
تروي كتب
الأدب واللغة أن كاتباً لأبي موسى الأشعري tكتب
إلى عمر بن الخطاب tكتاباً
افتتحه بقوله: “من أبو موسى”، والصواب: “من أبي موسى”، لأن الاسم
مجرور بحرف الجر، فأنكر عمر هذا اللحن، وأمر بتأديب الكاتب. ومهما يكن من اختلاف في
تفاصيل الرواية، فإن معناها يكشف مقدار عناية أسلافنا بسلامة العربية، حتى إن الخطأ
فيها كان يُعد نقصاً لا يليق بمن يتولى الكتابة في شؤون الناس.
اقرأ أيضا: إيران تصعّد: لا قرار للحوار مع واشنطن ومضيق هرمز تحت سلطتنا
وما أحوجنا
اليوم إلى شيء من تلك الغيرة على لغتنا، لا تعصباً لها، ولا تضييقاً على الناس، بل
لأنها وعاء أفكارنا، ولسان تعليمنا وإعلامنا وقضائنا وإدارتنا وثقافتنا، وهي اللغة
التي شرَّفها الله بأن أنزل بها كتابه فقال: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”، وقال سبحانه: “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ”.
وقد عبَّر
الإمام أبو منصور الثعالبي عن مكانة العربية تعبيراً جميلاً، فربط بين محبة الرسول
العربي r ومحبة العرب والعربية التي نزل بها
القرآن، ورأى أن من أحب هذه اللغة حقاً اعتنى بها وثابر على تعلمها وصرف همته إلى إتقانها.
وليس المقصود أن تصبح العربية حكراً على أهل النحو والأدب، بل أن تبقى لغةً حيّةً سليمةً
على ألسنة أبنائها.
وتزداد
المسؤولية حين يكون المتحدث متصدراً للناس. فالمذيع الذي يقرأ الأخبار، والمراسل الذي
ينقل الأحداث، والقاضي الذي يتلو الأحكام، والسياسي الذي يلقي الخطب، والرئيس والوزير
والنائب والمحافظ، والموظف الذي يخاطب الجمهور، والمعلم وأستاذ الجامعة مهما كان اختصاصهما،
كل هؤلاء ينبغي أن يمتلكوا حداً مقبولاً من سلامة اللغة، لأن كلامهم لا يبقى شأناً
شخصياً، بل يسمعه آلاف الناس وربما ملايينهم.
ويُروى
أن عبد الملك بن مروان، وكان من المشهورين بالفصاحة، قيل له: أسرع إليك الشيبُ، فقال: “شيَّبني ارتقاء المنابر وتوقُّع اللحن”. فما أجمل دلالة هذه العبارة؛
رجل يتولى شؤون دولة، ومع ذلك يحمل همَّ الكلمة التي ينطق بها على المنبر، ويخشى أن
يزل لسانه أمام الناس. فليت المذيع قبل نشرته، والمسؤول قبل خطبته، والقاضي قبل تلاوة
حكمه، والأستاذ قبل محاضرته، يستحضرون شيئاً من هذا المعنى.
إننا نسمع
اليوم، مع الأسف، أخطاءً كثيرةً في نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية ومداخلات المراسلين
وخطب المسؤولين ودروس بعض المعلمين وأساتذة الجامعات، وقد نسمع قاضياً يقرأ حكماً معداً
أمامه فيخطئ مراراً في دقائق قليلة. وليس العيب في زلة عارضة، فكل إنسان يخطئ، وإنما
العيب في كثرة الأخطاء مع وجود النص مكتوباً وإمكان مراجعته قبل قراءته.
والعلاج
أيسر مما نظن. تستقيم الألسنة بكثرة قراءة القرآن
الكريم والنصوص العربية الفصيحة، وبالقراءة اليومية للكتب الجيدة، وبالاستماع إلى الفصحاء،
وبحفظ شيء من القرآن والشعر والنثر. ومن أنفع الوسائل القراءة الجهرية، لأن الإنسان
حين يقرأ بصوت مرتفع يدرب لسانه وأذنه معاً، ويكتشف مواطن ضعفه، ويعتاد مخارج الحروف
والتراكيب السليمة. وتكرار الصواب رياضة للسان، كما أن تكرار الخطأ يرسخه.
أما من
سيقرأ نصاً أمام الناس، فالأمر أسهل. ليقرأ النص مرتين أو ثلاثاً قبل ظهوره، وليضع
الحركات على الكلمات الصعبة، وعلى أواخر الكلمات التي يخشى الخطأ في إعرابها، وليستعن
بمدقق لغوي إن احتاج، ومع الأيام يصبح ما كان يحتاج إلى جهد عادةً وسليقةً.
