الخطاب الدعوي والفتاوى مسؤولية الكلمة وحدود الاختصاص

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تظل الدعوة إلى الله رسالة عظيمة تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، وتستمد قيمتها وتأثيرها من قدرتها على جمع القلوب، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز القيم، وترسيخ مبادئ الرحمة والوسطية والاعتدال. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الخطاب الدعوي منضبطًا ومدركًا لمسؤوليته، بعيدًا عن مواطن الفتن والخلافات والمناكفات التي قد تُخرج الدعوة عن مقاصدها، وتحول الكلمة من وسيلة للإصلاح إلى سبب للفرقة أو التأجيج.

اقرأ أيضا: 9 سنوات من التحول والبناء وضبط الخطاب الدعوي

في هذا الإطار، جاء توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، لجميع فروعها في مناطق المملكة، بالتأكيد على الدعاة الرسميين وغير الرسميين المصرح لهم، بعدم التدخل فيما يثار في الدول الأخرى من قضايا أو خلافات أو نقاشات عقدية وفكرية وفقهية، حرصًا على ضبط الخطاب الدعوي، وحماية رسالته من الانجرار إلى سجالات لا تخدم أهداف الدعوة ولا المصلحة العامة.

هذا التوجيه يحمل في مضمونه دلالات مهمة تتجاوز مجرد الامتناع عن التعليق على قضية هنا أو خلاف هناك، فهو يؤكد أن الداعية مسؤول عن كلمته، وأن ما يصدر عنه لا يُنظر إليه دائمًا باعتباره رأيًا شخصيًا مجردًا، خصوصًا عندما يكون معروفًا بصفته الدعوية أو يحمل تصريحًا رسميًا لممارسة الدعوة. فالكلمة في هذا المجال قد تتجاوز صاحبها، وقد تُفسر في سياقات سياسية أو مذهبية أو اجتماعية لم يقصدها، ومن هنا تصبح المسؤولية أكبر والحاجة إلى الانضباط أكثر إلحاحًا.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعفت هذه المسؤولية بصورة غير مسبوقة. فما يقوله الداعية في مجلس محدود قد ينتشر خلال دقائق إلى ملايين المتابعين، ويُقتطع من سياقه، ويُعاد نشره وترجمته والتعليق عليه، وربما يُستخدم في إثارة خلاف أو تأجيج نزاع. ولهذا لم يعد التعامل مع الكلمة الدعوية باعتبارها حديثًا عابرًا، بل أصبحت مسؤولية تتطلب وعيًا بأبعادها ونتائجها وآثارها.

تمتد أهمية هذا الانضباط كذلك إلى ضرورة الإشارة لتجنب الخوض في الشبهات والمسائل الشرعية والفتاوى التي قد تثير اللغط والجدل بين الناس، ولا سيما القضايا الدقيقة والمستجدة التي تحتاج إلى تأصيل علمي ونظر من أهل الاختصاص. فليس من مصلحة المجتمع أن تتحول المنابر الدعوية أو حسابات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتعدد الفتاوى المتعارضة أو طرح الآراء الفردية في مسائل قد يلتبس فهمها بين الناس، فتفتح أبوابًا من الجدل والبلبلة بدلًا من أن تحقق الطمأنينة والوضوح.

للفتوى مكانتها ومسؤوليتها، وهي ليست مجالًا للتسابق الإعلامي أو البحث عن الإثارة، خصوصًا في القضايا التي تتصل بأحكام شرعية دقيقة أو مسائل عامة تمس المجتمع. ولذلك فإن إحالة ما يشتبه من المسائل وما يثير الخلاف واللغط إلى الجهات الرسمية المختصة بالإفتاء والعلماء المخولين بذلك يمثل نهجًا أكثر حكمة وانضباطًا، ويحفظ للفتوى هيبتها، ويجنب الناس تضارب الأقوال، ويصون الخطاب الديني من الاجتهادات الفردية التي قد تُفهم على غير مراد أصحابها.

هنا ينبغي التفريق بين دور الداعية ودور المفتي؛ فالداعية يحمل رسالة القدوة الحسنة والتوجيه والتذكير ونشر الفضيلة وتعزيز القيم والأخلاق، بينما تحتاج الفتوى، ولا سيما في النوازل والقضايا العامة والمشتبهة، إلى علم وتأصيل ومعرفة بالواقع والملابسات والآثار المترتبة عليها. وليس في إحالة هذه المسائل إلى أهل الاختصاص انتقاص من مكانة الداعية، بل هو تعزيز لمصداقيته وإدراك لحدود مسؤوليته، فالقول «لا أعلم» أو إحالة السائل إلى الجهة المختصة من علامات الأمانة العلمية وليس ضعفًا في العلم أو المكانة.

