف مساعدات عسكرية أمريكية لإسرائيل، في موقف أكثر تشددا من قطاعات واسعة
داخل المؤسسة الديمقراطية.

لكن ظهورها في المؤتمر الوطني الديمقراطي
عام 2024 وخطابها المؤيد لنائبة الرئيس آنذاك كامالا هاريس أثارا انتقادات لدى بعض
الناشطين اليساريين، الذين رأوا أنها قدمت صورة أكثر إيجابية من اللازم عن موقف
إدارة هاريس من غزة.

وبالنسبة إلى منتقدين من اليسار، فإن السؤال
ليس فقط ما تقوله أوكاسيو ـ كورتيز بشأن القضية الفلسطينية، وإنما مدى استعدادها
للمواجهة مع المؤسسة الحزبية عندما تتعارض مواقفها معها.

في المقابل، يمكن النظر إلى مواقفها الأخيرة
بشأن إسرائيل على أنها مؤشر إلى استمرار تمسكها بمسافة سياسية عن بعض مواقف
القيادة الديمقراطية.

محاولة إعادة تعريف صورتها بشأن
“اليسار المتشدد”

في الأيام الأخيرة، قدمت أوكاسيو ـ كورتيز
أيضا إشارة أخرى إلى رغبتها في إعادة صياغة صورتها السياسية.

ففي مقابلة مع شبكة  “آي
بي سي”، سُئلت عن الصراعات الثقافية التي رافقت السنوات الأولى لجائحة
كورونا، بما فيها الدعوات التي صدرت من بعض اليساريين إلى تقليص تمويل الشرطة.

وردت بالقول “لقد كانت موجة الصحوة تلك
ضربا من الجنون”، في إشارة إلى ما اعتبرته تجاوزات أو مبالغات مرتبطة بمرحلة
مبكرة من النشاط السياسي التقدمي.

وأثارت العبارة اهتماما واسعا لأنها بدت
كأنها محاولة لوضع مسافة بينها وبين بعض أكثر أطروحات اليسار إثارة للجدل، من دون
التخلي عن القضايا الأساسية المتعلقة بالعدالة العرقية والاقتصادية.

وقد رأى مراقبون في هذا الخطاب محاولة
للوصول إلى الناخبين الذين قد يتعاطفون مع برامج اقتصادية تقدمية، لكنهم يشعرون
بالنفور من بعض الخطابات الثقافية الأكثر راديكالية.

وفي المقابل، انتقد بعض الناشطين اليساريين
هذا التحول باعتباره تراجعا عن مواقف سابقة.

العقبة الأصعب.. الناخبون السود

إذا قررت أوكاسيو ـ كورتيز دخول السباق
الرئاسي، فلن يكون عليها فقط إقناع القاعدة التقدمية؛ بل سيكون عليها توسيع
تحالفها داخل الحزب الديمقراطي. وتبرز هنا أهمية الناخبين السود، خصوصا في الولايات التي تشكل محطة
مبكرة في الانتخابات التمهيدية مثل ساوث كارولاينا.

ويقول بعض الديمقراطيين الوسطيين إن التيار
الاشتراكي الديمقراطي نجح في تحقيق اختراقات بين بعض الناخبين البيض، خصوصا من
المتعلمين والناشطين الشباب، لكنه واجه صعوبات أكبر في بناء قاعدة قوية بين
الأميركيين السود من الطبقة العاملة.

وتحذر نينا تيرنر، الرئيسة المشاركة السابقة
لحملة بيرني ساندرز عام 2020، من أن على الاشتراكيين الديمقراطيين والتقدميين بذل
جهد أكبر للتواصل مع الناخبين السود، وعدم التعامل مع قضاياهم بوصفها مجرد جزء من
تحالف عرقي أوسع.

وتكمن أهمية هذا التحدي في أن المرشح
الديمقراطي الذي لا يستطيع بناء تحالف واسع مع الناخبين السود قد يواجه صعوبات
كبيرة في الانتخابات التمهيدية، فضلا عن الانتخابات العامة.

هل تكون عضوية مجلس الشيوخ الطريق الأقصر؟

هناك من يرى أن القفز مباشرة من مجلس النواب
إلى السباق الرئاسي قد يكون خطوة محفوفة بالمخاطر.

وتطرح بعض الشخصيات السياسية مسارا بديلا:
خوض انتخابات مجلس الشيوخ عن نيويورك، وربما تحدي السيناتور الديمقراطي تشاك شومر،
ثم استخدام المقعد الجديد لتعزيز خبرتها في السياسة الخارجية والتشريع والعمل على
مستوى الولاية.

وتعتقد الاستراتيجية الجمهورية السابقة تارا
سيتماير أن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ سيمنح أوكاسيو-كورتيز ثقلا أكبر، قبل خوض
سباق رئاسي لاحق.

لكن التاريخ السياسي الأمريكي يقدم أيضا
أمثلة لسياسيين لم ينتظروا “دورهم”، بل استغلوا لحظة سياسية مواتية
وقفزوا مباشرة إلى السباق الرئاسي.

