
تزايد مؤخرا وبشكل مثير لمخاوف المصريين٬ عدد ونوعية جرائم القتل المرعبة في الشارع المصري وبصورة متزامنة ومتتابعة يغلب عليها أسلوب وعمليات القتل الجماعي، وارتكاب شخص واحد لجريمة بحق أكثر من ضحية في وقت واحد، نتيجة خلافات اجتماعية أو مالية، ما يدعو للتساؤل حول سبب انتشار الظاهرة التي بدت لافتة في آب/أغسطس الجاري بمجزرتين شديدتي القسوة.
وشهد “التجمع الخامس” ذلك الحي الراقي شرق القاهرة إحدى الجرائم البشعة بمذبحة طالت 4 أفراد من أسرة واحدة (أب وأم وابنتيهما) على يد صديق للعائلة، الذي استدرج رب الأسرة وقتله بالرصاص، ثم استدرج الزوجة وابنتيها وأطلق عليهن النار، وترك الجثامين داخل السيارة بالقرب من مسرح الجريمة.
كما شهدت مصر مذبحة ثانية هذا الشهر بمدينة “15 مايو”، جنوب القاهرة، وبعد أيام من “مذبحة التجمع”، حيث أنه وخلال جلسة صلح أسرية لإعادة طليقته إلى عصمته، أقدم مهندس على إطلاق أعيرة نارية ليقتل ابنته وشقيقي طليقته وشخص آخر، ويصيب اثنين آخرين بجروح بالغة.
وشهد العام الجاري “مذبحة العياط”، بمحافظة الجيزة، في شباط/فبراير، حيث أقدم زوج على قتل زوجته و3 أطفال بوضع مادة سامة في الطعام، ثم “مذبحة دمنهور”، بمحافظة البحيرة، في أيار/مايو، حيث سقط 3 قتلى وأصيب شخصين برصاص أحد الجيران، وجريمة قتل “محامية الإسكندرية” في حي سيدي بشر والدتها وتقطيع جسدها ووضعها في الثلاجة خلال تموز/يوليو الماضي.
ورصدت مؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة”، وقوع 598 جريمة عنف ضد النساء في مصر بالنصف الأول من العام الجاري، بزيادة بلغت 20.81 بالمئة، منها 245 جريمة عنف أسري لتتصدر الأسرة أكثر أنماط العنف شيوعا، لتصل جرائم قتل النساء والفتيات 118 جريمة في 6 شهور وبزيادة عن العام الماضي بنسبة 19.73 بالمئة، منها نحو 80 جريمة قتل أسرية جاء الزوج في المقدمة كجاني في 35 جريمة، يليه الأب بـ10 جرائم، و36 جريمة قتل غير أسرية: ارتكبها أفراد من خارج الأسرة (غرباء، جيران، أو شركاء سابقون).
وحول سر تكرار مشاهد القتل الجماعي منذ مجزرة “فض رابعة” في مثل هذا الشهر قبل 13 عاما، وأسباب تحول نزاع المصريين من خلاف سياسي عادي أو حول ديون، أو شراكة، أو ميراث لقرار القتل الجماعي، ودور الأزمة الاقتصادية وتفاقم معدلات التضخم، والديون، وتعثر السداد، وضعف أو بطء التقاضي، والتغطية المتكررة والتفصيلية لهذه الجرائم، في تكرار الأزمة، تحدث سياسيان وخبير لـ”عربي21″.
اظهار أخبار متعلقة
“الدم لم يعد غريباً على الدم”
وبداية لفت السياسي والبرلماني السابق والمحامي المصري عاطف عواد، إلى أن تلك الجرائم الوحشية صارت تحدث في دوائر قريبة جدا، قائلا لـ”عربي21″، إن “الدم لم يعد غريباً على الدم؛ هذا هو المشهد الأكثر إيلاماً في جرائم القتل الجماعي الأخيرة في مصر: القاتل والمقتول أقارب، والمسرح بيت واحد”.
وأوضح أن “السر ليس في (الوحشية) فقط، بل في تراكم 3 ضغوط: أولها: تراجع الحالة الاقتصادية؛ فالميراث، والديون، وخناقات لقمة العيش، تحولت لفتيل يشتعل عند حدوث أزمة”.
وأشار ثانياً، إلى جانب “العدالة البطيئة”، موضحا أنه “عندما يشعر المواطن أن حقه سيطول انتظاره في المحكمة، يقرر أن يأخذه بيده”، واضعا “التفكك العائلي وغياب كبير العائلة، ودور المؤسسات الإرشادية”، كثالث الضغوط، مبينا أنها تجعل “الغضب بلا صمام أمان”.
ويرى المحامي المصري أن “الحل لن يكون أمنياً فقط؛ نحتاج محاكم أسرع، ومصالحة أهلية أقوى، وثقافة نفسية تعلمنا كيف نختلف دون أن نقتل، ومن قبل ومن بعد لابد أن يتوقف سعار الغلاء الذي طال الطبقة الفقيرة والمتوسطة”، خاتما بالقول: “الدم غالي؛ والقانون أبطأ من أن يمنع لحظة غضب”.
