“الطرورة”.. قارب نجاة العالقين في دارفور بين مياه الخريف والحرب | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

دارفور- في منطقة فوربرنقا (غرب دارفور) لا يحتاج الأمر إلى أكثر من هطول أمطار غزيرة حتى يرتفع منسوب وادي أزوم، وتنقطع الطرق، وتتحول القرى إلى جزر معزولة، لا يصلها أحد، ولا تصل إلى أحد.

اقرأ أيضا: «فندورا» تعرض أحدث حلول النوم والراحة في معرض العودة للدراسة 2026 بالرياض

هنا، حيث تتصارع مياه الخريف مع جحافل الحرب، لا جسور تعبر بها، ولا عبارات تنقلك، ولا طرق تصل بك إلى الضفة الأخرى. لا شيء هناك سوى “الطرورة”، ذلك القارب البدائي الذي تصنعه أياد ماهرة من سيقان نبات “الطرور” المجوفة، ليظل شريان الحياة الوحيد في وجه العزلة.

وعلى متنه، تُحمَل الحياة بكل تفاصيلها: أمهات على وشك الولادة، أطفال تفتك بهم الحمى، وأكفان تلفّ من رحلوا. كل رحلة في “الطرورة” مغامرة بين الضفتين، تنتظر فيها كل ضفة وصول قارب يحمل أنفاسا تلهث تحت وطأة الجوع والخوف.

 

جذور تاريخية

تعود صناعة “الطرورة” في منطقة فوربرنقا إلى عقود طويلة، حيث كانت وسيلة النقل الوحيدة بين ضفتي وادي أزوم، قبل أن تتحول إلى أداة بقاء في ظل الحرب والفيضانات.

وقد توارثت الأجيال هذه الحرفة، وأصبحت جزءا من التراث الثقافي للمنطقة، لكن الظروف القاسية جعلت منها اليوم شريان حياة لا غنى عنه.

يقول آدم رمضان آدم، مسؤول الثقافة والتراث لقبيلة السنيار، التي تقطن منطقة فوربرنقا جنوب شرق الجنينة عاصمة غرب دارفور، في تصريح للجزيرة نت: “الطرورة ليست مجرد مركب، إنها شريان حياة”.

ويوضح أن عشبة “طرور” تنمو بكثافة على ضفاف الوديان، وتقطع في موسم الجفاف، وتترك لتجف تحت الشمس، ثم تربط سيقانها معا بإحكام لتشكيل “الطوف” الذي يحمل الناس عبر المياه.

ويضيف آدم أن الطرورة تُستخدم لنقل البضائع والأشخاص بين ضفتي وادي أزوم، الذي يفصل بين منطقتي فوربرنقا وأنجكوتي، مؤكدا أنه بدونها تنقطع سبل الحياة، وتتوقف الأسواق، ويصبح الوصول إلى المستشفيات والمدارس حلما بعيد المنال. ويتابع “الطرورة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي رمز للصمود والتكيف مع قسوة الطبيعة والحرب معا”.

أيادٍ دارفورية تجرّ الطرورة عبر مياه الخريف ـ الجزيرة نت
أياد دارفورية تجرّ الطرورة عبر مياه فياضانات الخريف (الجزيرة)

مواجهة الفيضانات

ومع كل موسم خريف، تتحول وديان دارفور، وعلى رأسها وادي أزوم ووادي باري، إلى أنهار هائجة تجرف في طريقها كل ما تعترضه. ولا يمر عام دون أن تشهد المنطقة سيولا جارفة تدمر عشرات المنازل كليا أو جزئيا، في مشهد يتكرر بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى.

هذه الكوارث الموسمية تجعل من “الطرورة” أداة حياة لا غنى عنها، فهي الوسيلة الوحيدة لنقل الغذاء والدواء والماء بين القرى المعزولة، وإجلاء العائلات المحاصرة في مناطق الخطر.

وتتضاعف أهمية الطرورة مع انهيار البنى التحتية وتدمير الطرق والجسور جراء الحرب المستمرة، لتظل الشريان الوحيد الذي يربط بين ضفتي الحياة. ويؤكد آدم أن “الطرورة تحمل في طياتها تاريخا طويلا من الصبر والتكيف. آباؤنا وأجدادنا استخدموها، ونحن نستخدمها اليوم، وسيستخدمها من بعدنا إن لم تتغير الأحوال”.

****داخلية**** سيقان نبته الطرورة مرصوصة في وادي ازوم قرب مدينة الجنينة الجزيرة نت
سيقان نبتة الطرور مرصوصة في وادي أزوم قرب مدينة الجنينة وتصنع منها الطرورة (الجزيرة)

حرفة تتحدى

وعلى الرغم من بساطة الطرورة، فإنها تُظهر قدرة المجتمعات المحلية على الابتكار والتكيف مع الظروف القاسية. فهذا القارب المصنوع من نبات الطرور، يتميز بالخفة والقدرة على الطفو، مما يجعله وسيلة مثالية للتنقل في المياه الضحلة والمتدفقة.

يقول الشيخ سليمان خاطر، أحد أعيان المنطقة، للجزيرة نت: “نستخدم الطرورة في صيد الأسماك والتنقل عبر الأنهار والوديان”. ويوضح أن هذه الصناعة التقليدية، التي تتناقلها الأجيال، أصبحت اليوم شريان حياة في ظل انعدام البدائل.