وكان باراك أوباما أحد أبرز الأمثلة؛ إذ
انتقل من عضو مجلس الشيوخ إلى حملة رئاسية ناجحة في فترة زمنية قصيرة نسبيا.

الجمهوريون يستعدون لمعركة شرسة

في حال قررت أوكاسيو ـ كورتيز الترشح، فمن
المرجح أن تصبح هدفا رئيسيا للجمهوريين ووسائل الإعلام المحافظة. فصورة “الاشتراكية
الديمقراطية” التي ارتبطت بها لسنوات ستوفر مادة سهلة للهجوم عليها، خصوصا في
انتخابات رئاسية يمكن أن يحاول فيها الجمهوريون تصويرها باعتبارها مرشحة يسارية
متطرفة.

وقد بدأت بالفعل مؤشرات على محاولة أوكاسيو
ـ كورتيز تخفيف بعض عناصر هذه الصورة، من خلال انتقاداتها لما وصفته بتجاوزات
“الصحوة” في مرحلتها الأولى.

لكن خصومها سيملكون سجلا طويلا من تصريحاتها
ومواقفها السابقة، وهو ما يجعل إعادة صياغة صورتها السياسية مهمة شديدة التعقيد في
عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكما قالت تارا سيتماير، فإن الإنترنت لا
ينسى بسهولة مواقف السياسيين السابقة.

هل تستطيع التغلب على عقدة “أول
امرأة”؟

هناك عقبة أخرى تتجاوز أوكاسيو ـ كورتيز
نفسها، وتتعلق بالسؤال الأوسع حول استعداد الولايات المتحدة لانتخاب امرأة رئيسة.

فبعد هزيمة هيلاري كلينتون في انتخابات
2016، ثم خسارة كامالا هاريس في انتخابات 2024، لا يزال داخل الحزب الديمقراطي
نقاش حول ما إذا كان المجتمع الأمريكي مستعدا بالفعل لانتخاب امرأة رئيسة.

اقرأ أيضا: “حان وقت الوفاء”.. واشنطن تضغط مجددا على الاتحاد الأوروبي

وكانت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما
قد تحدثت علنا عن اعتقادها بأن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة بعد لانتخاب امرأة
رئيسة.

لكن نجاح أوكاسيو ـ كورتيز، إذا قررت
الترشح، لن يعتمد فقط على كونها امرأة، بل على قدرتها على بناء تحالف انتخابي واسع
يتجاوز قاعدتها التقدمية التقليدية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية: هل تستطيع
تحويل شعبيتها الهائلة بين الشباب والتقدميين إلى دعم من الناخبين المعتدلين
والطبقة العاملة والناخبين السود والمستقلين؟

عامل العمر.. ميزة أم تحد؟

في السادسة والثلاثين، تمتلك أوكاسيو ـ كورتيز
ميزة جيلية واضحة. وقد تحولت خلال سنوات
قليلة من أصغر وجوه الكونغرس إلى واحدة من أشهر الشخصيات الديمقراطية في البلاد.

وفي حال انتخابها عام 2028، ستكون أصغر رئيس
في تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزة بذلك الرقم القياسي الذي ارتبط بثيودور روزفلت
ثم جون كينيدي.

وتأتي هذه الصورة الجيلية في وقت يبحث فيه
الحزب الديمقراطي عن وسيلة للخروج من إرث سياسي ارتبط لسنوات بشخصيات أكبر سنا.

لكن الشباب وحده لا يكفي في الانتخابات
الرئاسية الأمريكية؛ إذ يتطلب الوصول إلى البيت الأبيض بناء آلة انتخابية وطنية،
وجمع مبالغ ضخمة، وخوض انتخابات تمهيدية طويلة، والتعامل مع ملفات الأمن القومي
والسياسة الخارجية والاقتصاد، فضلا عن القدرة على الفوز في ولايات متأرجحة في
الانتخابات العامة.

من بيرني ساندرز إلى البيت الأبيض؟

تبدو أوكاسيو ـ كورتيز في موقع فريد داخل
اليسار الديمقراطي. فهي كانت متطوعة في حملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2016، وهي الحملة
التي ساعدت في بناء حركة وطنية حول الاشتراكية الديمقراطية، رغم خسارة ساندرز أمام
هيلاري كلينتون.

وفي العام الماضي، عادت إلى العمل مع ساندرز
في جولة “محاربة الأوليغارشية”، التي جذبت جماهير كبيرة وأظهرت قدرتها
على العمل خارج الحدود التقليدية للدائرة الانتخابية التي تمثلها في نيويورك.

ومن ثم، فإن ترشحها للرئاسة يمكن أن يمثل
انتقالا من الجيل السياسي الذي أسسه ساندرز وإليزابيث وارن إلى جيل جديد تكون
أوكاسيو ـ كورتيز أحد أبرز وجوهه.

ويصفها بعض المراقبين بأنها الوريثة
الطبيعية لهذا التحالف السياسي، خصوصا مع امتلاكها قدرة استثنائية على جذب
الاهتمام الإعلامي والجماهيري.

