
رسب الشعب التونسي في السبعينات وظل يعيد المقرر ولا يفلح في التجاوز. نقول هذا بعد متابعة مملة
للنقاشات التي غطت الأسبوع الأول من شهر آب/أغسطس، والتي عادت ككل سنة بمناسبة
تاريخ ولادة بورقيبة (3 آب/أغسطس)، وفي ذكرى وفاته (6 نيسان/أبريل)، وستعود بنفس
الكلمات والجمل بمناسبة ذكرى إصدار مجلة الأحوال الشخصية (13 آب/أغسطس) وفي ذكرى
عيد المرأة العالمي (8 آذار/مارس). ومحور هذه النقاشات المكررة هي المرأة وما يحيط
بها.
اقرأ أيضا: ارتفاع أعداد زوار اليوم الواحد للأردن بنسبة 8.3% خلال 7 أشهر
جانب من هذه النقاشات تثيره جهات في السلطة لصرف الاهتمام عن معضلات
التنمية وخاصة هذه الأيام، ولكن اليقين أن التونسيين مغرمون بالخوض في موضوع واحد
مرات كثيرة لنفس الأسباب التي تعطلهم سياسيا وفكريا. ونظن أن هذه النقاشات تريحيهم
من التفكير رغم أنها تنحدر إلى سوقية مبتذلة في غالب الأحيان، ونظن وهذا موضوع
جانبي أن التونسيين يجدون متعة في الابتذال.
فسطاط الزعيم الحداثي محرر المرأة
يظن فسطاط الزعيم، وهو خليط هجين من يسار بلا قضية وحداثيين لاهوتيين، أن
قوانين الزعيم وخاصة مجلة الأحوال الشخصية قد تنزلت منزلة النص المقدس الذي يحرم
الخوض فيه أو مراجعته، وهو عندهم نص بلغ الكمال منذ ميلاده، ولذلك فإن كل قول
يراجع أو يظهر نواقص النص التي برزت عبر مسار طويل من تطبيقه هو قول رجعي ولا يصدر
إلا عن “الخوانجية” ولو كان المتكلم زنديقا.
ينبري هذا الخليط الذي لم يتوحد سياسيا أبدا ولم يتخذ وجها حزبيا إلى تكرار
خطابات الرؤية الاستشرافية للزعيم التقدمي، ثم يركزون النقاش على مكاسب المراة
التونسية مقارنة بنظيرتها العربية. والمرأة تيمة اتخذها هذا الخليط ولم يكن يوما
متفقا حولها لكنها موضة “يسار البوبو” الذي ودع النضال من أجل الطبقة
العاملة واستخلص المرأة وحدها (بقطع النظر عن موقعها الاجتماعي) من بين الفئات
المضطهدة، ليتخذها تيمة نضالية وفي الخلفية إرباك الإسلاميين (أعداء المراة). والخليط
الحداثي يستريح في هذا الوصم ويغلق النقاش كما لو كنا في الجامعة التونسية في
السبعينات.
هل المرأة التونسية في وضع أفضل مقارنة بنظيرتها العربية (لا أحد يقدم
أرقاما)؟ وهل منع تعدد الزوجات ساهم في صناعة هذه الأفضلية؟
نختصر إلى أن هذه الجمهور يقفز فوق واقع متشابك ويعلي قدر النص القانوني وواضعه
ليسند هشاشة قراءته للواقع، بما يسهل علينا القول إن هذه إلا أيديولوجيا أصولية
منغلقة على نفسها، وفي كل دورة استعادة للخطاب تزداد انغلاقا وتتأهل لموت بطيء لكن
يقيني.
فسطاط أعداء الزعيم التغريبي
عندما يرمي الطيف الحداثي (أعلاه) كرة اللهب في الساحة ينبري لها إسلاميون
بلا ملامح سياسية بل أقرب إلى الغوغاء؛ يلعنون الزعيم ونصه وينسبون إليه فساد
المجتمع التونسي وخرابه، وينحط البعض إلى الطعن في سلامة نسب الزعيم. ويكون التركيز
عادة على أن منع التعدد هو سبب العنوسة ومن العنوسة تسرب الفساد (هنا أيضا لا أحد
يقدم أرقاما). وغالبا تنتهى النقاشات إلى بند وحيد هو أن التعدد مفيد وأن مانعه قد
خالف النص الالهي (كما لو أن النص الإلهي جعل التعدد شرط صحة إيمان المؤمن).