ويضيف محمد عبد الله آدم، أحد صانعي الطرورة في المنطقة، للجزيرة نت، أن “هذه الحرفة توارثناها عن الآباء والأجداد، ونحن حريصون على نقلها لأبنائنا”.

أما عبد الرحمن موسى إبراهيم، أحد النازحين الذين يعتمدون على الطرورة في عبور الوادي، فيقول للجزيرة نت: “بدون الطرورة، كنا سنبقى عالقين في الجانب الآخر من الوادي، لا نستطيع جلب الطعام ولا الوصول إلى العلاج. هي الوسيلة الوحيدة التي تبقينا على قيد الحياة”.

في قلب وادي أزوم.. الطرورة تعانق الأمواج وتحمل الأمل إلى الضفة الأخرى_ – خاصة بالجزيرة نت_
الطرورة تساعد في نقل الناس إلى الضفة الأخرى (الجزيرة)

تضامن مجتمعي

وفي غياب الجسور والدعم الحكومي، يجتمع أبناء القرى على ضفاف وادي أزوم لصناعة “الطرورة” بشكل جماعي، في مشهد يعكس روح التضامن التي ميزت المجتمعات المحلية في دارفور لعقود. فالنساء يشاركن في تجفيف سيقان “الطرور” وربطها، بينما يتولى الرجال عملية تجميع الطوف واختبار مقاومته للمياه.

اقرأ أيضا: يوم تكويني حول علاج صدمات الكوارث في الجزائر – الشروق أونلاين

يشير آدم رمضان آدم إلى أن “صناعة الطرورة ليست عملا فرديا، بل إنه جهد جماعي يشارك فيه الكبار والصغار، فالكل يدرك أن هذه الوسيلة هي التي تبقيهم على قيد الحياة. هذا التضامن هو ما يمنحنا القوة لمواجهة كل التحديات”.

وزادت أهمية الطرورة في السنوات الأخيرة بشكل كبير، إذ إن الحرب التي نشبت في السودان أدت إلى تدمير عديد من الطرق والجسور، وزيادة الاعتماد على الوديان كممرات إمداد بديلة. كما ساهمت الفيضانات الموسمية في عزل بعض المناطق، مما زاد الاعتماد على هذا القارب التقليدي.

ويواجه سكان دارفور تحديات جديدة، فمع استمرار الحرب وارتفاع أسعار المواد الأساسية، أصبح الحصول على نبات الطرور نفسه تحديا. إضافة إلى ذلك، فإن تدفق النازحين إلى مناطق الوديان زاد الضغط على الموارد الطبيعية.

ويقول آدم رمضان إن “الحرب جعلت كل شيء أصعب. الطرورة التي كنا نصنعها بسهولة، أصبحنا نجد صعوبة في تأمين موادها. ولكننا سنستمر، لأنها الوسيلة الوحيدة التي تبقينا على قيد الحياة”.

أيادٍ دارفورية تجرّ الطرورة عبر مياه الخريف.. رحلة بين الضفتين – خاصة بالجزيرة نت_
شاب يجرّ الطرورة عبر مياه سيول الخريف في دارفور  (الجزيرة)

حلم جسور

وفي ظل غياب الاستقرار وانعدام الأمن، تبقى الطرورة رمزا للصمود والاعتماد على الذات. ففي الوقت الذي تتركز فيه جهود الإغاثة في المدن الكبرى، تستمر هذه الأداة البسيطة في إنقاذ حياة الناس في القرى والمناطق النائية.

ويطالب سكان منطقة وادي أزوم وفوربرنقا بإنشاء جسور دائمة تحميهم من خطر الفيضانات، لكنهم يعلمون أن الحرب وتداعياتها تجعل هذا الحلم بعيد المنال، فيقول آدم رمضان: “نحلم بجسور، ولكننا نعيش على الطرورة. هي هويتنا، وهي وسيلة بقائنا. أسأل الله أن يأتي يوم نعبر فيه الجسور، ولكن حتى ذلك الحين، سنظل نعبر على الطرورة، محملين بالأمل والصبر”.

وفي دارفور، حيث تلتقي تحديات الطبيعة بجحافل الحرب، يبقى “قارب الطرورة” شاهدا على إبداع الإنسان في مواجهة المستحيل. فكلما زادت مياه الوديان، ازدادت الحاجة إليه؛ وكلما اشتدت الأزمات، برزت بساطته بوصفه حلا أنقذ أرواحا لا تُحصى.

في مشهد يتكرر يوميا، ينظر سكان وادي أزوم إلى مياه الخريف المتدفقة، وهم يمسكون بأدواتهم البسيطة، عازمين على عبور النهر، حاملين معهم أمل العودة إلى قراهم، وصبرا على واقع لا يزال يرزح تحت وطأة الحرب والحرمان.

وهنا يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كم عاما آخر ستبقى “الطرورة” شريان الحياة الوحيد لأهالي ودائع (وديان) دارفور، قبل أن تتحقق أحلامهم بجسور تصل بين ضفتي الحياة، وتنهي معاناتهم مع كل موسم خريف؟

اقرأ أيضا: حاج موسى يرفض إغراءات السعودية وينتظر عرضًا إنجليزيًا – النهار أونلاين

‫0 تعليق