وقد أصبحت
هذه المهمة اليوم أيسر من أي وقت مضى، فنحن في عصر المعاجم الإلكترونية وبرامج التدقيق
والذكاء الاصطناعي. يستطيع المذيع أو الأستاذ أو المسؤول أن يستعين بهذه الأدوات لمراجعة
نصه، وضبط الكلمات بالشكل، واقتراح عبارة أفصح، والتنبيه إلى خطأ نحوي أو لغوي. ولا
يعني ذلك التسليم بكل ما تقترحه التقنية، بل اتخاذها مُعيناً ثم مراجعة ما تقدمه.
وليس إصلاح
الحال مسؤولية الأفراد وحدهم، بل مسؤولية المؤسسات والدول أيضاً. فعلى وزارات التربية
والتعليم والثقافة والإعلام، والجامعات، والقنوات التلفزيونية والإذاعية، والمؤسسات
الرسمية، أن تضع معايير واضحة لسلامة اللغة، وأن تقيم دورات مستمرة للعاملين فيها،
وأن تستعين بالمدققين اللغويين، وألا تسمح لمن يكثر خطؤه ولا يبذل جهداً في إصلاحه
بأن يتصدر للقراءة والخطابة والتعليم والإعلام قبل أن يؤهل نفسه لذلك.
وينبغي
للإعلام العربي خصوصاً أن يعيد إلى الفصحى مكانتها، فلا يصح أن تصبح العامية هي الأصل
في البرامج الحوارية والثقافية والفكرية الجادة. ولسنا بهذا نحارب اللهجات، فهي جزء
طبيعي من حياة المجتمعات، وإنما ندعو إلى ألا تحل محل اللغة العربية المشتركة في المنابر
العامة، فالفصحى جسر يجمع العربي بالعربي من المحيط إلى الخليج.
اقرأ أيضا: السودان.. معارك بين طرفي النزاع في النيل الأزرق وشمال كردفان والأبيض
وليست
حماية اللغة أمراً تنفرد به أمة دون أخرى. ففي فرنسا مثلاً صدر عام 1994 قانون عُرف
بقانون “توبون”، يؤكد أن الفرنسية عنصر أساسي من شخصية فرنسا وتراثها، ويفرض
استعمالها في مجالات عامة متعددة، منها التعليم والعمل والخدمات العامة والإعلانات،
كما يقيد استعمال المصطلحات الأجنبية في بعض المجالات حين يتوافر مقابل فرنسي معتمد.
فإذا كانت أمم أخرى تحمي لغاتها بالتشريع والتعليم والإعلام، أفلا تستحق العربية منا
مثل هذه الغيرة والعناية؟
وكان عمر
بن عبد العزيز شديد النفور من اللحن، ورويت عنه أخبار تدل على أن خطأ الرجل في كلامه
كان ينقص من منزلته عنده، حتى نُقل عنه قوله: “إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها،
فيلحن، فأرده عنها”. وليس المطلوب اليوم أن نعاقب من أخطأ، ولا أن نسخر منه، وإنما
أن نعيد إلى نفوسنا شيئاً من الحياء من الخطأ، وألا تصبح كثرة اللحن أمراً مألوفاً
لا يلفت النظر.
ولعل أجمل
ما نختم به ما رُوي أن عمر بن الخطاب tمرَّ
بقوم يتدربون على الرمي فلم يعجبه رميهم، فلامهم، فقالوا معتذرين: “إنا قوم متعلمين”،
يريدون: متعلمون. فاشتد إنكاره للحنهم، ورُوي عنه أنه رأى خطأهم في لسانهم أشد عليه
من خطئهم في رميهم.
وهنا تختصر
الحكاية فكرتنا كلها. قد يكون الإنسان طبيباً بارعاً، أو
مهندساً، أو قاضياً، أو أستاذاً، أو سياسياً، وقد يكون متقناً لاختصاصه، ولكن ذلك لا
يعفيه من العناية باللغة التي يحمل بها علمه وفكره إلى الناس. ولسنا نطالبه بأن يكون
سيبويه، بل أن يقرأ، ويسمع، ويتدرب، ويراجع، ويسأل إذا جهل، ويصحح إذا أخطأ.
فاللسان
يستقيم بالتدريب، واللغة تحيا بالاستعمال، ومن يتصدر للناس عليه أن يحترم آذانهم وعقولهم
ولغتهم. وإذا كنا نريد لأمتنا أن تحسن التفكير والتعبير عن نفسها، فإن العناية بلغتها
ليست أمراً ثانوياً، بل واحدة من البديهيات التي يبدأ منها الإصلاح.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: عاجل زلزال بقوة 7.7 درجات يضرب سواحل إندونيسيا وتحذير من…