ربط هذ الطيف بين منع التعدد والفساد الأخلاقي وبين سلوكيات متحررة في
مهرجانات تونس (التكالب على فنان اسمه الشامي ) وتم ختم الملف: تونس مجتمع فاسد
منحل أخلاقيا بسبب مجلة الأحوال الشخصية وبالخصوص بسبب منع التعدد الزوجات، وكل
هذا هو نتيجة قرار الزعيم.
الذين عاشوا السبعينات ونقاشاتها يمكن أن يتذكروا أجواء ميلاد الجماعة
الإسلامية التي واجهت الزعيم في الحقل الأخلاقي، ووجهت خطابها إلى عوام الناس
فقدمت لهم ملجأ مريحا في مواجهة مسار تحديث قسري كان المجتمع التونسي قد دخله قبل
الاستقلال وتكرس بعده، وكان الناس يخشونه كخشيتهم لكل تغيير لا يستكنهون أفقه.
مختصر مواقف معسكر أعداء الزعيم يستعيد نفس المفردات كأنهم يقرؤون نصا كُتب في
السبعينات. هل هم شباب النهضة أم كهولها أو محافظون دون هوية سياسية قابلة للضبط؟
في غياب صحافة حرة لا يقدم لنا الفيسبوك التونسي بروفايلا واضحا لمن يروج هذا
الخطاب، ولكن نتيجة الموقف هي تكريس الوصم الحداثي: الإسلاميون أعداء المرأة،
وتكتمل الدائرة السبعينية. تونس ما زالت هناك رغم تغييرات عميقة مست عمق المجتمع
وأنماط السلوك والتفكير لمن يعيشون حياتهم دون صبها في قالب نظري مسبق.
لقد تغير المجتمع التونسي فعلا
يستريح الفسطاطان في نقاشتهم غير ذات الأفق، فهما يتجاهلان التغييرت
العميقة التي عاشها الشعب التونسي ولا يزال. لقد تغير السلوك العام، ومثال ذلك
انتقال الأسرة التونسية من الكفر بتعليم الفتاة إلى الإيمان المطلق بذلك، حيث
يتنافس الأباء والأمهات في دفع بناتهم إلى أعلى مراتب التعلم ويفتخرون بالنتائج.
اقرأ أيضا: “السورية للبترول” تكشف أسباب أزمة البنزين في دمشق | أخبار
وقد اكتسبت الفتاة المتعلمة حريتها كاملة وربت شخصية مستقلة برضا أهلها
ومباركتهم، لذلك يتحملون تأخر سن زواجها ولا يتحدثون عن عنوسة أو بوار، ويرفضون أن
تكون ابنتهم زوجة ثانية أو ثالثة في بيت لا تستقل به.
لقد تغير شكل الأسرة من ممتدة إلى نووية، وقل عدد الأطفال فيها ومؤشرات الخصوبة
والتجدد السكاني من بين الأقل عربيا، بل نلاحظ اتجاهات سلوكية متعاظمة نحو العزوف
عن تكوين الأسرة وتطوير سلوك فرداني لدى الفئات المتوسطة من الجنسين ممن أمّن
مصادر دخل عبر المصعد الاجتماعي.
وهذه التغيرات العميقة غيرت النظرة إلى التدين وبالتالي لفكرة الزواج
باعتباره أمرا دينيا مقدسا، وتبع ذلك تغير في النظرة الفردية للجسد، حيث تصير
العلاقات خارج الزواج مقبولة ومشروطة فقط بتخفّ كاف لعدم التعرض للتنمر والتنميط
الأخلاقي، وهي مرحلة مرت بها المجتمعات الغربية في مرحلة توسع الطبقات الوسطى في
الثلاثين المجيدة (سنوات ما بعد الحرب الثانية)، ووضعت ذلك ضمن سياقات الحداثة
الاجتماعية التي فرضها اقتصاد السوق، وهو نفس مسار الحداثة الذي دخله المجتمع
التونسي مرغما أو راضيا، وأنّى له أن يرفض.
ما هذه التغييرات إلا صور من كثير يعيشها مجتمع يتطور تحت سمع وبصر نخبه
الغارقة في نقاشات سبيعينية؛ لم يبق لنا من تفسير لغرقها إلا أنها عاجزة عن
استيعاب التغييرات، والتفاعل معها بالفتيا الدينية وبالتحليل السوسيولوجي والتكيف
مع شروطها التي تحتاج إلى ترجمة قانونية تخرج الناس من حيرة ومن تيه؛ بين حداثة
وافدة بقوة السوق وبين تراث اجتماعي وثقافي يقاوم بالانغلاق أكثر مما يتفاعل مع
واقع متحرك.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: مهتم بالتراث يجمع الدلال القديمة للحفاظ على حكاية القهوة السعودية عبر الأجيال