“نذير خطر”
من جانبه، يعتقد السياسي والبرلماني المصري السابق، الدكتور جمال حشمت، أن “ما حدث في رابعة من قتل عشًوائي للمصريين وبهذا العنف وحماية القتلة حتى الآن كان مؤشراً على مستقبل مصر الذي نحياه من عنف لا يملكه نظام ضد أعداء الوطن، ومازال مستمرا ضد الشعب فعلا أو إهمالا، ونذير خطر لأسلوب إدارة دولة بالحديد والنار لإخفاء جرائم نظام ضد الدولة المصرية شعبا ومقدرات وثروات بل وجغرافيا”.
وفي حديثه أضاف: “من يفعل ذلك ويصر عليه لا قلب ولا عقل له وهو يقود نفسه ومصر إلى الهاوية؛ فمصير مرتكب هذه الجرائم الخوف الدائم والضعف الدائم مهما حاز من قوة والفشل التام، فالله لا يصلح عمل المفسدين وما نرجوه من إصلاحات لإنقاذ مصر٬ أعتقد أن النظام الذي تسبب في كل معاناة مصر والمصريين غير قادر على تنفيذها، مما يعني أن زواله هو الحل الوحيد”.
واستدرك متسائلا: “لكن السؤال كيف؟”، مجيبا بقوله: “هذا مسئولية المخلصين والأحرار والأبرياء من شعب مصر في كل مكان فلن يدوم الحال وكلما استشعر الحكام بقدرتهم الفائقة علي السيطرة والتحكم في حياة الشعب كلما اقتربت النهاية”.
اظهار أخبار متعلقة
رابعة وتشكيل الوعي الجمعي
وفي رؤيته أكد الباحث المصري مصطفى خضري، لـ”عربي21″، أنه “لا يمكن فهم تصاعد جرائم القتل الجماعي في مصر بمعزل عن سياق سياسي واجتماعي أعمق، تشكّلت ملامحه منذ واقعة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة 14 آب/أغسطس 2013”.
الخبير في التحليل المعلومات وقياس الرأي العام، يرى أن “مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا – حسب أقل إحصاء للقتلى- في يوم واحد فقط بميدان رابعة، ولم تُفتح حتى اليوم أي محاكمة علنية أو مساءلة قضائية لأي من متخذي القرار، بل على العكس، تحوّل من قاد المرحلة الأمنية والسياسية آنذاك إلى رئيس للجمهورية، يتقلّد السلطة منذ أكثر من عقد”.
وأوضح أنه “هنا يكمن جوهر القضية، حين يشهد مجتمع بأكمله أضخم مشهد دم في تاريخه الحديث دون أن يعقبه أي حساب، بل يرتبط – في الوعي الجمعي- بالبقاء في قمة السلطة والثروة، فإن ذلك يصنع ما يمكن تسميته بالانقلاب النفسي الموازي: حيث حصل انهيار للسردية الأخلاقية والقيمية التقليدية التي تتوعد الظالم بالعقاب وتعد المظلوم بالانتصار؛ هذه السردية، التي كانت تُشكّل رادعًا نفسيًا جمعيًا لعقود، تنقلب في اللاوعي الجمعي عند شرائح ضعيفة نفسيًا أو اجتماعيًا، لتصبح المعادلة الجديدة، ولو بشكل غير واعٍ: من يملك الجرأة على سفك الدم بلا تردد ينجو ويتقلد أعلى المناصب”.
ولفت إلى أن “هذا لا يعني أن كل قاتل في الجرائم الأخيرة في مصر كان يفكّر سياسيًا بهذا الشكل الواعي وهو يخطط لجريمته. لكن علم الاجتماع الجنائي يؤكد أن الأفراد لا يتعلمون سلوكياتهم من محيطهم المباشر فقط، بل من النماذج الكبرى التي يقدّمها المجتمع والدولة عن العلاقة بين القوة والعقاب. وحين يُصبح أعنف نموذج للقتل في تاريخ البلاد الحديث محاطًا بالإفلات التام من المساءلة، فإن العتبة النفسية التي كانت تمنع الأفراد العاديين من اللجوء للعنف كحل لخلافاتهم الشخصية تنخفض تدريجيًا”.
وأشار إلى أنه “من الملاحظ أن في آب/أغسطس 2026 تحديدًا، سُجّلت أكثر من جريمة قتل جماعي، إحداهما تزامنت مع يوم ذكرى فض رابعة نفسه، وكأن لعنة الدم تطارد المصريين في أغسطس”.
سر تتابع عمليات القتل الجماعي
ويرى رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام “تكامل مصر”، أن “القتل الجماعي نادرًا ما يكون قرار لحظة؛ هو محصلة تراكم طويل من الشعور بالعجز أمام مشكلة يرى الشخص أنه لا يملك حلاً شرعيًا لها، والخلاف المالي أو العائلي يبدأ صغيرًا، لكنه يتحول مع الوقت لمرآة يرى فيها الجاني فشله الشخصي كله – في تحقيق الاستقرار، في احترام الآخرين له، في استعادة كرامته، واللحظة الحرجة هي حين يقتنع الشخص أن العنف هو الطريق الوحيد المتبقي له لاستعادة السيطرة على وضع يشعر أنه يفلت من يده”.
