
عمان – تتزايد مؤشرات التباين بين الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال على خلفية السياسات التي ينتهجها الكيان الصهيوني في قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية، وسط انتقادات أميركية متصاعدة لإجراءات حكومة بنيامين نتنياهو، لا سيما ما يتعلق بالاستيطان والتصعيد الميداني.
ويرى محللون سياسيون وأمنيون، إن الخلافات القائمة لا تعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، لكنها في المقابل تكشف عن فجوة متنامية بين الحسابات الإسرائيلية، خصوصا الداخلية والانتخابية منها، وبين الرؤية الأميركية الرامية إلى تهدئة المنطقة والحفاظ على ترتيباتها الإقليمية.
الاحتلال يتجاهل المصالح الأميركية
وقال المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د.منذر الحوارات، إن الرئيس الأميركي يرى أن الإستراتيجية الإسرائيلية تتعارض مع توجهات الولايات المتحدة الرامية إلى تهدئة المنطقة.
وأكد أن ذلك يظهر بوضوح في الملف اللبناني، حيث طالبت الولايات المتحدة دولة الاحتلال باتخاذ خطوات محددة، في وقت واصلت فيه الحكومة الإسرائيلية اتخاذ إجراءات تتجاوز المطالب الأميركية، بما في ذلك رفض بعض المقترحات الأميركية.
وأضاف أن هذا السلوك يمكن قراءته باعتباره محاولة إسرائيلية لتجاوز العقبة الأميركية، الأمر الذي يثير سؤالا أساسيا بشأن مدى قدرة الولايات المتحدة على ضبط الحكومة الإسرائيلية، خصوصا في ظل الحسابات الداخلية للرئيس الأميركي ورغبته في كسب أصوات اليمين والوصول إلى مكاسب سياسية داخلية.
وأشار إلى أن هذه المعطيات أثارت حفيظة الولايات المتحدة، التي باتت ترى أن الحكومة الإسرائيلية لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع المصالح الأميركية، وأنها مستعدة، على الأقل، للاستهانة ببعض هذه المصالح لتحقيق أهدافها الداخلية، خصوصا تلك المرتبطة بالمشهد السياسي الإسرائيلي.
ورأى أن المكاسب التي تسعى إليها حكومة الاحتلال قد تكون كبيرة بالنسبة إليها، لكنها في المقابل تضع الإدارة الأميركية أمام تداعيات سياسية واستراتيجية، وتزيد من حدة الغضب الأميركي تجاه بعض السياسات الإسرائيلية.
خلاف تكتيكي وليس إستراتيجيا
من جهته، قال الخبير الأمني والإستراتيجي د.عمر الرداد، إن ما يجري يعيد إلى الأذهان أسس العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، مؤكدا أن هذه العلاقة ما تزال ثابتة، وأن ما يظهر حاليا يعكس خلافات في وجهات النظر على المستوى التكتيكي، وليس على المستوى الإستراتيجي.
ولفت إلى أن الانتقادات وإبداء الملاحظات من جانب بعض أطراف الإدارة الأميركية بشأن الإجراءات الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية، تمثل في جانب منها نقدا لليمين الإسرائيلي المتطرف، باعتبار أن سياساته وإجراءاته على الأرض تعطل المقاربات الأميركية والرؤى الأوسع التي تتبناها واشنطن في المنطقة.
وأضاف أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة لا يستطيعون اليوم استيعاب أو قبول استمرار التحالفات مع واشنطن والتعامل معها لتحقيق أهداف إستراتيجية كبرى، في الوقت الذي يرون فيه أن الولايات المتحدة تتغاضى عن إجراءات اليمين الإسرائيلي المتطرف في غزة ولبنان، وبشكل خاص في الضفة الغربية.
وبين أن هذه الإجراءات، سواء كانت مستجدة أو امتدادا لسياسات قديمة، تعرقل قدرة الولايات المتحدة على بناء تفاهمات إقليمية، كما تحد من قدرتها على إقناع حلفائها في المنطقة باستمرار التحالف معها في العديد من القضايا وفي مقدمتها بناء المصالح المشتركة.
وقال إن نتنياهو ولأسباب انتخابية وبالتنسيق مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، يتخذ مواقف تتعارض مع طروحات سبق أن قطعت الولايات المتحدة شوطا كبيرا في تنفيذها.
وأوضح أن ذلك ظهر في لبنان عبر المفاوضات الإسرائيلية المباشرة مع الحكومة اللبنانية، والتي اعتبرها إنجازا أميركيا، إلا أن الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة باستمرار الاحتفاظ بأراض في جنوب لبنان وحتى مناطق جنوب الليطاني وشماله خلافا للتفاهمات والاتفاقات، تضع الإدارة الأميركية في موقف محرج وتعطل مشروعها.
وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على قطاع غزة، حيث ترتبط العديد من الملفات، مثل مجلس السلام والقوة الدولية وإعادة الإعمار بمشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرا إلى أن نتنياهو لأسباب انتخابية يتجاهل هذا المنجز ولا يبدي التزاما واضحا بمخرجاته.
وقال: “نتنياهو لا يريد الانسحاب من قطاع غزة، بل يريد بناء مستوطنات”، معتبرا أن ذلك يتعارض مع التوجهات التي تحاول الإدارة الأميركية الدفع بها في القطاع.
وتابع أن التصعيد في الضفة الغربية يحمل أهمية خاصة، نظرا لارتباطه بمدينة القدس والمسجد الأقصى، فضلا عن استمرار الاستيطان وإطلاق يد المستوطنين الإسرائيليين في مناطق الضفة الغربية، بما أدى إلى ارتكاب اعتداءات وعقوبات جماعية ومحاولات للسيطرة على أراضٍ جديدة وضمها فعليا عبر التوسع الاستيطاني.
وأكد أن الهدف من مجمل هذه الإجراءات، وفقا لقراءته، يتمثل في إسقاط فكرة الدولة الفلسطينية وإضعاف السلطة الفلسطينية، وهو أمر مرفوض من جانب العديد من الأطراف، ليس الفلسطينية والعربية فحسب، وإنما أيضا من أطراف دولية عدة، وفي مقدمتها دول فاعلة في الاتحاد الأوروبي.
وخلُص إلى أن مجمل هذه التطورات يضع الولايات المتحدة في موقف حرج، ويحد من قدرتها على الدفاع عن المقاربات الإسرائيلية، كما يجعل المقاربات الأميركية نفسها موضع شك وضعف أمام الأطراف الأخرى، سواء في مجلس الأمن والمؤسسات الدولية، أو عبر الاتصالات المباشرة والعلاقات الثنائية مع عدد من الدول العربية التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات إستراتيجية وتاريخية.
وشدد على ضرورة عدم المبالغة في تفسير الخلافات الحالية بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، محذرا من بناء آمال أو طموحات أو سيناريوهات تقوم على احتمال كسر العلاقة بين الجانبين.
وأوضح أن الولايات المتحدة، شأنها شأن العديد من دول المنطقة، ما تزال تميز بين التعامل مع إسرائيل كدولة، وبين التعامل مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ذات التوجه اليميني، وبالتالي فإن الخلاف مع حكومة نتنياهو لا يعني بالضرورة تحولا في طبيعة العلاقة الإستراتيجية الأميركية مع إسرائيل.
واشنطن تخشى فتح جبهة جديدة
بدوره، قال الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب إن الانتقادات الأميركية الأخيرة تعكس عدم رضا الإدارة الأميركية عن سلوك الحكومة الإسرائيلية ورئيس وزراء الاحتلال، خصوصا فيما يتعلق بالاستيطان والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين التي تحظى، بحسب تقديره، برعاية الحكومة الإسرائيلية.
وأكد أن الاعتداءات طالت بلدات وتجمعات سكنية فلسطينية، بما فيها التجمعات البدوية، مشيرا لتهجير أكثر من 127 تجمعا سكانيا، وإلى ترحيل نحو 3 آلاف فلسطيني من تجمعاتهم السكنية في مناطق الضفة الغربية منذ بداية العام.
وأضاف، إن ذلك يأتي إلى جانب الاعتداءات التي وقعت في بلدات مثل الطيبة، وهي بلدة مسيحية، فضلا عن اعتداءات أخرى وقعت خلال اليومين الأخيرين، معتبرا أن هذا التطور يكشف عن تغير في نمط اعتداءات المستوطنين.
ولفت حرب إلى أن هناك قلقا داخل الإدارة الأميركية من أن تكون دولة الاحتلال بصدد الدفع نحو مواجهة جديدة في الضفة الغربية، بما يعني فتح جبهة إضافية لا ترغب واشنطن في اندلاعها، بعد ما شهدته المنطقة من مواجهات في قطاع غزة ولبنان وإيران.
واعتبر أن التطورات السابقة دفعت الإدارة الأميركية إلى التدخل العسكري المباشر، وهو ما انعكس وفقا لتقديره، على مستوى التأييد للرئيس الأميركي بالتزامن مع بروز مرشحين ديمقراطيين لانتخابات الكونغرس يدعمون حقوق الفلسطينيين، إلى جانب تراجع مستوى التأييد للكيان الصهيوني لدى قطاعات من الجمهور الأميركي.
وشدد على أن هذه التطورات تضع الإدارة الأميركية أمام معادلة أكثر تعقيدا، حيث تجد نفسها في موقف حرج أمام جمهورها الداخلي، وفي الوقت ذاته أمام مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية التي قد تدفع نحو مزيد من التصعيد وفتح جبهات جديدة.
