
تمر اليوم السبت 15 آب/ أغسطس، الذكرى الخامسة لعودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان، بعدما أسقطت خلال ساعات الحكومة التي دعمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على مدى نحو 20 عاما.
اقرأ أيضا: مصلحة النشامى…أم مصلحة الزاكي !إن وراء الاكمة… ما وراءها.. !
في ذلك اليوم، غادر الرئيس الأفغاني أشرف غني البلاد، ودخل مقاتلو طالبان العاصمة كابل من دون مقاومة تذكر، واستولوا على القصر الرئاسي -حيث تلا أحدهم آيات من القرآن الكريم بينها سورة النصر- منهين بذلك حكم الجمهورية الأفغانية التي تأسست بعد الإطاحة بالحركة عام 2001.
لكن سقوط كابل لم يكن حدثا مفاجئا بالكامل، إذ سبقه مسار طويل من الحرب والمفاوضات والانسحاب الأمريكي، انتهى بانهيار سريع للقوات والمؤسسات التي أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات على بنائها.
وبعد خمس سنوات، تغير المشهد الأفغاني بصورة كبيرة؛ فتراجعت الحرب المفتوحة، وبسطت طالبان سيطرتها على البلاد، لكن أفغانستان تواجه أزمات اقتصادية كبرى.
وفي المقابل، بدأت عزلة طالبان الدولية تتراجع تدريجيا، إذ وسعت الحركة علاقاتها مع دول المنطقة والقوى الدولية، بينما أصبحت روسيا في 2025 أول دولة تعترف رسميا بحكومتها.
البداية.. حرب عمرها 20 عاما
لفهم ما حدث في 15 آب/ أغسطس 2021، لا بد من العودة إلى عام 2001. فبعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب على أفغانستان في تشرين الأول/أكتوبر 2001، بعدما رفضت حركة طالبان تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.
وسرعان ما انهار حكم طالبان، وسقطت كابل، وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها مرحلة احتلال، تلتها عملية بناء نظام سياسي وأمني جديد.
أنشأت الدول الغربية جيشا وشرطة أفغانيين، ومولت مؤسسات الدولة، ودعمت إجراء الانتخابات، فيما عادت النساء والفتيات إلى المدارس والجامعات وسوق العمل بعد سنوات من حكم طالبان. لكن الحركة لم تختف.
أعادت طالبان تنظيم صفوفها، وبدأت حرب تمرد طويلة ضد الحكومة والقوات الأجنبية، واستفادت من ضعف مؤسسات الدولة والفساد والانقسامات السياسية، إلى جانب اعتماد القوات الأفغانية على الدعم الأمريكي والغربي في مجالات أساسية مثل الاستخبارات والدعم الجوي والصيانة واللوجستيات.
ومع مرور السنوات، لم تتمكن القوات الأمريكية وحلفاؤها من القضاء على طالبان، فيما استمرت الحرب في استنزاف الحكومة الأفغانية.
ترامب يفتح الطريق إلى الانسحاب
بدأت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب مفاوضات مباشرة مع طالبان في الدوحة، وانتهت في 29 شباط/ فبراير 2020 بتوقيع اتفاق بين الجانبين.
حدد الاتفاق مسارا لخروج القوات الأمريكية والأجنبية من أفغانستان خلال 14 شهرا، مقابل تعهد طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها، والدخول في مفاوضات أفغانية-أفغانية تمهيدا لتسوية سياسية.
لكن الحكومة الأفغانية لم تكن طرفا في الاتفاق. وأدى ذلك إلى مشكلة أساسية في المرحلة الأخيرة من الحرب، إذ تفاوضت واشنطن مع طالبان على مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، بينما بقيت الحكومة التي يفترض أن تدير البلاد بعد الانسحاب خارج الاتفاق الأساسي.
كما أعطى الاتفاق طالبان موعدا واضحا لانسحاب القوات الأجنبية، في الوقت الذي واصلت فيه الحركة القتال ضد القوات الحكومية.
اظهار أخبار متعلقة
بايدن يرث قرار الانسحاب
عندما تولى جو بايدن الرئاسة في كانون الثاني/يناير 2021، ورث اتفاق الدوحة وقرار الانسحاب.