وتابع “أما امتداد القتل لأفراد الأسرة، وأغلبهم لا علاقة مباشرة لهم بالخلاف، فله تفسيران متكاملان: الأول محو الشهود وتغطية الجريمة، والثاني -وهو الأخطر نفسيًا- أن الجاني في لحظة الانهيار يعيد تعريف الخصم ليشمل كل من يرتبط بمصدر إذلاله، حتى لو لم يشاركه الذنب”.
وحول دور الوضع الاقتصادي في الأزمة، يرى خضري، أنه “لا يمكن فصل الوضع الاقتصادي المتردي في مصر عن هذه الظاهرة، لكن مع ملاحظة أن الفقر وحده لا يصنع قاتلاً؛ ما يصنع القاتل هو الفجوة بين التوقعات والواقع، فشخص عاش سنوات وهو يرى نفسه في مكانة اجتماعية معينة، ثم يجد نفسه غارقًا في ديون أو خسر شراكة أو مشروعًا، يشعر أن قيمته في نظر محيطه انهارت، فالأزمة الاقتصادية العامة – تضخم، تعثر سداد، بطالة مقنعة- لا تخلق الدافع من العدم، لكنها ترفع منسوب من هم بالفعل تحت ضغط نفسي إلى نقطة الانفجار”.
وفي إجابته على السؤال: لماذا يكون القاتل غالبًا من الدائرة القريبة؟، قال إن “الثقة، بحكم تعريفها، هي التي تمنح الطرف الآخر القدرة على الوصول لأضعف نقاط ضحيته -بيته، مواعيده، أسراره المالية، حتى لحظات غفلته- وحين تنهار هذه الثقة، لا تتحول لعداء عادي، بل لعداء مسلح بالمعرفة، والغريب لا يعرف أين يجد ضحيته أو متى تكون وحيدة، لكن الصديق أو الشريك يعرف كل هذا، وغالبًا ما تُسبَق هذه الجرائم بفترة طويلة من محاولات احتواء فاشلة، ووعود مؤجلة، وإحساس متبادل بالخيانة، وهذا التراكم العاطفي يجعل الانفجار حين يحدث أعنف بكثير من عنف الغرباء”.
وعن بطء التقاضي كسبب لتلك الظاهرة، خلص للقول: “حين يشعر المواطن العادي أن استرداد حق مالي بسيط يستغرق سنوات في المحاكم، بتكلفة ورسوم وتأجيلات، بينما الحل السريع -ولو إجراميًا- يبدو في لحظة غضب أقرب وأوضح نتيجة، فإن جزءًا من المجتمع يفقد الثقة في العدالة الرسمية كوسيلة فض نزاع، وهو ما يزيد من واقعية قانون الغابة. فالمشكلة ليست في غياب القانون، بل في الفجوة الزمنية والنفسية بين وقوع الظلم وبين الشعور بالإنصاف وهذه فجوة خصبة للعنف”.
اظهار أخبار متعلقة
سلسلة مجازر بشعة
ومن أبرز “المذابح العائلية” أو الجرائم الأسرية، التي جرى القتل فيها لخلافات مالية، واضطرابات النفسية، ونزاعات الأسرية، وبغرض السرقة: “مذبحة الرحاب” أيار/مايو 2018، حيثُ عُثر على جثث رجل أعمال وزوجته وأبنائه الثلاثة مقتولين داخل فيلتهم بالقاهرة الجديدة، وفي الشهر ذاته من عام 2018، شهدت مدينة الشروق جريمة أخرى مأساوية حيث أقدم سائق على قتل زوجته وأبنائه الأربعة.
وذلك إلى جانب “مذبحة كفر الدوار” عام 2020 التي راح ضحيتها 7 أفراد من عائلة واحدة(الأب والأم وأبنائهم الاربعة والجدة)، ثم في 2021 “مذبحة الفيوم” حيث قام أب بقتل زوجته وأبنائه الستة داخل منزلهم، و”مذبحة الريف الأوروبي” بمدينة الشيخ زايد عام 2022 والتي أسفرت عن مقتل 5 أفراد من أسرة واحدة (سيدة وأبنائها وحفيدتيها).
كذلك “مذبحة دار السلام” بالقاهرة عام 2023، التي أسفرت عن مقتل 4 أشخاص (الأب، الأم، الشقيق، وصديق الشقيق)، ومذبحة “كفر غطاطي” بمحافظة الجيزة عام 2023، ونتج عنها مقتل زوجة وابنتها على يد الزوج وإصابة 4 بنات بجروح بالغة، و”مذبحة قطور” بمحافظة الغربية عام 2024 التي أقدم فيها محام على قتل والدته وشقيقه وشقيقته وإحراق جثثهم بسبب خلافات على الميراث.