منافسة ديمقراطية قد تكون مزدحمة

حتى إذا قررت أوكاسيو ـ كورتيز الترشح، فلن
تكون وحيدة في الساحة. ومن الأسماء المحتملة للسباق الديمقراطي نائب كاليفورنيا رو خانا،
وبوتيجيج، وحاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، وكامالا هاريس، والسيناتور جون أوسوف،
إلى جانب أسماء أخرى قد تظهر خلال العامين المقبلين.

وكان استطلاع جامعة نيوهامبشاير في
شباط/فبراير الماضي قد وضع بوتيجيج وأوكاسيو ـ كورتيز ونيوسوم وهاريس ضمن أبرز
الأسماء الديمقراطية في الولاية، ما يؤكد أن المنافسة ستضم على الأرجح مجموعة
واسعة من المرشحين ذوي الخلفيات والتيارات المختلفة.

ولا يزال من المبكر معرفة أي من هذه
الشخصيات سيخوض السباق فعليا، إذ إن انتخابات 2028 لا تزال بعيدة نسبيا، ومن
المرجح أن تتغير مواقع المرشحين مع نتائج انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وتطور
شعبية إدارة الرئيس دونالد ترامب وأداء الكونغرس.

انتخابات 2028.. لحظة فاصلة للديمقراطيين

وراء سؤال ترشح أوكاسيو ت كورتيز يوجد سؤال
أكبر يتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي نفسه. فالحزب لا يزال يبحث عن
هوية سياسية جديدة بعد سنوات من المنافسة مع ترامب وصعود حركة “ماغا”،
كما يواجه نقاشا داخليا حول العلاقة بين الجناح التقدمي والجناح الوسطي.

وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح ترشح أوكاسيو
ـ كورتيز اختبارا مباشرا لاتجاه الحزب: هل سيختار الديمقراطيون مرشحا أكثر قربا من
اليسار الاقتصادي والاجتماعي، أم سيبحثون عن شخصية أكثر وسطية بهدف استعادة
الناخبين المترددين والمستقلين؟

وتشير نتائج الانتخابات والانتخابات
التمهيدية الأخيرة إلى أن التيار التقدمي يمتلك زخما حقيقيا في بعض المناطق، لكن
هذا الزخم لا يعني بالضرورة أنه أصبح قادرا على فرض مرشحه على الحزب بأكمله.

السياسة الأمريكية أمام اختبار جيل جديد

أهمية أوكاسيو ـ كورتيز في سباق 2028 لا
تتعلق فقط باحتمال أن تصبح رئيسة للولايات المتحدة، وإنما بقدرتها على إعادة تعريف
ما يمكن أن يعنيه أن يكون المرشح الديمقراطي في العصر التالي لترامب.

فهي تجمع بين خلفية شعبوية تقدمية، وخبرة
تشريعية تمتد لسنوات، وحضور ضخم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقدرة واضحة على جذب
المؤيدين والخصوم على حد سواء.

لكن هذه المزايا نفسها يمكن أن تتحول إلى
نقاط ضعف في انتخابات عامة شديدة الاستقطاب.

فالقضية لا تتعلق فقط بما إذا كان
الديمقراطيون التقدميون مستعدين لدعمها، بل بما إذا كانت قادرة على إقناع الناخب
الأمريكي الأوسع بأن خطابها يمكن أن يتحول من شعارات وحملات احتجاجية إلى إدارة
دولة عظمى.

ومع استمرار أوكاسيو ـ كورتيز في عدم
استبعاد الترشح، فإن كل تحرك لها سيخضع خلال الفترة المقبلة لقراءة انتخابية:
ظهورها الإعلامي، مواقفها من الملفات الداخلية والخارجية، علاقتها بقيادة الحزب،
جولاتها في الولايات، وطريقة تعاملها مع القضايا التي أثارت جدلا حولها.

وقد يكون من السابق لأوانه القول إن
“النجوم تصطف” بالفعل لصالحها، كما يوحي عنوان “الغارديان”،
لكن المؤكد أن اسم ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز لم يعد مجرد احتمال هامشي في أحاديث
انتخابات 2028.

فالاستطلاعات المبكرة تضعها في مقدمة بعض
القوائم الديمقراطية، والتيار التقدمي يحقق مكاسب في عدد من الانتخابات، وقاعدتها
الرقمية والجماهيرية ضخمة، فيما يواصل الحزب الديمقراطي البحث عن قيادة جديدة.

ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع أوكاسيو ـ كورتيز
أن تحافظ على صورتها كصوت للغاضبين من المؤسسة، وفي الوقت نفسه تثبت للناخبين أنها
قادرة على إدارة المؤسسة نفسها؟

حتى الآن، لم تعلن النائبة رسميا خوض
السباق. لكن مع اقتراب الولايات المتحدة تدريجيا من انتخابات 2028، يبدو أن احتمال
ترشحها أصبح جزءا ثابتا من النقاش حول مستقبل الحزب الديمقراطي والبيت الأبيض.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: البرهان يفتح الباب أمام حوار سوداني شامل ويؤكد استمرار القتال ضد الدعم السريع

‫0 تعليق