اقرأ أيضا: سورية .. الإعلان عن أول رحلة أوروبية إلى مطار دير الزور
وتكمن أهمية تصديق الخطر في أن الإنسان غالباً لا يستطيع تقدير قوة المياه الجارية بمجرد النظر إليها. فقد يبدو الماء ضحلاً وهادئاً نسبياً، بينما تكون سرعته كافية لإسقاط الإنسان أو دفع المركبة خارج مسارها. كما أن الإنسان الذي ينزل إلى مجرى الوادي أثناء جريان السيل لا يواجه الماء فقط، بل يضع نفسه داخل مسار القوة الطبيعية نفسها. وإذا ارتفع المنسوب فجأة أو زادت سرعة الجريان، فقد لا يكون لديه الوقت الكافي للعودة إلى مكان مرتفع. ومن هنا فإن القاعدة الوقائية الأساسية هي أن وجود المياه الجارية في مجرى الوادي يعني وجود خطر محتمل، حتى لو بدا السيل في لحظته الأولى ضعيفاً أو محدوداً.
المشكلة ليست دائماً في أن الناس يجهلون وجود الخطر، بل إن بعضهم يعرف أن السيول خطرة ومع ذلك يتخذ قراراً بالمخاطرة. فالسلوك البشري أثناء جريان السيول يشير إلى أن من أهم أسباب السلوكيات الخطرة التقليل من تقدير الخطر، والتقليل من تقدير سرعة المياه وقوتها، والمبالغة في تقدير قدرة الإنسان على النجاة منها. وهذا يوضح أن المعرفة وحدها لا تكفي دائماً لتغيير السلوك؛ فالإنسان قد يعرف المعلومة نظرياً، لكنه لا يشعر بأن الخطر ينطبق عليه شخصياً في تلك اللحظة.
ومن أهم أسباب عدم تصديق الخطر الاعتياد على المكان والتجارب السابقة. فالشخص الذي اعتاد الذهاب إلى مجرى وادي معين سنوات طويلة دون وقوع حادث قد يكوّن اعتقاداً بأن المكان آمن، وقد يقول: لقد جئت إلى هنا عشرات المرات ولم يحدث شيء. غير أن هذه الحجة منطقياً لا تثبت أن المكان آمن، وإنما تثبت فقط أن الحادث لم يقع في المرات السابقة. فالخطر لا يحتاج إلى أن يحدث في كل مرة حتى يكون خطراً حقيقياً. وقد تكون السيول السابقة محدودة، بينما يأتي سيل لاحق بكمية مياه وسرعة وقوة مختلفة تماماً.
وهنا يظهر ما يسمى في أدبيات إدراك المخاطر بـالخبرة الناجحة السابقة؛ فالإنسان قد يعتبر عبوره السابق لمجرى الوادي أثناء جريان السيل دليلاً على إمكانية العبور مرة أخرى. وقد وجدت دراسة أجريتها أن رؤية مركبات أخرى تعبر المياه بنجاح كانت من العوامل التي تؤثر في قرار بعض السائقين بدخول مجرى الوادي، حتى مع إدراكهم لوجود الخطر. وهذا نوع من الاستدلال البشري الخاطئ: إذا عبر الآخرون ولم يحدث لهم شيء، فمن المحتمل أن أعبر أنا أيضاً. لكن هذا الاستنتاج يتجاهل أن ظروف جريان السيل قد تتغير خلال دقائق.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما يتحول الخطر إلى مشهد مألوف. فالناس عادة يخافون من الأشياء التي تبدو غير مألوفة أو خارجة عن السيطرة، بينما قد يتعاملون مع الوادي الذي يعرفونه منذ سنوات باعتباره جزءاً عادياً من بيئتهم. ولذلك قد يرى الشخص السيل، لكنه لا يرى نفسه ضحية محتملة له. وهذه الفجوة بين معرفة الخطر والشعور الشخصي بالتعرض له تعد من أهم أسباب السلوكيات الخطرة.