كان الاتفاق يستهدف إنهاء الوجود العسكري الأمريكي بحلول أيار/مايو 2021، لكن إدارة بايدن مددت الموعد إلى أيلول/سبتمبر، قبل أن تحدد 31 آب/ أغسطس موعدا نهائيا لإنهاء المهمة العسكرية.
وفي تموز/يوليو، انسحبت القوات الأمريكية من قاعدة باغرام الجوية، التي شكلت طوال سنوات مركز العمليات العسكرية الأميركية الرئيسي في أفغانستان.
وفي 8 تموز/يوليو، أعلن بايدن أن المهمة العسكرية الأميركية ستنتهي في 31 آب/ أغسطس، مؤكدا أن الانسحاب يمضي قدما.
لكن طالبان كانت قد بدأت في الوقت نفسه توسيع هجومها على الأرض. ولم تتوقع واشنطن أن تنهار الحكومة الأفغانية بهذه السرعة.
اظهار أخبار متعلقة
طالبان توسع الهجوم
مع اقتراب موعد الانسحاب، بدأت طالبان توسيع سيطرتها على المناطق الريفية والطرق الرئيسية والمعابر الحدودية.
ركزت الحركة على عزل المدن وقطع خطوط الإمداد، ثم ضغطت على القوات الحكومية لإجبارها على الانسحاب أو الاستسلام.
وسيطر مقاتلو طالبان خلال تموز/ يوليو على عدد من المعابر الحدودية المهمة، بينها معبر إسلام قلعة مع إيران ومعبر سبين بولدك مع باكستان.
كما صعدت الحركة هجماتها على المدن، خصوصا قندهار وهلمند وهرات. ومع بداية آب/ أغسطس، أصبح انهيار السيطرة الحكومية أكثر وضوحا.
6 أغسطس.. أول عاصمة إقليمية تسقط
في 6 آب/ أغسطس، سيطرت طالبان على زرنج، عاصمة ولاية نيمروز، لتصبح أول عاصمة إقليمية تسقط في الهجوم الكبير الذي شنته الحركة.
شكل سقوط زرنج إشارة إلى أن طالبان لم تعد تكتفي بالسيطرة على مناطق ريفية، بل بدأت تنتقل إلى السيطرة على مراكز الولايات.
وبعد ذلك تسارعت العملية بصورة لافتة. سقطت شيبرغان، ثم قندوز وسربل وتالقان، وتبعتها مدن أخرى في الشمال.
وأظهرت التطورات أن القوات الحكومية لم تعد قادرة على الحفاظ على خطوطها في مناطق واسعة من البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
10 أغسطس.. كابل تدخل الحسابات
مع اتساع الهجوم، بدأت التقديرات الأمريكية تتغير بسرعة. كانت واشنطن تتوقع أن تتمكن الحكومة الأفغانية من الصمود بعد الانسحاب، وربما الحفاظ على السيطرة على كابل والمدن الكبرى.
لكن سقوط عواصم الولايات كشف أن الجيش الحكومي لم يعد يتحرك كقوة واحدة متماسكة.
انسحبت قوات في بعض المناطق، واستسلمت وحدات في مناطق أخرى، بينما عقد مسؤولون وقادة محليون ترتيبات مع طالبان.
ومع سقوط كل مدينة، حصلت الحركة على أسلحة ومركبات ومعدات، وازدادت قدرتها على التقدم.
كما أدى سقوط المدن إلى تراجع ثقة الجنود والمسؤولين بإمكانية استمرار الحكومة.
12 و13 أغسطس.. المدن الكبرى تسقط
وصل هجوم طالبان إلى المدن الكبرى في منتصف آب/ أغسطس. في 12 آب، سقطت غزنة، التي تقع على الطريق الرئيسي بين كابل وقندهار.
وفي اليوم التالي، سقطت هرات وقندهار، وهما من أهم مدن أفغانستان.
خاضت القوات الحكومية ومقاتلون محليون معارك في هرات، لكن المدينة سقطت في النهاية، فيما فقدت الحكومة قندهار، ثاني أكبر مدن البلاد ومركز طالبان التاريخي.
