لم تعد الأزمات في أمريكا اللاتينية مجرد أحداث متفرقة يمكن التعامل معها كل على حدة، بل باتت تشكل مشهدًا إقليميًا متشابكًا يوحي بأن القارة بأكملها دخلت مرحلة جديدة من الاضطراب. فمن جبال الأنديز إلى شواطئ الكاريبي، ومن بوجوتا إلى هافانا وكاراكاس وبوينس آيرس، تتراكم الأزمات السياسية والأمنية والدبلوماسية في وقت واحد، لتصنع ما يشبه العاصفة التي تضرب القارة بأكملها.
اقرأ أيضا: «الإمارات للتوازن بين الجنسين» يطلق «الاستطلاع الوطني»
كولومبيا
في كولومبيا، لم يكد الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييا يتسلم السلطة حتى وجد نفسه أمام بلد منقسم سياسيًا وأمنيًا. فقد جاء إلى الحكم على وقع انتخابات متوترة ووسط مخاوف من عودة العنف المسلح إلى الواجهة، بينما تعهد بانتهاج سياسة أكثر تشددًا تجاه الجماعات المسلحة وعصابات المخدرات، في تحول كبير عن نهج الإدارة السابقة. ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة الاستقطاب السياسي وإشعال موجة جديدة من المواجهات الداخلية في بلد لم يتعافَ بالكامل من عقود الصراع المسلح.
كوبا وتهديدات ترامب
وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار إلى كوبا التي تواجه ضغوطًا متزايدة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالتوتر بين واشنطن وهافانا تجاوز الخلافات التقليدية ليأخذ أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية أكثر حدة، في ظل استمرار العقوبات الأمريكية والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الجزيرة. كما أن المخاوف من مزيد من الضغوط الأمريكية ألقت بظلالها على المشهد الداخلي الكوبي، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.
فنزويلا
أما فنزويلا، التي كانت لعقود عنوانًا للأزمات السياسية في القارة، فما زالت تعيش ارتدادات الأحداث الكبرى التي شهدتها خلال العام الجاري. فملف كاراكاس لم يعد شأنًا محليًا فقط، بل تحول إلى قضية إقليمية ودولية ترتبط بحسابات النفوذ والطاقة والأمن. كما أن تداعيات الأزمة الفنزويلية امتدت إلى دول الجوار التي تخشى موجات نزوح جديدة أو اضطرابات أمنية على الحدود.
أزمة دبلوماسية بين الارجنتين والبرازيل
وفي الجنوب، انفجرت واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية بين الأرجنتين والبرازيل منذ سنوات. فقد تدهورت العلاقات بين الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ونظيره البرازيلي لولا دا سيلفا إلى مستوى غير مسبوق، بعدما تبادلت الحكومتان الاتهامات والانتقادات الحادة، وانتهى الأمر بخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين. وتمثل هذه الأزمة ضربة قوية للتعاون الإقليمي، خصوصًا أن البلدين يشكلان العمود الفقري لتكتل ميركوسور الاقتصادي.
لكن المشهد لا يتوقف عند هذه النقاط الساخنة. ففي البرازيل نفسها تتصاعد حدة الاستقطاب السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي وتصاعد التوتر في العلاقات مع واشنطن. وتحولت الانتخابات البرازيلية من سباق محلي إلى معركة ذات أبعاد دولية، بالنظر إلى تأثيرها المحتمل على توازنات القارة بأكملها.
اقرأ أيضا: افتراضات واشنطن الأربعة الخاطئة بشأن الحرب مع إيران | سياسة
قلق سياسى في بوليفيا
كما تبرز بوليفيا بدورها كإحدى بؤر القلق الإقليمي. فالتوترات السياسية والاجتماعية المتراكمة هناك دفعت بعض مراكز الدراسات إلى التحذير من احتمال تحولها إلى نقطة اشتعال جديدة في أمريكا الجنوبية إذا استمرت الانقسامات الحالية في التوسع.
ويجمع كثير من المحللين على أن ما يحدث اليوم ليس مجرد سلسلة أزمات منفصلة، بل انعكاس لتحولات أعمق تشهدها أمريكا اللاتينية. فالقارة أصبحت ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين قوى سياسية متنافسة داخل الدول نفسها، وبين قوى دولية تسعى إلى تعزيز حضورها في منطقة لطالما اعتُبرت ذات أهمية استراتيجية. كما أن الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية تزيد من هشاشة الأوضاع وتضع الحكومات أمام تحديات متزايدة.
وبين كولومبيا التي تبحث عن الاستقرار، وكوبا التي تواجه حصارًا وضغوطًا متصاعدة، وفنزويلا التي تحاول الخروج من أزمتها الطويلة، والبرازيل والأرجنتين الغارقتين في خلافات سياسية ودبلوماسية، تبدو أمريكا اللاتينية وكأنها تقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح دولها في احتواء التوترات وإعادة بناء جسور التعاون، أو تدخل القارة مرحلة أكثر اضطرابًا قد تعيد رسم خريطتها السياسية بالكامل خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضا: لو طفلك مش مركز.. 8 أسباب وراء تشتت الانتباه وطرق التعامل معها