المملكة العربية السعودية قامت في نهجها الديني على الكتاب والسنة، وحرصت على ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف والانحراف الفكري، وهو ما يجعل الخطاب الدعوي جزءًا مهمًا من منظومة حماية المجتمع وتعزيز أمنه الفكري. والداعية في هذا السياق يؤدي رسالة تتجاوز إلقاء المحاضرة أو الموعظة، ليصبح شريكًا في نشر الوعي وتعزيز اللحمة الوطنية وترسيخ قيم التسامح والرحمة والاعتدال.

اقرأ أيضا: مارتينيز يحل معضلة الليث – جريدة الوطن السعودية

كما أن عدم التدخل في القضايا والخلافات التي تقع في الدول الأخرى لا يعني الانعزال عما يحدث في العالم، وإنما يعني إدراك حدود المسؤولية والاختصاص، وعدم الدخول في شؤون قد تكون لها خلفيات سياسية أو اجتماعية أو مذهبية معقدة. فلكل دولة ظروفها ومؤسساتها وعلماؤها وجهاتها المعنية، وليس من الحكمة أن يتحول الداعية إلى طرف في نقاشات لا يملك كامل تفاصيلها، أو أن يصدر أحكامًا قد يكون لها أثر يتجاوز حدود ما أراد قوله.

الأمر ذاته ينطبق على النقاشات العقدية والفكرية والفقهية التي تتحول أحيانًا عبر منصات التواصل إلى سجالات طويلة، يتبادل فيها المشاركون الردود والاتهامات، ويضيع معها الهدف الحقيقي من العلم والدعوة. فليس كل خلاف يحتاج إلى تعليق، وليس كل سؤال متداول يستوجب جوابًا علنيًا، وليس كل قضية مثارة على وسائل التواصل تستحق أن ينشغل بها الداعية أو ينقلها إلى الناس.

المجتمع اليوم يحتاج من الدعاة إلى خطاب يعزز الأمل، ويرسخ الأخلاق، ويحفظ الأسرة، ويواجه السلوكيات السلبية، ويحث على الأمانة والإتقان وبر الوالدين وصلة الرحم وحسن التعامل واحترام الأنظمة والمحافظة على الممتلكات العامة، ويعزز قيم المواطنة والمسؤولية والتعايش. وهذه مساحات واسعة ومؤثرة تستطيع الدعوة من خلالها أن تصنع أثرًا حقيقيًا في حياة الناس بعيدًا عن الخلافات والمناكفات.

كما أن ضبط الخطاب الدعوي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تضييقًا على الداعية، بل حماية له ولرسالته من الوقوع في مساحات قد تجره إلى ما لا يخدم مهمته. فالانضباط المؤسسي ضرورة في كل عمل عام، والدعوة ليست استثناءً، بل هي أحوج إلى ذلك لما للكلمة الدينية من تأثير كبير في النفوس.

توجيه وزارة الشؤون الإسلامية للدعاة يمثل رسالة واضحة بأن الدعوة مسؤولية قبل أن تكون منبرًا، وأن التصريح بممارستها يحمل صاحبه واجبًا أخلاقيًا وعلميًا ووطنيًا في اختيار ما يقول ومتى يقول وكيف يقول. كما يؤكد أن المرجعية في القضايا الشرعية العامة والفتاوى التي يترتب عليها أثر مجتمعي ينبغي أن تبقى للجهات المختصة وأهل العلم المخولين، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية والسجالات المفتوحة.

مكانة الداعية لا تقاس بكثرة حضوره في كل قضية، ولا بسرعة تعليقه على كل حدث، ولا بعدد الفتاوى التي يتصدر للإجابة عنها، وإنما تقاس بحكمة كلمته، وعمق أثره، وقدرته على معرفة ما ينبغي أن يقوله وما ينبغي أن يتركه لأهله. فحين تنضبط الكلمة، وتحترم الاختصاصات، وتبتعد الدعوة عن ساحات الجدل والفتن، تبقى رسالتها كما ينبغي لها أن تكون، رسالة هداية وإصلاح ورحمة واعتدال، تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتعين المجتمع على الثبات والوعي والتماسك.

اقرأ أيضا: إسرائيل تريد مفاوضات “أكثر جدية” مع لبنان

‫0 تعليق