وفي 13 آب/ أغسطس أيضا، سقطت لشكر غاه، عاصمة ولاية هلمند، إلى جانب عدد من عواصم الولايات الأخرى.
وخلال أيام قليلة، فقدت الحكومة السيطرة على معظم الجنوب والغرب، وأصبح سقوط كابل مسألة وقت.
14 أغسطس.. مزار الشريف تسقط
كانت مزار الشريف آخر مركز كبير للحكومة في شمال أفغانستان. اعتمدت الحكومة في المدينة على قادة محليين وقوات كانت تاريخيا من أبرز خصوم طالبان، لكن الحركة تمكنت في 14 آب/ أغسطس من السيطرة عليها.
وأدى سقوط مزار الشريف إلى انهيار ما تبقى من موقف الحكومة في الشمال.
في الوقت نفسه، سقطت مناطق أخرى قريبة من كابل، وأصبحت العاصمة محاصرة عمليا من معظم الجهات.
15 أغسطس.. اليوم التاريخي
مع بداية الأحد 15 آب/ أغسطس، بقيت كابل آخر مدينة كبرى تحت سيطرة الحكومة. لكن طالبان سيطرت صباحا على جلال آباد، عاصمة ولاية ننغرهار شرقي البلاد، بعد اتفاق محلي أدى إلى تسليم المدينة من دون معركة كبيرة، مما أدى إلى قطع آخر طريق رئيسي يربط كابل بالشرق وبالحدود الباكستانية.
في تلك الساعات، بدأت الولايات المتحدة إجلاء موظفي سفارتها في كابل، وتجمع آلاف الأفغان في شوارع العاصمة وفي محيط المطار. حاولت قيادات أفغانية التوصل إلى صيغة لنقل السلطة، بينما أعلنت طالبان أنها لا تريد اقتحام كابل بالقوة وأنها تنتظر انتقالا سلميا للسلطة، لكن التطورات على الأرض سبقت المفاوضات؛ إذ دخل مقاتلو طالبان العاصمة من عدة جهات، وانهارت مواقع القوات الحكومية.
وفي وقت لاحق من اليوم، غادر الرئيس أشرف غني البلاد لتجنب معركة داخل كابل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا -بحسب تصريحه- لكن مغادرته أنهت عمليا وجود القيادة السياسية للجمهورية. ومع مغادرته، انتشر مقاتلو طالبان في الشوارع ووصلوا إلى القصر الرئاسي وظهر قادتها داخله، في مشهد اختصر انهيار الدولة والمنظومة التي أنشئت ودعمتها واشنطن على مدى عقدين.
اقرأ أيضا: أمنية شريك الاتصالات الرسمي لحفل ماريلين نعمان في المدرج الروماني
ساهمت في هذا الانهيار السريع شبكة طالبان المحلية وقدرتها على عقد التفاهمات، إضافة إلى عوامل بنيوية كالانقسامات السياسية التي واجهتها الحكومة، والفساد، وضعف المؤسسات، وتراجع معنويات الجيش فور انسحاب الغطاء الأمريكي.
ومن العوامل التي سرعت بانهيار الحكومة، الانقسامات السياسية حيث توترت علاقات غني مع عدد من القوى السياسية وقادة الحرب. كما عانت الدولة من الفساد والمحسوبية وضعف المؤسسات، ما أثر في قدرتها على حشد دعم سياسي واسع في مواجهة طالبان.
شبكة طالبان المحلية
لم تعتمد طالبان على القوة العسكرية وحدها. إذ فاوضت الحركة قادة ووجهاء ومسؤولين محليين، واستفادت من انهيار معنويات القوات الحكومية.
وفي عدد من المناطق، لم تنتظر طالبان خوض معركة طويلة، بل دخلت بعد انسحاب القوات أو استسلامها.
مشهد مطار كابل
لم ينته المشهد بسقوط القصر الرئاسي. إذ بدأ آلاف الأفغان المتعاونين مع الأمريكان البحث عن طريق للخروج من البلاد، وتحول مطار حامد كرزاي الدولي إلى آخر منفذ رئيسي أمام الراغبين في المغادرة.
بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية إجلاء واسعة، وامتلأت مدارج المطار بآلاف الأفغان الذين حاولوا مغادرة البلاد.
وأصبحت صور الفوضى في المطار، بما فيها مشاهد أفغان تعلقوا بطائرة عسكرية أمريكية أثناء إقلاعها، رمزا لنهاية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان.
— عربي21 (@Arabi21News) August 17, 2021
وفي 26 آب/ أغسطس، استهدف هجوم لتنظيم الدولة -ولاية خراسان محيط المطار، ما أدى إلى مقتل أكثر من 170 أفغانيا و13 عسكريا أمريكيا.
وفي 31 آب/ أغسطس، غادرت آخر القوات الأمريكية أفغانستان، منهية حربا استمرت نحو 20 عاما.
ماذا حدث بعد سقوط كابل؟
أدى تغيير السلطة إلى أزمة اقتصادية كبيرة، إذ تراجعت المساعدات الخارجية، وجُمدت أصول للبنك المركزي الأفغاني، واضطربت العلاقات المالية الدولية، فيما واجه الاقتصاد صدمة كبيرة بعد سنوات من الاعتماد على المساعدات الخارجية.
لكن الأزمة لم تبدأ مع طالبان بالكامل، إذ عانت أفغانستان قبل 2021 من الفقر والحرب والجفاف والاعتماد الكبير على المساعدات.
غير أن توقف التمويل الخارجي بعد سقوط الحكومة فاقم الأزمة. وبعد سنوات من الانكماش، بدأ الاقتصاد يسجل نموا محدودا، لكن هذا النمو لم يتحول بالضرورة إلى تحسن ملموس في حياة الأفغان.
وتواجه البلاد أيضا ضغوطا إضافية بسبب عودة ملايين الأفغان من إيران وباكستان، ما يزيد الضغط على سوق العمل والخدمات.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد أظهر قدرة على الصمود، لكنه حذر من استمرار الضغوط على مستويات المعيشة والوظائف والدخل.
الأمن يتحسن.. والعنف يتغير
تراجعت الحرب الواسعة التي استمرت نحو عقدين بعد عودة طالبان إلى السلطة. لم تعد أفغانستان تشهد القتال نفسه بين قوات حكومية وطالبان، وانخفضت الخسائر المدنية المرتبطة بالمعارك مقارنة بالسنوات السابقة.
لكن ذلك لم يعنِ نهاية العنف. إذ برز تنظيم الدولة-ولاية خراسان كأحد أبرز مصادر الهجمات، خصوصا ضد المدنيين وبعض الأقليات.
كما وثقت الأمم المتحدة انتهاكات وعمليات قتل خارج نطاق القضاء واعتقالات وتعذيبا، ما أبقى الملف الحقوقي والأمني حاضرا رغم تراجع الحرب المفتوحة.
النساء والفتيات.. أكبر تغيير بعد 2021
فرضت طالبان بعد عودتها إلى السلطة قيودا واسعة على النساء والفتيات، لكنها أقل من فترة حكمها الأولى قبل 2001.
بدأت القيود بمنع الفتيات من مواصلة التعليم الثانوي، ثم توسعت إلى التعليم الجامعي والعمل والحركة والوصول إلى عدد من الخدمات والمرافق العامة.
وبعد خمس سنوات، أصبحت أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي تحظر التعليم الثانوي والجامعي على الفتيات والنساء.
وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 2.4 مليون فتاة حُرمن من التعليم فوق المرحلة الابتدائية.
كما أصدرت طالبان خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 100 مرسوم وإجراء قيد حقوق النساء والفتيات، بحسب الأمم المتحدة.
— عربي21 (@Arabi21News) August 17, 2021
قتلى وجرحى في مطار #كابول بسبب التدافع والازدحام الشديد للأفغان الهاربين من البلاد بعد سيطرة #طالبان على العاصمة.. لمعرفة التفاصيل تابع🔽 pic.twitter.com/QqeUcSZ5Oh
— عربي21 (@Arabi21News) August 16, 2021
اقرأ أيضا: القادسية يقترب من ضم ريندرز من مانشستر سيتي مقابل 61 مليون يورو