اقرأ أيضا: إيران تعلن التوصل مع عُمان إلى خريطة متفق عليها للملاحة في مضيق هرمز
كما أن التفاؤل الزائد والثقة المفرطة بالقدرة الشخصية يؤديان دوراً مهماً. فقد يعتقد الشخص أنه يستطيع السباحة، أو أنه سريع في الجري، أو أن مركبته قوية بما يكفي، أو أنه يستطيع العودة إلى الطريق إذا ارتفع منسوب جريان السيل. إلا أن السيل لا يعمل وفق قدرات الإنسان الفردية؛ فالمياه المتحركة قد تسقط الإنسان، وتفقده توازنه، وتجره إلى مناطق أعمق أو بين الصخور، وقد تجعل عملية الإنقاذ نفسها شديدة الخطورة. إن الثقة بالقدرة الشخصية، والاعتقاد بأن الوضع الحالي مختلف عن التحذيرات العامة، والتجارب السابقة الناجحة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في اتخاذ قرار الدخول إلى مياه السيل.
ومن الأسباب المهمة أيضاً ضغط الآخرين. فقد يتردد شخص في دخول مجرى السيل، ثم يرى مجموعة من أصدقائه أو مركبات أخرى تدخل المكان، فيشعر بأن الخطر أقل مما كان يعتقد. وقد يقول أحدهم: لا تخاف، الماء بسيط، أو السيارات كلها تعبر. وهنا ينتقل القرار من تقييم علمي للخطر إلى تقليد سلوك المجموعة. أن وجود الآخرين وتشجيعهم، إضافة إلى رؤية الآخرين يعبرون المياه، يمكن أن يؤثر في قرارات الأفراد بشأن دخول مجاري الأودية أثناء جريان السيل.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: عدم الابتعاد عن الخطر لا يعني بالضرورة أن الإنسان لا يفهم الخطر. أحياناً يكون الإنسان مدركاً للخطر، لكنه يعتقد أن الخطر ليس بهذه الدرجة من الخطورة، أو أنه يستطيع السيطرة عليه، أو أن احتمال وقوع الضرر منخفض، أو أن الوصول إلى هدفه أهم من المخاطرة. وقد يكون السبب أيضاً غموض الموقف؛ فإذا لم يعرف الإنسان عمق المياه أو مصدرها أو ما إذا كان منسوبها في ارتفاع مستمر، فقد يحاول الاقتراب أكثر للتأكد. وهنا تحديداً قد يتحول السعي إلى معرفة الخطر إلى الوقوع فيه.
لذلك، فإن المطلوب من أفراد المجتمع ليس أن يخافوا من كل مجرى وادٍ أثناء جريان السيل، وإنما أن يحترموا الخطر عندما تتوافر مؤشراته. والسيل في مجرى الوادي ليس مكاناً للمغامرة أو اختبارا قدرة الإنسان أو المركبة. والقرار الصحيح لا ينبغي أن يكون: هل أستطيع العبور؟، وإنما: لماذا أخاطر بحياتي ما دام بإمكاني الابتعاد عن الخطر؟ فحتى لو كان احتمال وقوع الحادث منخفضاً، فإن عواقبه قد تكون كارثية وغير قابلة للتدارك.
الخطر لا يصبح حقيقياً فقط عندما تقع الوفاة أو تحدث الكارثة؛ بل يكون حقيقياً منذ اللحظة التي تتوافر فيها الظروف القادرة على إحداثها. ولذلك فإن احترام التحذيرات الرسمية، والابتعاد عن مجاري الأودية، وعدم محاولة عبورها أثناء جريان السيل أو الوقوف في مساره، وعدم اعتبار التجارب السابقة أو سلوك الآخرين دليلاً على الأمان، تمثل سلوكيات عقلانية وليست مبالغاً فيها. فالوعي الحقيقي بالخطر لا يعني أن ينتظر الإنسان حتى يرى شخصاً يجرفه السيل حتى يقتنع؛ وفي مواجهة السيل، قد يكون الابتعاد لدقائق هو الفارق بين مشاهدة الخطر والوقوع ضحية له.
اقرأ أيضا: الخطاب الدعوي والفتاوى مسؤولية الكلمة وحدود الاختصاص
